توظيف الجسد في الفكر السياسي الغربي

عمار علي حسن

توظيف الجسد في الفكر السياسي الغربي

د. عمار علي حسن
09:00 م الأربعاء 10 أكتوبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

حفلت أفكار الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع والسياسة في الغرب باستعارات نظرت إلى الدولة باعتبارها جسدا، والسياسة بوصفها وظيفة حيوية، وهي مسألة ضاربة في تاريخ الفكر منذ أرسطو وحتى ابن خلدون والفارابي وابن الأزرق وغيرهم.

فها هو الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس هوبز يقول في كتابه "التنين": "تدخل ضمن إعاقات الدولة، وفي المرتبة الأولى، تلك الناتجة عن تأسيس ناقص، وهي تشبه أمراض الجسم الطبيعي الناجمة عن إنجاب سيئ .. والحال أشبه بأجساد الأطفال المولودين من أهل مصابين بالأمراض، فإما أن يتوفوا قبل الأوان، وإما أن يتحرروا من الصفات الفاسدة الناتجة عن حملهم الرديء، وولادتهم، عبر الدماميل والخراجات".

وفي حديثه عن "موت الجسد السياسي" يشبه جان جاك روسو الدولة بالإنسان، فبرلمانها هو قلبه، وحكومتها هي رأسه، وكلاهما قد يمرض، أو يعتل، بما لا يقوم بوظائفه على الوجه المطلوب أو المتوقع، وهنا يقول: "يبدأ الكيان السياسي ككيان الإنسان، بالموت منذ ولادته، وهو يحمل في ذاته أسباب زواله، بيد أنه يكون كل من الكيانين نظامًا على شيء من القوة، صالح لحفظه زمنا طويلا أو قصيرا. ونظام الإنسان من عمل الطبيعة، ونظام الدولة من عمل الفن.. ولا يتوقف على الناس إطالة حياتهم. وعلى الناس تتوقف حياة الدولة بمنحها أحسن نظام ممكن. أجل إن للدولة المنظمة أحسن تنظيم نهاية. ولكن هذه النهاية تأتي متأخرة عن غيرها ما لم يؤد حادث مفاجئ إلى هلاكها قبل الأوان. ويقوم مبدأ الحياة السياسية على السلطة ذات السيادة. وتعد السلطة الاشتراعية قلب الدولة. وتعد السلطة التنفيذية دماغها الذي يوجب حركة جميع الأجزاء، وقد يصاب الدماغ بالفالج، ويظل الفرد حيا، وقد يبقى الإنسان أبلهًا ويعيش، ولكن القلب إذا ما انقطع عن القيام بوظائفه مات الحيوان".

ويستعير جون لوك الجسد في تناوله لمسألة الاستيلاء بالقوة على الحكم، أو قهر المجتمعات البشرية الحرة على أيدي مستعمريها، فيقول: "كما يمكن أن نطلق على الغزو اغتصابا أجنبيا، فكذلك الاغتصاب نوع من الغزو المحلي".

واستعارة التجربة والخطأ، أو التحدي والاستجابة، عند داروين تقوم على أن الكائنات الحية والمجتمعات تواجه مشكلات تضعها في طريقهما البيئة الخارجية. وتظهر هذه الاستعارة في التطور الحضاري، حيث تختلف الحضارة عن أختها في أساليب مجابهة البيئة. وقد امتدت هذه النظرية ذات الطابع الاستعاري إلى نظريات التطور النفسي والتعلم، والرؤية المعرفية التطورية عند بوبر ولورنز وكامبل وبياجيه.

وفي سياق تأثره بالفكر البيولوجي لدى داروين ولامارك ومندل وبرونوتيير يماثل المفكر الإنجليزي هربرت سبنسر بين المجتمع والكائن الحي، فيرى أن المجتمع يمر في انتقاله من البساطة إلى التعقيد بثلاث مراحل: النشوء والارتقاء والانحلال، أو الولادة والتكيف والفناء، وأن كل عضو يقوم بوظيفة معينة في إطار النسق الكلي، الذي تمدد من الأسرة إلى العشيرة فالقبيلة فالمدينة وأخيرا الدولة، بما يجعل المجتمع كائنا عضويا له أعضاء للتغذية، ودورة دموية، وله تناسل وإفراز تماما مثل الأفراد، وكما أن الرضيع يصبح رجلا، فإن المجتمع الصغير يصبح حيا في مدينة، والدولة الصغيرة تصبح إمبراطورية. لكن هذه الاستعارة ليست متطابقة وفق ما ذهب إليه سبنسر إذ إنه رأى فروقا بين أعضاء الكائن الحي وأجزاء المجتمع، فالأولى هي "كل ملموس" والثانية مشتتة ومتفاوتة، والوعي والشعور يتركزان في جزء صغير من الكائن الحي، بينما ينتشر بين كل أفراد المجتمع، وبالتالي فإن المماثلة البيولوجية بين الاثنين هي اقتراب لإقامة إطار متماسك من التحليل الاجتماعي.

وانتقلت الاستعارة فيما بعد إلى عوالم الأدب، الأكثر احتفاء بهكذا نمط من البلاغة. ففي مسرحية "الملك لير" لشكسبير تم تشبيه الدولة بالجسم، وكل عضو يقوم بوظيفته فيه، وهي فكرة مستقاة بالأساس من مسرحية "كوريلانس" للإغريقي فلوطارخس، فتلك المسرحية تبدأ حين يبلغ الملك الثمانين من عمره، ويصير شيخا طاعنا يعاني من ضعف الجسم، وخطل الرأي، وضعف الإرادة، تملكته شهوة لأن يكون محط إعجاب الآخرين حتى عند ابنتيه، وهو يرفض الحقيقة، لأن الإنسان بطبيعته يتهرب من الحقيقة المؤلمة.

أما في العصر الحديث فقد ارتبطت السياسة بالجسد في مفاصل عديدة دارت حول العرق وتنظيم الحياة وحفظها، حسبما جاء في أفكار الاشتراكيين القوميين في ألمانيا، ليظهر بعدها في الدراسات الأنجلو أمريكية مفهوم "السياسة الحيوية"، الذي استفاد من علم الأحياء، لاسيما في الجانب المتعلق بالتطور ونظرياته، وإن كان الفرنسي ميشيل فوكو قد وظفه في إطار تحليله العميق لعلاقات القوة، حيث رأى أن السلطة السياسية قد بدأت منذ نهاية القرن الثامن عشر في التحكم في حياة السكان عبر معالجة مشكلات حياتية مثل الولادة والمرض والمأكل والمشرب، وترويض الجسد ومراقبته كي ينحصر في البعد الإنتاجي، إذ يكون من واجب الفرد أن يسخر جسده في العمل والإنتاج ، وربما يكون عليه أن يموت كي تزداد الدولة قوة، وبذا فإن الجسد في نظر فوكو غارق مباشرة في المجال السياسي، حيث تمارس علاقات السلطة عليه تأثيرا واضحا عبر استثماره وتوصيمه وتعذيبه واستغلاله.

وبذا تعدت تبادل الاستعارة بين الدولة والجسد قضية الهيكل أو البنية أو الهيئة، إنما لتنتقل مع ميشيل فوكو إلى ما هو أعمق من هذا حين تحدث عن الطرق التي تمارس بها السلطة قهر الجسد، وتتلاعب به، وتفرض من التشريعات ما يمكنها من تعنيفه واستعباده، من خلال ما تفرضه عليه من محظورات. فالجسد ليس موضوعا للطب والتشريح وممارسة الرياضة، وليس قوة إنتاج مادية، تظهرها قوة العمل، إنما هو أيضا جسد يخضع للتسييس ويتم ضبطه اقتصاديا واجتماعيا وعقابه، وهنا يبرز لنا الجسد المعذب والمريض والمجنون والمسجون.

ومن وجهة نظر ماركسية ذهب جان ماري بروهم، خلال مقارباته النقدية حول وضع الجسد في الميدان السياسي والاجتماعي، إلى أن كل سيادة أو سيطرة سياسية لا بد لها أن تفرض نفسها بالعنف والإكراه الجسدي، وأن كل نظام سياسي يوازيه نظام جسدي، وأن الرأسمالية التي تهيمن ماديا ومعنويا تراهن على الجسد في سعيها إلى تحويل الإنسان إلى شيء أو سلعة.

لكن تلك الاستعارة لم تبق على حالها القديم الذي كان يستعير الجسد الإنساني ليرى من خلال تكوينه ووظائفه الدولة، في صحتها ومرضها، وفي بقائها وفنائها، إذ سرعان ما انتقلت إلى الاهتمام بالجسد الفردي، ودوره في صناعة السياسة، وتحديد حال الدولة ومآلها، في ظل تصاعد الاهتمام السياسي والاجتماعي بقضية الجسد ودوره، وذلك نظرا لعدة عوامل مثل: تعزز النزعة النسوية في مواجهة النظام الأبوي، والأعباء المترتبة على تزايد عدد كبار السن في المجتمعات الغربية، وإعادة موضعة الجسد في إطار الثقافة الاستهلاكية، وانشغال كثيرين بجمال أجسادهم وقوتها، حتى من بين النساء في إطار ما يسمى "إنتاج أجساد مجندرة" تقاوم أساليب القمع التي تمارس ضد المرأة.

ومثل هذه الاستعارة الداخلة بقوة في درب "البيولوجيا السياسية" طالما تم استخدامها في التحليل السياسي والتنبؤ، بغية الوقوف على طبيعة الأمور، أو تحذير الحكام من الإفراط في أي أعمال تعجل بشيخوخة دولتهم، وهي في الوقت نفسه قد تعطي الأمل للشعوب المقهورة بأن ما هم فيه من استبداد وفساد لن يستمر إلى الأبد، خاصة إن كانوا يدركون تداعي جسد الدولة بعد أن يسكنه مرض عضال.

ولا ينفصل هذا عن النزوع إلى إضفاء تفسيرات بيولوجية على مظاهر حضارية بشرية مثل الدين والأخلاق والقبيلة والحرب وإبادة الجنس والتعاون والتنافس والإدارة المحنكة والتوافق والقدرة على تلقين المبادئ الأخلاقية الإيجابية والسلبية. كما صار للبيولوجيا السياسية جاذبية في إضفاء شرعية على أوضاع طبقية معينة.

ومارست الحتمية البيولوجية دورها في تفسير الظواهر الاجتماعية، فتم النظر إليها على أنها حاصل جمع تصرفات الأفراد، وأن هذه التصرفات يمكن معاملتها باعتبارها أشياء موجودة في مكان محدد في مخ أفراد بعينهم، ويمكن قياسها، بحيث يمكن ترتيب الأفراد في مراتب حسب المقادير التي يحوزونها، وأنه يمكن وضع معايير لخصائص المجموعات البشرية، ومن ثم فإن أي انحراف عن المعيار عند أي فرد يعتبر حالة غير سوية، ربما تكون راجعة إلى مشكلة طبية تتطلب العلاج، أو تدخلًا لإنهاء الأسباب التي أدت إليها، وهي عبارة عن خلل في المواد البيوكيماوية بأمخاخ البشر، ناجم عن أسباب وراثية وبيئية، وبذا يكون العلاج بإزالة الجينات غير المرغوب فيها، عبر تحسين النسل والهندسة الوراثية، وتوفير عقاقير خاصة تصحح الخلل، أو القيام باستئصال مناطق في المخ.

وضمن تقريب دنيا الناس من عالم الحيوان نجد أن هناك من لم ير اختلافا في تصرفات البشر وهم يدافعون عن أنفسهم ووجودهم عن سلوك الحيوان، وهنا يقول ستيفن روز: "إذا كنا ندافع عن حقنا في أرضنا، أو عن سيادة وطننا، فإننا نفعل ذلك لأسباب لا تختلف عن أسباب الحيوانات الدنيا، ولا تقل عنها فطرية، ولا في عدم إمكان استئصالها. وإذ ينبح الكلب عليك من وراء سياج سيده فإنه يتصرف بباعث لا يتميز عن باعث سيده عندما بنى السياج"، ويقول أيضا: "أحيانا يتعاون أعضاء المجتمعات البشرية تعاونا وثيقا على منوال الحشرات، ولكنهم يتنافسون في الأغلب على الموارد المحدودة التي خصصت للدور الذي يقومون به في قطاعهم".

لكن تلك الاستعارة السياسية لم تكن تسري لدى أتباع "الحتمية البيولوجية" في اتجاه واحد، ذاهبة من الحيوان إلى الإنسان، إنما تندفع ذهابا وإيابا في عملية ارتدادية، وفق ما جاد به علم دراسة أصل اللفظ وتاريخه وتعليله (أتيمولوجي)، حيث تطبق الأعراف البشرية الاجتماعية على الحيوانات بصورة استعارية مجازية، ثم يعاد استقاء السلوك البشري من الحيوانات كما لو كان الأمر حالة خاصة من ظاهرة عامة تم اكتشافها على نحو مستقل في الأنواع الأخرى. والمثال على ذلك تقسيمنا الحشرات إلى طوائف، مع أن الطائفية ظاهرة بشرية، تنحدر في الأصل من عرق أو سلالة ما، ولكنها تصبح فيما بعد وراثية مصحوبة بأشكال معينة من العمل، وتكريس وضع اجتماعي معين.

وضمن رؤى الحتمية البيولوجية أيضا تمت استعارة ظاهرة العبودية عند النمل وبعض الحيوانات، وهنا يقول ستيفن روز: "إن إصرار العبيد على أن يتصرفوا وهم تحت الضغوط الهائلة تصرف الكائنات البشرية، لا تصرف العبيد من النمل أو قرود الشق أو الميمون أو أي نوع آخر، هو فيما أرى أحد الأسباب التي تجعلنا قادرين على رسم مسار التاريخ مقدما، ولو بصورة تقريبية على الأقل، فثمة قيود بيولوجية تحدد مناطق دخولها، محظور أو غير محتمل".

وقد جعل البيولوجيون الاجتماعية هذه الاستعارة الزائفة حول العبودية أداة من أدواتهم، وطبقوا على حيوانات غير بشرية كل مسائل العدوان، والنزعة الحربية، والتعاون، والقرابة، والإخلاص والخجل والزنا والغش والحضارة، وبذا تصبح الظواهر البشرية بعد ذلك مجرد حالات خاصة، شبيهة بما هو في عالم الحيوانات والحشرات.

ومن دلائل زيف هذا النوع من الاستعارة أن البشر يقاومون العبودية طيلة الوقت، ويحسنون شروط حياتهم نازعين إلى التحرر، بينما الحيوانات والحشرات لا تقاوم، لأنها لا تعرف قيمة الحرية. فالعبودية مربوطة بنظام الإنتاج داخل المجتمع، ومدى التظالم الذي يحل به بأيدي الناس، وهي مسألة لا يدركها النمل بالطبع، ومن ثم فإن هذه الاستعارة، تبدو غير دقيقة، ولا تقوم إلا بوظيفية تقريبية.

إعلان

إعلان

إعلان