• لقد تأخر الأمر كثيرًا

    لقد تأخر الأمر كثيرًا

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 07 أكتوبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    "لقد تأخر الأمر كثيرًا".. تلك عبارة ملهمة وعميقة الدلالة، اختتم بها الفيلسوف الفرنسي الراحل "ميشيل فوكو" محاضراته الأخيرة عن "جرأة قول الحقيقة" في "الكوليج دو فرانس" في مارس سنة 1984، ليموت بعدها بأسابيع بعد معاناة طويلة مع المرض، عن عمر ناهز السابعة والخمسين عامًا.

    وبصرف النظر عن مغزى تلك المقولة عند "ميشيل فوكو" وعلاقتها بتطور مرضه، وإحساسه باقتراب الموت المحتوم، وأثر ذلك على حياته الفكرية وخياراته، ومشروعه العلمي، ومستقبل محاضراته التي كانت تجذب اهتمام حشود المثقفين والطلاب وتثير فيهم الحماس والرغبة في التفكير والتغيير، فإن تلك المقولة هي لسان حال الكثير من البشر الذين يكتشفون في لحظة استنارة وجودية وصدق مع الذات أن هناك الكثير من الخيارات والقرارات التي تستحق أن نقول فيها بشجاعة: "لقد تأخر الأمر كثيرًا"، ويجب علينا البدء بالتغيير والإصلاح.

    فنحن دائمًا متأخرون عن شيء ما؛ خطوة يجب علينا أن نهزم ترددنا، ونخطوها. قرار يجب علينا أن نتخذه بشجاعة. عادات ومشاعر مُعوقة يجب أن نقلع عنهما ونتخلص منها. متأخرون عن هجرٍ وفصلٍ عن بشر وسياقات غير مرغوب فيهما، أو قرب ووصل مع شخص وسياق يحييان فينا ما مات. متأخرون عن عودة للبدايات والأصول أو رحيل كمسافرين بلا متاع بلا أثقال أو هموم. متأخرون عن مشروع يجب علينا أن نبدأه، ونحقق ذواتنا فيه أو مشروع يجب علينا أن ننهيه ونعترف بخساراتنا وفشلنا فيه.

    متأخرون عن أن نُميت بداخلنا وفي حياتنا أشياءً كثيرة يتحتم أن تموت لكي نحيا أصحاء وسعداء، وهي أشياء أصبح من العبث التمسك بها بعد أن فقدت جدواها ومبرر وجودها، وأصبح كل ما حولنا يحتم موتها؛ سواء أكانت هذه الأشياء أحلاما أدركنا استحالة تحقيقها، وكادت تتحول إلى كوابيس تُفسد علينا حياتنا، أو بشرًا دخلوا حياتنا، وأفسدوها، أو مشاعر تجاه هؤلاء البشر أدركنا عدم جدارتهم أو استحقاقهم لها.

    ولهذا كله يجب علينا قبل فوت الأوان، أن نمتلك شجاعة مواجهة ذواتنا وخياراتنا وعلاقاتنا في الحياة، لنقول بجرأة عند إدراكنا جوانب الفشل في وجودنا: كفى هذا الهدر! لقد تأخر الأمر كثيرًا، ويجب علينا أن نسرع لتصحيح الخطأ واستدراك ما فات؛ فلا يزال هناك في العمر متسعٌ للتغيير والحلم والرحلة المرتقبة لكي نحيا بطمأنينة ورضا، ولكي نكون ما نريد.

    إعلان

    إعلان

    إعلان