قال الإعلامي والكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، إن قضية قطع الأشجار في مصر أثارت على مدار السنوات الماضية حالة واسعة من الاستنكار بين المواطنين بمختلف شرائحهم، مشيرًا إلى أن المواطنين طالبوا مؤسسات الدولة وأجهزتها وحكومتها بالتوقف عن قطع الأشجار والحفاظ على الثروة الشجرية.
وأضاف "عيسى" خلال فيديو نشره عبر قناته الرسمية على "يوتيوب"، أن صورًا ومقاطع فيديو عديدة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي توثق عمليات قطع الأشجار في الطرق والشوارع، مشيرًا إلى أن الأمر شمل مناطق مختلفة، من مصر الجديدة إلى مصر القديمة والمعادي وغيرها.
غياب المسؤول عن قرارات قطع الأشجار
أوضح الإعلامي أن أحد أبرز جوانب الأزمة يتمثل في غياب الإجابة عن سؤال: لماذا تُقطع الأشجار؟ ومن المسؤول عن هذه القرارات؟، لافتًا إلى أن المواطن لا يجد جهة تعلن مسؤوليتها بشكل واضح عن عمليات القطع أو تشرح أسباب اتخاذ القرار.
وأشار إبراهيم عيسى إلى أن الأمر يتحول في كثير من الأحيان إلى تبادل للمسؤولية بين الجهات المختلفة، إذ تُحال القرارات من المحليات إلى الوزارات، ومن الوزارات إلى جهات أخرى، وصولًا إلى الحديث عن "توجيهات وتعليمات" دون تحديد واضح لمصدر القرار أو الجهة التي اتخذته.
وقال إن قطع الأشجار لا يزال، بحسب وصفه، "لغزًا هائلًا"، خاصة في ظل عدم وجود جهة واضحة تعلن أنها اتخذت القرار وتتحمل مسؤوليته.
مبادرة زراعة 100 مليون شجرة
تطرق إبراهيم عيسى إلى الحديث عن مبادرة زراعة 100 مليون شجرة، معتبرًا أن طرح هذه المبادرة بالتوازي مع استمرار عمليات قطع الأشجار يثير تساؤلات حول مدى جدوى تعويض الأشجار القديمة التي جرى قطعها بزراعة أشجار جديدة.
وأكد أن الشجرة التي قضت عشرات السنوات في النمو لا يمكن تعويضها بسهولة بشجرة جديدة، مشيرًا إلى أن عمليات قطع الأشجار لا تقتصر على إزالتها، وإنما تصل في بعض الحالات إلى قطع جذورها وترك آثارها في المكان.
وأضاف أن الحديث عن زراعة ملايين الأشجار لا يعني بالضرورة تعويض ما فُقد من أشجار قديمة، موضحًا أن الأشجار التي استغرقت عقودًا في النمو لا يمكن تعويضها في فترة قصيرة.
مطالب شعبية متكررة للحفاظ على الأشجار
أكد عيسى أن المواطنين لم يلتزموا الصمت تجاه ما وصفه بعمليات قطع الأشجار، بل شهدت السنوات الماضية حملات مناشدة وتحذير واحتجاج، شاركت فيها شخصيات عامة وجمعيات أهلية ومثقفون وأحزاب وأفراد من المجتمع المدني.
وأشار إلى أنه شارك شخصيًا في لقاءات إعلامية عدة للتحذير من عمليات قطع الأشجار، كما تحدث عن جهود جمعيات في مناطق مثل المعادي ومصر الجديدة للحفاظ على الأشجار.
ولفت إلى أن القضية ليست وليدة اللحظة، وإنما تعود إلى سنوات مضت، معتبرًا أن المصريين تحدثوا عنها وحذروا منها قبل فترة طويلة، إلا أن الاستجابة لهذه المطالب، بحسب قوله، لم تكن بالمستوى الذي يطالب به الرأي العام.
تبريرات غير رسمية لقطع الأشجار
قال "عيسى" إن بعض التبريرات التي جرى تداولها لتفسير عمليات قطع الأشجار تمثلت في توسيع الطرق وإنشاء الكباري ومعالجة تعارض الأشجار مع شبكات الكهرباء وغيرها، مشيرًا إلى أن هذه التبريرات لم تكن، في كثير من الأحيان، صادرة في صورة بيانات رسمية واضحة تحدد الجهة المسؤولة عن القرار.
وأضاف أن الحفاظ على البيئة وزيادة الرقعة الخضراء وزراعة 100 مليون شجرة تُطرح في الخطاب الرسمي، بينما يرى أن الواقع يشهد في الوقت نفسه إزالة أشجار قائمة بالفعل.
وأكد أن القضية، من وجهة نظره، لا تتعلق فقط بقطع الأشجار، وإنما أيضًا بطريقة تعامل مؤسسات الدولة مع ردود الفعل الشعبية الرافضة لهذه الممارسات.
المشكلة ليست في قطع الأشجار فقط
أوضح "عيسى" أن المصريين عندما شاهدوا عمليات قطع الأشجار، طالبوا بوقفها وحذروا من آثارها واعترضوا عليها، لكن المشكلة، بحسب رؤيته، تكمن في عدم الاستجابة لهذه المطالب.
وقال إن صدور توجيهات لاحقة بالحفاظ على الأشجار أمر إيجابي، لكنه طرح تساؤلًا أساسيًا: هل تتوقف عمليات القطع بالفعل؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث في السنوات الماضية؟
وشدد على أهمية معرفة المسؤولين عن قرارات قطع الأشجار، حتى يمكن مساءلتهم عن أسباب تلك القرارات، بدلًا من الاكتفاء بتوجيهات عامة للحفاظ على الأشجار دون تحديد المسؤول عن عمليات الإزالة التي سبقتها.
ليس كل تغيير تطويرًا
انتقل إبراهيم عيسى إلى الحديث عن مشروعات التطوير في عدد من المناطق، مستشهدًا بما حدث في منطقة المنتزه، معتبرًا أن وصف أي تغيير بأنه "تطوير" يحتاج إلى مراجعة، لأن التغيير، بحسب قوله، لا يعني بالضرورة التطوير.
وأشار إلى أن إزالة بعض الأشجار في إطار تنفيذ مشروعات أو إنشاءات أثارت اعتراضات وتحذيرات من المواطنين، الذين نشروا صورًا ومقاطع فيديو للتعبير عن رفضهم لما يحدث.
وأضاف الكاتب الصحفي، أن مؤشرات تراجع الغطاء الأخضر في بعض المناطق تثير الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بالأشجار والمساحات الخضراء، لافتًا إلى أن المواطن يستطيع أن يلاحظ التغيرات بنفسه أثناء تنقله في الشوارع.
غياب الاستجابة للرأي العام
قال "عيسى" إن القضية الأوسع، في رأيه، تتمثل في غياب الاستجابة للمطالب الشعبية، مشيرًا إلى أن الدعوات للحفاظ على الأشجار تجاوزت الانقسامات السياسية والاجتماعية والثقافية.
وأضاف أن المواطن المصري، بحسب تصوره، يشعر في كثير من الأحيان بأنه ليس شريكًا في صناعة القرار، وأن الدولة تتعامل مع قراراتها باعتبارها صاحبة الرؤية والمصلحة، دون اعتبار كافٍ للرأي العام أو الاعتراضات الشعبية.
وتابع "عيسى" أن المشكلة لا تتوقف عند اتخاذ قرار قد يراه البعض خاطئًا، وإنما تمتد إلى الاستمرار في تنفيذه رغم الاعتراضات، حتى لا يبدو التراجع عنه اعترافًا بالخطأ أو ضعفًا في القرار.
واعتبر إبراهيم عيسى، أن هذا النمط يعكس، من وجهة نظره، طريقة في إدارة العلاقة بين الدولة والمواطن تقوم على فكرة "المنحة"، مستشهدًا بتعبير "المنحة يا ريس" الذي كان يتردد في مناسبات سابقة.
وأكد أن العلاقة، في تصوره، ينبغي أن تقوم على اعتبار المسؤول "خادمًا للشعب"، وليس على فكرة أن الدولة تمنح المواطن ما تراه مناسبًا له، مشددًا على أن المواطن من حقه أن يعبّر عن رأيه في القرارات التي تمس حياته ومحيطه.
واستكمل قائلًا: إن استمرار تجاهل المطالب الشعبية المتعلقة بالأشجار يطرح سؤالًا مباشرًا عن المسؤولين عن هذه القرارات، مطالبًا بأن يعلن المسؤولون عن عمليات القطع أسبابها والجهات التي اتخذتها، وأن يدافعوا عنها إذا كانت تستند إلى أسباب ومبررات واضحة.
الشواطئ العامة والمقابر التاريخية
ضرب "عيسى" أمثلة أخرى رأى أنها تتشابه مع قضية الأشجار، من بينها ملف الشواطئ العامة في الإسكندرية، مشيرًا إلى اعتراضات المواطنين على بعض المشروعات والإجراءات التي أثرت، بحسب وصفه، في المشهد البصري وإمكانية رؤية البحر من الكورنيش.
كما تطرق إلى ملف المقابر التاريخية والتراثية، مشيرًا إلى اعتراضات المهندسين
والمعماريين والجمعيات والشخصيات العامة على هدم عدد من المقابر، ومؤكدًا أن أصواتًا عديدة طالبت بالحفاظ عليها باعتبارها جزءًا من تاريخ وتراث القاهرة.
وأشار الكاتب الصحفي، إلى تشكيل لجنة من الخبراء لبحث بدائل لمسارات المشروعات التي كانت تتطلب إزالة بعض المقابر، إلا أنه قال إن المقترحات التي قدمتها اللجنة لم تُنفذ، بينما استمرت عمليات الهدم.
واختتم الإعلامي إبراهيم عيسى، حديثه باستدعاء حكاية تراثية عن ملك طلب تناول الباذنجان، فأشاد مساعده بالوجبة وفوائدها، ثم عندما تناولها الملك في اليوم التالي وأبدى استياءه منها، انقلب المساعد إلى ذم الباذنجان وذكر أضراره، وعندما سأله الملك عن سبب تغير موقفه، أجابه بأنه "خادم الأمير وليس خادم الباذنجان".
وأوضح "عيسى" أن هذه الحكاية يستخدمها للدلالة على خطورة أن يتحول بعض الأشخاص إلى مدافعين عن القرار أو الموقف أيًا كان، بدلًا من تقييمه بصورة مستقلة، معتبرًا أن خدمة الدولة والمجتمع لا ينبغي أن تعني الدفاع عن كل قرار دون نقاش أو مراجعة.
اقرأ أيضًا:
إبراهيم عيسى: ربط زيادة أسعار الكهرباء بحادث دمياط غير صحيح.. وتوقيت القرار "ليس موفقًا"
إبراهيم عيسى: أصحاب المعاشات فقدوا الثقة في الحكومة وتأخير مستحقاتهم يهدد الاستقرار المجتمعي