• زمن ابتذال الكتابة

    زمن ابتذال الكتابة

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 02 ديسمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الكتابة إن لم تكن نحتًا للمفردات من جبال الحروف والكلمات، لا يُعول عليها.

    الكتابة إن لم تكن التقاطًا للمعاني والأفكار من أعماق التجربة الإنسانية وبحور المعرفة والفلسفات، لا يُعول عليها.

    الكتابة إن لم تكن تكوينًا هندسيًا، ونحتًا فكريًا وأسلوبيًا بعد بحث واستقصاء، لا يُعول عليها.

    الكتابة إن لم تحمل قبسًا من جلال العمارة القديمة، وتناغم الموسيقى الكلاسيكية، لا يُعول عليها.

    الكتابة إن لم تُثرِ وعي وروح القارئ، بحيث ترتقي بذوقه وتنمي حسه النقدي، لا يُعول عليها.

    الكتابة إن لم تفتح أمام القارئ نوافذَ وآفاقًا جديدة للتفكير والحياة، لا يُعول عليها.

    وفي زمن استسهال وابتذال الكتابة، والجرأة على نشرها، ممن لا يملكون مقوماتها وأدواتها، يتحتم علينا تذكر دروس الرصانة العلمية والأدبية التي وضعها كبار الكُتاب، مثل قول الأستاذ عباس محمود العقاد:

    "إنه لكي يكتب جملة واحدة، كان عليه أن يُقلب ألف طن من معدن الكلام".

    وكذلك قول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: "إن المكتوب هو نتاج المقروء".

    وخلاصة درس العقاد وسارتر أن شرط الكتابة هو القراءة العميقة التي تصنع شخصية الإنسان وعقله، وتجعل لكلامه وكتابته صوتًا مميزًا وقيمة.

    وإذا عدنا لتراثنا الأدبي والبلاغي العربي نجد الكثير من الشواهد الشعرية والأقوال التي تؤكد المعنى الذي قال به الأستاذ العقاد والفيلسوف سارتر، والذي يجعل الكتابة حصادًا لمعارف وخبرات مُكتسبة، ونتاجًا لأدوات ومهارات مُحصلة، ومرآة لعقل ونفس الكاتب؛ مثل قول أحدهما:

    "وشعرُ الفتى يبدي غريزة طبعه/ وبالكتب يبدُو عقلُه وبلاغتُه".

    وقول الشعبي:

    "يُعرف عقل الرجل إذا كتب وأجاب".

    وقول العتبي: "عقول الناس مدونة في كتبهم".

    وأخيرًا قول ابن المقفع: "كلام الرجل وافدُ عقله".

    وبناء على ما سبق يمكننا اليوم أن نعرف لماذا أصبح كثير مما نقرأه على صفحات الجرائد والمواقع الاليكترونية، وفي النصوص الشعرية والأدبية الجديدة، "كتابة ساكتة" لا تُحرك عقًلا، ولا تثير مشاعر، ولا تخلق وعيًا، كتابة لا منفعة فيها ولا قيمة لها ولا يُعول عليها.

    وفصل المقال أن الكتابة، سواء أكانت بحثًا علميا، أم شعرا أم أدبًا، أم كتابة صحفية، يجب لكي تكون مختلفة ومميزة ويُعول عليها أن تتأسس على البحث الجاد والعمل على امتلاك المهارات والأدوات اللازمة لها، وتتطلب قبل كل شيء أن يكون لديك كلام جديد ونافع وممتع يَستحق أن يُقال ويُكتب.

    إعلان

    إعلان

    إعلان