• عزيزتي إدارة المرور!

    عزيزتي إدارة المرور!

    أمينة خيري
    09:00 م الإثنين 05 مارس 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    اكتب لكِ بعد طول تردد وعمق تشتت. وأعترف أنني كنت قد أخذت على نفسي عهدًا بألا أزعجك مجددًا، أو أحاول معاودة الاتصال بك، وذلك بعد محاولاتي الكثيرة التي بذلتها في السنوات القليلة الماضية لأعيد المياه بيننا إلى مجاريها وتعود الصلة بيننا إلى سابق عهدنا، حتى وإن كان سابق العهد فيه من المرارة ما يجعل المرء يشعر بشيء من الظلامة.

    لكن قليلاً من الظلامة لا يضر، في مقابل أن تعودي لتنيري حياتنا وتفرحي قلوبنا وتحرري مخالفاتنا وتدبّي الخوف والرعب في قلوب من يقودون سيارات منزوعة اللوحات المعدنية، أو مطموسة الأرقام، أو ضاربة عرض الحائط بقواعد السير والنظام.

    أعلم تمامًا أن المعارف والحبايب كثيرًا ما فرقوا بيننا ودقوا إسفين الفرقة بين قلوبنا، لكننا كنا صغارًا ومِلنا ميلاً إلى الطيش والاندفاع. أحلام المراهقة والشباب صورت لنا أنك لنا وحدنا ولا حياة لك غيرنا أو مجال لتواجدك غير شوارعنا ومياديننا. لم تعطك الحق في أن تكون لك حياتك الخاصة، تنزوي فيها حينًا، وتختفي فيها بعيدًا عن الأضواء والمطالب ووجع الدماغ حينًا آخر. اعترضنا على غياب شمسك لبضع ساعات ثم عدد من الأيام، ولم نكن نعلم أنك تخططين للاختفاء واعتزال الحياة العامة.

    ولو علمنا بذلك لذرفنا الدمع أنهارًا ولتشبثنا بك ليلاً ونهارًا.

    عزيزتي إدارة المرور. لم أعتد أن أتجاهل كرامتي أو أدوس على كبريائي. اسألي كل من يعرفني. لا أطارد هؤلاء بحثًا عن منفعة، أو أضغط على أولئك أملاً في مصلحة. وعلى الرغم من محاولاتي الكثيرة السابقة لأقنعك بمعاودة الظهور في حياتنا لتنيريها مجددًا وتضخي فيها قدرًا من النظام المنتهك.

    لكن أنهكني طول انتظارك وأرهقني أمل تشريفك لنا في حياتنا التي باتت بلا طعم أو لون أو رائحة منذ هجرتينا وتركتينا نهبًا لقانون الغاب.

    ومع غياب ضباطك وأمنائك وجنودك من الشوارع أصبح حالنا يصعب على الكافر. صارت القيادة فهلوة، والسير عكس الاتجاه هواية مثل الحياكة وجمع الطوابع، وإيقاف السيارات في عرض الشارع أو مطلع الكوبري أو منزل الدائري مجالاً لاستعراض رباطة الجأش وقوة الشكيمة بيننا وبين بعضنا.

    تخيلي يا إدارتنا الحبيبة حين أشتبك مع سائق "تُمناية" مرخصة ملاكي وتعمل أجرة ويعيث سائقها فسادًا في الشارع قادمًا عكس الاتجاه بأقصى سرعة، فأهدده بك وأنذره بأنني سألجأ إليك، فيقهقه بعلو الصوت ثم يسألني مستفسرًا مستنكرًا مستعبطًا: وهي فين إدارة المرور دي؟! سلامات يا إدارة! لحظتها، غلا الدم في عروقي، ووددت أن أرد غيبتك وأدافع عن كرامتك، لكنني نظرت حولي في الميدان الشاسع والشوارع الرئيسية الكثيرة المتفرعة منه، فلم أجد لك أثرًا أو ألمح لك أمارة.

    ويسألني البعض: "بأمارة إيه تكتبين لإدارة المرور وهي عنك مشغولة، وعن همومك ملهية؟" فقلت ودموع فراقك تترقرق في عيني: "بأمارة العيش والملح وما كان بيننا من علاقة وطيدة حتى وإن مرت أحيانًا بلحظات عصيبة من مطالبتي لك بمزيد من التفاني والتواجد في حياتي".

    عزيزتي إدارة المرور. أستحلفك بكل عزيز لديك، عودي. أعرف تمامًا أنك تقفين خلف نافذة هنا أو من وراء باب ذي زجاج عاكس هناك، فترين ما أصاب شوارعنا من عشوائية كاملة وفوضى شاملة وبوهيمية لا تخلو من بهيمية متكاملة. أعرف أنك ترسلين أحيانًا رسائل صوتية تناشدين فيها السائقين العودة إلى اتباع قواعد المرور، لكنهم يا عزيزتي لا يعرفونها أصلاً، فما بالك بالعودة إليها؟! وقد شاهدك أحد أصدقائي بالصدفة قبل ساعات في مناسبة زيارة ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان. وقد فتن لي صديقي أنك ظهرت بكامل عدتك وأظهرت كل قوتك، وكان شارع الجلاء- الذي يئن طيلة الوقت تحت وطأة ميكروباصات طائشة وباصات هائمة وسيارات متناحرة ووقوف خاطئ وسير عكسي ومركبات دون لوحات أرقام- أشبه بشوارع أوروبا والدول المتقدمة.

    إدارتي الحبيبة، هل تعلمين أنك الإدارة المفضلة لدي؟ وهل أخبرك أحدهم بأن القلق يكاد يقتلني منذ اختفيت من حياتنا؟ وهل نما إلى مسامعك أننا نقف على قلب رجل واحد بالساعات في الميادين والشوارع الحيوية الرئيسية في انسدادات مرورية ناجمة عن غباء وسفه وطيش قائدي مركبات يعتقدون أنك (بعد الشر) رحلت عن حياتنا للأبد؟!

    أخيرًا عزيزتي إدارة المرور. أخيرًا لا يسعني إلا أن أقول لك: بنحبك.. بوسة كبيرة.. لا إله إلا الله!

    إعلان

    إعلان

    إعلان