• أمين هويدي.. صانع البطولة.. بلا ضجيج!

    أمين هويدي.. صانع البطولة.. بلا ضجيج!

    خيري حسن
    09:49 م السبت 21 أكتوبر 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    في ربيع عام 2006 اتصلت بالوزير أمين هويدي (1921 ـ 2009) الذي كان مديرًا لجهاز المخابرات العامة ووزيرًا للحربية (الدفاع حاليا) في وقت واحد، بعد نكسة 67، لأول وآخر مرة في حياة العسكرية المصرية حتى يومنا هذا.

    طلبت منه أن أزوره في بيته بعدما عرفته بنفسي، فسألني بهدوء واضح في صوته: لماذا؟ قلت: يا أفندم.. ببساطة أريد أن أرى الرجل الذي أشرف على واحدة من أنجح عمليات العسكرية المصرية، وهي تدمير المدمرة والميناء إيلات، فسكت قليلًا ولم يرد، وكأنه يتذكَّر شيئًا ما، ثم قال: الحمد لله.. الحمد لله، وواصل كلامه: وهل نسيت عملية الحفار التي كانت تسعى إسرائيل لامتلاكه لتسرق البترول، مثلما سرقت الأرض، قلت: أعرف يا أفندم الكثير عن هذه العملية من القراءة عنها، فرد قائلا: لقد استطعنا بجهود الرجال الصادقين والمؤمنين بالوطن من تفخيخه وتدمير جزء كبير منه في "أبيدجان".. ثم سكت مرة أخرى، وقال: إذن موعدنا الاثنين القادم الساعة الواحدة ظهرا.. ثم استأذن وغاب صوته حتى سمعت صوت السماعة وهي توضع في مكانها بهدوء، أغلقت الخط وأنا سعيد ومبهور بهذه الشخصية التي ساهمت بشكل أو بآخر في تثبيت نظام عبد الناصر، حيث كان يصفه عبد الناصر بأنه أصدق الرجال، يقول الحق ولو على نفسه.

    في اليوم المتفق عليه بيننا ذهبتُ، يسكن في حي مصر الجديدة شرق القاهرة، المنزل في شارع هادئ، لا توجد حراسة بجواره، سيارة بيضاء فقط بجوارها سائق يترقب المارة من حين لآخر، بعدما سألته أشار لي بالدخول، ثم نظر السائق في ساعته، ونظر لي مندهشًا، وأنا لم أفهم لماذا كان اندهاشه إلا عندما أصبحت وجهًا لوجه مع أمين بيه؟ وقبل أن يرحب بي.. سألني: كم الساعة الآن في يدك؟ قلت: وأنا أنظر لها: بصراحة يا أفندم المواصلات زحمة وكوبري 6 أكتوبر مختنق جدًا بالسيارات، وهذا هو الذي جعلني أتأخر، رد بغضب: يا ابني أنا سألتك عن الساعة، ولم أسألك عن الشوارع والكباري، قلت وأنا مرتبك من حدته وقوة صوته وصرامة الحروف التي ينطق بها: الساعة الواحدة والربع، قال: إذن أنت تأخرت عن موعدك 15 دقيقة.. وبالتالي اشرب قهوتك واتفضل.

    شعرت بأن الموقف تعقد، وأن أي كلام سيزيد الموقف تعقيدًا.. فالتزمت الصمت بعض الوقت، ثم قلت: لكنني لا أحب القهوة يا أفندم ممكن أشرب شاي، فرد بهدوء مصحوب بابتسامة عابرة على وجهه.. وقال: (وكمان هتشرب على مزاجك.. وضحك ضحكة عالية)، ثم نظر للسائق الذي ما زال واقفًا بجواري، وملامح وجهه تكشف عن كتمانه لضحكات بداخله تكاد تنفجر، وهو يتابع الموقف والحوار الساخن بيننا، وقال له: هات للأستاذ شاي.. ولي فنجان قهوة، ثم قال بعدما هدأ تمامًا: يا ابني من لا يحترم المواعيد لا يستطيع إنجاز أي شيء، ولن ينجح في أي شيء، كنت تقول في كلامك إنك قادم من طريق مررت فيه على كوبري 6 أكتوبر، قلت: نعم، قال: هل تعلم أننا لو لم نحترم المواعيد في حرب أكتوبر 73 ما كنا حققنا النصر.

    وهل تعلم أننا لو كنا أهملنا ولو ثانية واحدة في التخطيط والتنفيذ أثناء العمليات العسكرية الفدائية، ومنها عملية الحفار وإيلات، ميناء ومدمرة، ما كنا نجحنا في تدميرهما، قلت أعرف يا أفندم، بعد دقائق خرج علينا السائق من المطبخ وجاء بالشاي والقهوة، وهو ينظر لي من تحت نظارته القديمة، ويكاد ينفجر من الضحك، وضعهما وغادر المكان، وأنا أبتسم له.

    قلت له: أنا قرأت كتابات كثيرة عما يسمى بمراكز القوى التي أطاح بها الرئيس السادات، وتوقفت عند اتهام حضرتك، خاصة عندما وجدت أن من بين الاتهامات التي وجهت إليك، أنك ـ وأنت وزير للإرشاد القومي ـ انحازت إلى أحد فرق الكرة، ضحك، وقال: اشرب الشاي.. ثم قال: كانت هذه من التهم المضحكة في القضية، التي تدل على أن الرئيس السادات كان يريد أن ينفرد بالسلطة بأي ثمن، وأنا أذكر أنه عندما رآني "علي صبري"، وهم يتجهون بي إلى الزنزانة رقم 8 في سجن أبو زعبل قال: (الله.. "أمين هويدي" ماله.. ده الراجل عايز يحاكم عهد كامل وليس جماعة بقى).

    قلت له: وهل بالفعل كنتم شكلتم ما أطلق عليه وقتها مراكز القوى؟ رد بانفعال واضح، قائلًا: في البداية مسمى مراكز القوى خطأ.. لأن أي حكم ديمقراطي يجب أن تكون فيه مراكز متعددة ضاغطة أحيانًا، ومؤيدة أحيانًا، في عملية اتخاذ القرار.. وإلا تحول الأمر إلى حكم شمولي. وفي الوقت نفسه لا ينكر أحد أنه كان هناك صراعٌ بين دوائر اتخاذ القرار وقتها، وهنا بدأت أشعر بحالة حزن في داخله بدأت تتسرب إليه، وبدأت الحالة تتطور لحظة بعد أخرى وهو يسترجع معي تلك الأيام بتحفظ شديد حتى سكت.. وقال: أنا الذي أفزعني وأحزنني وقتها هو أن أتهم بتهمة الخيانة العظمى، قالها الرجل وفي عينيه دمعة، جاهد كثيرًا حتى لا تسقط أمامي، فهو العسكري القوي الذي وضع خطة الدفاع عن مدينتي القاهرة وبورسعيد في حرب 56، ودرس وعلَّم أجيالًا كثيرة من أبطال القوات المسلحة، وأدار بحكمة وعلم وذكاء بطولات العمليات الفدائية التي اشتركت فيها المخابرات العامة المصرية، ورجال القوات المسلحة، في فترة الانكسار بعد نكسة 67، فهل بعد هذا يتهم بالخيانة العظمى لبلده ووطنه؟ مد يده وارتشف آخر ما تبقى أمامه في فنجان قهوته، ثم وضع الفنجان أمامه ومسح بيده دمعته تحت نظارته الطبية، وقال: الحمد لله.. لقد أديت دوري في خدمة الوطن في حدود ما استطعت، ثم تطرق الحديث إلى موضوعات متفرقة، ثم قال وهو يبتسم.. وقتك انتهى يا أستاذ.. وفي المرة القادمة اضبط مواعيدك، قلت: حاضر، وودعته وهو يقول مع السلامة.

    خرجت وفي ذهني تتقلب أوراق لعبة السياسة والصراع على السلطة في كل عصر وكل زمن، تلك الأوراق التي قد تتبدل وتتحول فمرة تكون معك، ومرة تكون عليك.

    خرجت من باب منزله، واتخذت طريق عودتي سيرًا على الأقدام حتى أستقل (ترام) مصر الجديدة للعودة إلى وسط البلد.. وأنا على بعد خطوات من منزله شاهدت على مقربة سائقه يقف بجوار السيارة، وينظر لي وهو يضحك بصوت مسموع، ويقول: مع السلامة يا أستاذ.. لا تتأخر المرة القادمة كما حدث اليوم! ابتسمت له، وقلت: حاضر.. لن أتأخر المرة القادمة عن مواعيدي، لكنني الحقيقة تأخرت كثيرًا عن زيارته في المرة القادمة. تأخرت لمدة ثلاث سنوات.. سبقني إليه فيها الموت.

    إعلان

    إعلان

    إعلان