• مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي تجربة رائدة في خلق الجمهور

    الناقدة السينمائية د. أمل الجمل

    مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي تجربة رائدة في خلق الجمهور

    د. أمل الجمل
    11:00 م الأحد 16 ديسمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    دارت بخاطري أفكار عديدة وأنا أتأمل أجواء افتتاح مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي الذي افتتح دورته الرابعة أمس الأول- الخميس الماضي- الموافق ١٣ ديسمبر ٢٠١٨. الخواطر التي دارت بذهني لم يكن منبعها فقط أن العروض أقيمت في طقس آخر مغاير، فلا وجود لخشبة المسرح التقليدية، فالرمال الممتدة هنا هي خشبة المسرح التي تحمل الكثير من رموز الأصالة والعادات العربية، أما السينوغرافيا كعادة أغلب العروض في مهرجانات المسرح بالشارقة فشديدة التميز ومبهرة في جمالياتها ودلالتها الدرامية.

    صحيح أن تلك التظاهرة المسرحية «تستمد خصوصيتها وفرادتها من رهانها على الصحراء فضاء ومجتمعاً ورؤية لعروضها وأنشطتها المصاحبة» وفق تصريح مدير مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، أحمد بورحيمة، لكن على صعيد آخر، هناك عدة أمور أخرى كانت مُدهشة لي بقوة خصوصا أنني شغوفة بالتساؤل الدائم:

    لمن نُقدم الفن؟! ومَنْ يستخدمه؟! ومَنْ يستهلكه؟! وهل يصل إلى مستحقيه؟!

    أول تلك الأمور اللافتة لي كان تصريح رئيسة قسم البرامج والفعاليات في إدارة المسرح ورئيسة اللجنة الإعلامية للمهرجان، مريم المعيني، أن بموقع العروض المسرحية يوجد «50 خيمة، حيث تضم الخيام سبعة مجالس، تم حجزها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي للمهرجان، للمبيت لـ350 أسرة من كل الجنسيات، وتوفير الإمكانات اللازمة لإقامتها برفقة أطفالها في أجواء فعاليات المهرجان».

    لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد تم توفير ثلاث وجبات لهم، بحيث تتمكن كل أسرة من قضاء يوم وليلة كاملة والاستمتاع بمشاهدة بروفات العرض النهارية، ومتابعة العروض المسرحية بصورتها النهائية في الليل، وإتاحة الفرصة لبعضهم بالمشاركة في بعض العروض، بعد اجتياز اختبارات الأداء لهم، إضافة إلى توفير معلومات تثقيفية شفهية ومكتوبة بأماكن الإقامة، إذ يقوم أشخاص بذلك عبر المرور على المجالس لتثقيف الجمهور بالمسرح في الشارقة. مثلما يُسمح لهم بالمشاركة في تلك المسامرات النقدية اليومية، التي تُسلط الضوء على الجوانب الفنية للعروض المشاركة وتحاور حلولها وأساليبها ورؤاها الفكرية، بجانب مسامرة فكرية تحت عنوان «المسرح الصحراوي بين الأصالة والمعاصرة».

    عاصمة الثقافة الحقيقية

    أليست تلك محاولات صادقة- خالية من الادعاء- من أجل نشر الثقافة المسرحية في كل مكان بتلك الإمارة التي تستحق عن جدارة لقب عاصمة الثقافة العربية؟! صحيح أن الشارقة نالت ذلك اللقب عام ١٩٩٨، ولكنها على مدار تلك السنوات اللاحقة تُثبت كل يوم ومن خلال إرشادات صاحب السمو حاكم الشارقة أنها خير تمثيل لما يعنيه لقب "عاصمة الثقافة العربية"، تماما كما تستحق حاليا عن جدارة إعادة لقب "عاصمة الثقافة الإسلامية“، فهناك اهتمام كبير بالثقافة الإسلامية وبكل ما هو إسلامي والحفاظ على الهوية الإسلامية من دون أن يتم التخلي عن مظاهر المدنية والحضارة والتقدم التكنولوجي.

    إنها المهمة الأصعب؛ حيث المزج بين الأصالة والمعاصرة، وكذلك الأمر فيما يخص هوية الثقافة العربية، فجميع المناسبات الثقافية هناك- وما أكثرها!- لا تتخلى عن تلك الهوية، فلا تُنكر التراث أو تهمله أو تخجل منه، بل تحافظ عليه بدأب وفخر كبيرين، وتنسج معه وشائج قربى، بإقامة الجسور المتينة. كل ذلك يسير بالتوازي مع الاهتمام بكثير من أشكال الفنون، خصوصا المسرح أبوالفنون، فتُقام له مهرجانات عديدة على مدار العام بفضل حاكم الشارقة الذي ألف مسرحيات عديدة تم تجسيدها على خشبة المسرح مرات عدة، وتُرجمت للعديد من اللغات، وقامت من حولها دراسات وتحليلات نقدية عربية وأجنبية.

    بين الأقصر والشارقة

    حديثى السابق عن الشارقة يعيد إلى ذاكرتي واقعة معرفة أن الأقصر في ٢٠١٧ حتى مارس ٢٠١٨ كانت عاصمة الثقافة العربية، والحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن المحافظ السابق لم يتمكن، ولم يبذل جهدا حقيقيا للاستفادة من ذلك اللقب والترويج سياحيًا للمدينة التي تمتلك ثلث آثار العالم، ولم ينجز المشاريع الأهم، بل لقد شاهدت طريق الكباش أنا وآخرون، وأصابتنا حسرة وغصة لحال تلك الكنوز التي وُضعت بين أيادٍ تهملها، ولا تعرف قيمتها.

    وفي تقديري الشخصي أن مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية كان يُحيي مدينة الأقصر ويضخ فيها الدماء، ويجعلها تحت دائرة الضوء والإعلام بطريقة لم ينجح محافظ الأقصر- السابق- في إنجازها أو مضاهاتها، وأعتقد أنه اكتفي بحفلات غنائية وعدة ندوات دون أن يُدرك مغزى وقيمة وأهمية لقب "عاصمة الثقافة العربية".

    ليس بالمال وحده

    الحقيقة أيضاً أنه يمكن المقارنة بين رعاية الثقافة بالشارقة ونظيرتها بمصر! بين المسرح الصحراوي هناك ومسرح الشارع بمصر الذي اختفي، وتمت مصادرته، بين حال مسارح الدولة وقصور الثقافة بالمحافظات المصرية، خصوصا مسرح بني سويف الذي شهد كارثة ٢٠٠٥، وحتى عندما تم تجديده وسمح للجمهور في كافة المحافظات بدخول المسرح مجانا يوم الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، لكن أبواب مسرح بني سويف ظلت مُوصدة كأنهم يخشون تجدد الذكرى واستيقاظ الشهداء الذين بقيت ذكراهم حية، المقارنة بين كل ذلك وبين حالة الازدهار والرعاية التي يتلقاها فنانو المسرح وعشاقه بإمارة الشارقة؟!

    ومن فضلكم، لا تُرجعوا الأمر إلى الإمكانيات المادية المتاحة بالشارقة والتي تذلل كل العقبات، لأنه ما أكثر الدول التي تمتلك أموالا وثروات مادية طائلة ولا يشغلها الثقافة ولا تهتم بها، والعراق نموذجاً.

    من ناحية أخرى، لأن هناك عشرات التجارب المصرية التي تثبت أنه ليس بالأموال وحدها يُصنع الفن، وتنتشر الثقافة، هناك كثير من التجارب المتقشفة والناجحة. يكفي أن نذكر مهرجان وليد في الإسكندرية للهواة من صناع الأفلام القصيرة، لكنه رغم إمكانياته المحدودة وضعف موارده التي تعتمد على الجهود الذاتية، لكنه نجح في جذب الجمهور إلى قاعات العروض بشكل لافت، وأصبحت المقارنة دائمة بينه وبين مهرجان آخر بنفس المدينة تموله الدولة، لكنه قاعاته يتم تصويرها، وهي فارغة من روادها.

    المرشد في رحلة الصواب

    أتذكر الآن كلمات الفنان الراحل نور الشريف عندما قال لي ذات يوم أن القائد الحكيم الواعي هو المرشد في رحلة الصواب، وأنه قادر على إعادة بناء الإنسان وتغيير سلوكه، مُدللا على ذلك بتجربة عبدالسلام المحجوب محافظة الإسكندرية ١٩٩٧- ٢٠٠٦، وكيف اختفت أصوات آلات التنبيه في المدينة، وكيف تم تجديد الكورنيش، وبعض المناطق بالإسكندرية تدريجيًا.

    الأمر ذاته ولكن بدرجة أكثر وضوحاً، وشمولا وقوة، يتبدى لي من خلال تجربة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة.

    صحيح أنني بدأت منذ ٢٠١٢، فقط في متابعة سياساته، ودعمه للشأن الثقافي والمثقفين، وتوجيهاته المستمرة- وتصريحاته- نحو "مضاعفة الجهود لجعل تجربة المسرح في البلاد العربية فاعلة ومؤثرة ومتجددة، وذلك بمواكبة كل ما تشهده حياتنا من شواغل وأسئلة وتطلعات، أو من خلال اقتراح سبل وحلول إبداعيّة جديدة، تقرأ الحاضر وتستشرف المستقبل". لكنني من خلال متابعتي للأرشيف - خصوصاً - الذي يُوثق "حصاد السنين" طوال ثلاثين عاماً من العمل الثقافي بالشارقة يُمكن إدراك الجهد الكبير الذي بُذل تحت رعايته وتوجيهاته لتحقيق تلك النتيجة، فلولا وجوده ما كانت الشارقة قد نالت مكانتها الحالية.ً

    إنه لا يكتفي بذلك، لكنه بمجرد نجاح تجربة جديدة وتثبيت أقدامها سَرعان ما يفكر في خطوة أبعد، فقد أعلن سموه أثناء افتتاحه الدورة الرابعة من مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي أن «نجاح المسرح الصحراوي جاء مكتملاً، ومحفزاً للانتقال إلى مرحلة جديدة في الفترة المقبلة، وهي المسرح البحري». مضيفاً أنه «مطمئن إلى مستوى المسرح الإماراتي في كل تخصصاته وكوادره من المؤلف والمخرج والممثل والفني والجمهور».

    لماذا الصحراء؟

    بعد كل هذا العدد من مهرجانات المسرح الناجحة في الشارقة لماذا يتم التفكير في إقامة المسرح الصحراوي؟!

    سؤال قد يتبادر للذهن. لكن حضور فعالياته وأجوائه قد تُغني عن الإجابة؛ فعروضه تُقام في قلب صحراء الشارقة بمنطقة الكهيف، حيث تم إعداد المكان بنائياً وتجهيزه بوسائل الضوء والصوت، بحيث ينسجم مع طبيعة العروض، التي تتميز بهويّة فنيّة خاصة، في موضوعاتها وأشكالها، حيث ترتكز في بنيتها على الشعر والربابة والتشخيص، وتتشكل جمالياً من عناصر ووحدات بصرية مستعارة من مرئيات البيئة الصحراوية. بمعني آخر، ووفق توصيف الأستاذ أحمد بورحيمة "عروض المهرجان تتمحور في بنيتها حول الحكاية والشعر والأداء، وعلى أساليب متعددة من التعبيرات الفنية التي تختزنها الذاكرة الجمالية للصحراء، ويراد لهذه العروض أن تعكس الملامح المتنوعة للثقافة الصحراوية الممتدة طولاً وعرضاً في المشرق والمغرب من جغرافيا الوطن العربي، واستكشاف الصلات الكائنة والممكنة بين أشكال التعبير الأدائي والسردي، التي تعمر الصحراء وفن المسرح".

    أتي المهرجان في دورته الرابعة لمواصلة نجاحات حققتها الدورات السابقة، بما يعكس الرؤية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في دعم المسرح والمسرحيين ونقل المسرح إلى قلب الصحراء، حيث الفضاءات الجديدة التي لا يقيدها حدود خشبة المسرح، وليعيش جمهور وعشاق المسرح تجربة فريدة في مشاهدة عروض مسرحية في وسط الصحراء؛ إذ تحتفي عروض ذلك المهرجان بعوالم وثقافة الصحراء، ساعية إلى مقاربة الصلات بين المسرح وأشكال الإبداع التي طورتها مجتمعات الصحراء، ومثلا كان عرض الافتتاح المعنون بـ"الفزعة" مرتبطا بالبيئة الصحراوية الإماراتية والعربية وما تحمله من عادات وتقاليد وموروث وقيم عربية أصيلة، والتي انعكست على سلوك الإنسان العربي من مكارم الأخلاق وقيم نبيلة، ومن هذه القيم "الفزعة"، وهي الفكرة الرئيسة للعرض والتي يُقصد بها "إغاثة الملهوف".

    "عنترة" مصر

    بقي أن نشير إلى أن مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي يُقام بتنظيم من إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام، ويستمر خمس ليالٍ، كل منها تحفل بعرض يحتفي بثقافة الصحراء من دولة عربية، ومن بينها مصر التي يُمثلها عرض "عنترة" لفرقة كريشن قروب، من إعداد وإخراج المسرحي الدكتور جمال ياقوت، أحد أبناء الإسكندرية، وأحد الناجين من محرقة مسرح بني سويف، إضافة إلى عروض من تونس، وموريتانيا، ونواكشوط، وأقيمت عقب كل عرض مسرحي ندوات نقدية يومية تعلق على تقنياتها وموضوعاتها بمشاركة نخبة من الباحثين المسرحيين، كما تم تنظيم العديد من المسابقات حول المعارف المسرحية العامة والمعلومات المتعلقة بالمهرجان.

    ولننتظر بأمل كبير وشغف فعاليات مهرجان الشارقة للمسرح البحري في دورته الأولى. ربما قريبًا جدًا.

     

     

    إعلان

    إعلان

    إعلان