ثلاث سنوات على رحيل إدوار الخراط

ثلاث سنوات على رحيل إدوار الخراط

محمود الورداني
07:30 م الخميس 06 ديسمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

أكثر من ستين كتابا قدمها إدوار الخراط (16/3 / 1926 – 1/12 / 2015) للمكتبة العربية في الرواية والقصة والنقد والترجمة، وتأثيره على عدة أجيال متتابعة لا يمكن إغفاله. ومنذ ستينيات القرن الماضي لم يكف عن التبشير والدعوة للكتابة الجديدة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ولطالما اعتبرته الأجيال الجديدة من كتاب الرواية والقصة القصيرة والشعر أحد آبائها الكبار، غير أن السنوات الثماني الأخيرة من حياته كانت مأساة كاملة، لم تعذبه هو فقط، بل عذّبت المحيطين به وأصدقاءه وتلاميذه، بسبب العزلة الإجبارية المفروضة عليه.

كان آخر تكريم حصل عليه إدوار الخراط هو حصوله على إحدى أرفع الجوائز العربية عام 2007 وهي جائزة الرواية العربية التي تم تسليمها إليه في احتفال كبير في دار الأوبرا، وهنا لاحظ الحاضرون أثناء إلقائه كلمته شروده وارتباكه وعدم ثباته.

ومنذ تلك اللحظة، وحتى رحيله بعد ذلك بثماني سنوات، دخل إدوار في نفق طويل من العزلة الإجبارية المفروضة عليه بسبب مرضه وفقدانه لذاكرته، ولم يعد قادرا على الاعتماد على نفسه، وأيضا لم يعد ممكنا تركه وحيدًا.. باختصار فقدت تلك القامة الشامخة أثمن ما تملكه: الذاكرة.

أما واجب الأجيال العديدة من الكتاب الذين بشّر بهم وقدّمهم للحياة الأدبية وكتب عنهم الدراسات والمتابعات النقدية في الكثير من كتبه، فهو أن تتذكره وتعيد طباعة أعماله التي نفدت تماما وهي كثيرة.

ربما كان دوره في الاحتفاء وتقديم الأجيال الجديدة من الكتاب، ظل أحد أهم أدواره. وعلى سبيل المثال، فإن الكتاب الأول الذي يضم أول أعمال كتاب القصة في سبعينيات القرن الماضي، أصدره الرجل قبل أن يصدر أي من هؤلاء الكتاب عمله الأول، وهو ذات الاهتمام والاحتفاء الذي أولاه لشعراء وقصاصي الموجات الجديدة من الكتاب والكاتبات في الندوات التي كان حريصا على حضورها، وفي العديد من كتبه التي كرسها لدراسة أعمال الاتجاهات والتيارات الجديدة.

وفيما يتعلق بإبداعه يمكن التمييز بين ثلاث مراحل، على الرغم من فترات الصمت الطويلة بين كل عمل والآخر. الأولى بصدور مجموعته" حيطان عالية" عام 1959، ثم" ساعات الكبرياء"1972 و" اختناقات العشق والصباح" 1983. وعلى الرغم من سطوة الواقعية آنذاك كمذهب أدبي، إلا أن أعماله تلك قدّمت مذاقا مختلفا، حيث يختلط الحلم بالواقع وحيث البناء القصصي لا يحفل بالتتابع التقليدي وتختلط الأزمنة والأصوات.

الثانية تبدأ بروايتيه "راما والتنين" 1979 و"الزمن الآخر" 1985 .. كلتا الروايتين تضم تنويعات على اللحن نفسه، بل تكادان تكونان رواية واحدة مكتوبة مرتين، ومع ذلك فكل منهما تشكّل إنجازا فريدا في الرواية العربية. أما المرحلة الثالثة التي استمرت إلى ما قبل مرضه عام 2007، فهي مرحلة الغزارة المذهلة، فقد كان يصدر كل عام أكثر من كتاب في الرواية والمجموعة القصصية والنقد والترجمة. كتب في تلك المرحلة الكثير من أعماله المهمة مثل "يا بنات إسكندرية"، "مخلوقات الأشواق الطائرة"، "اختراقات الهوى والتهلكة"، "رقرقة الأحلام الملحية"، "الأبنية المتطايرة"، "حريق الأخيلة"، "يقين العطش".. وغيرها وغيرها.

بطبيعة الحال نفدت تلك الأعمال وغاب إدوار الخراط طويلا قبل أن يتوفى بسبب مرضه الطويل.. أظن أن واجب الأجيال المتتالية التي قدّمها وبشرّ بها من الكتاب أن تختار بعض أعماله وتصدرها في طبعات جديدة، خصوصا بعد أن توقف فجأة وعلى نحو غامض المشروع الذي كانت دار التنوير قد اتخذت فيه الخطوات الأولى بإعادة طباعة أعمال الراحل الكبير.

إعلان

إعلان

إعلان