ماذا تريد بكين من القاهرة وسط اشتعال المنطقة؟.. خبراء يكشفون أسرار زيارة الرئيس الصيني لمصر
كتب : أحمد العش
الرئيس السيسي والرئيس الصيني شي جين بينج
فور إعلان السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، عن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، اتجهت الأنظار إلى القاهرة، نظرًا لأنها تأتي في لحظة إقليمية مثقلة بالصراعات والتوترات، تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية والأمنية، فيما تعيد القوى الكبرى رسم دوائر نفوذها في المنطقة.
وكان المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، قد أعلن في بيان سابق، أن الرئيس الصيني من المقرر أن يقوم بزيارة رسمية إلى مصر خلال الأيام القليلة المقبلة، يلتقي خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات محل الاهتمام المشترك، فضلًا عن تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وللوقوف على دلالات الزيارة المرتقبة وما تحمله من رسائل في ظل المشهد الإقليمي والدولي المضطرب، تحدث "مصراوي" مع عدد من الخبراء والمحللين العسكريين والاستراتيجيين، لقراءة أبعاد الزيارة ومكاسبها المحتملة، وموقع مصر في الحسابات الصينية، وما يمكن أن تفتحه الزيارة من آفاق جديدة للشراكة بين القاهرة وبكين.
مصر في الحسابات الصينية.. "رمانة الميزان"
يقول اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن اختيار مصر لتكون محطة للزيارة المرتقبة للرئيس الصيني يحمل دلالات مهمة، مؤكدًا أن الزيارة تتزامن مع مرور 70 عامًا على بدء العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية.
ويوضح "فرج" لـ"مصراوي"، أن توجه الرئيس الصيني إلى مصر تحديدًا يعكس، من وجهة نظره، إدراك بكين لقيمة القاهرة ومكانتها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، خصوصًا أن الزيارة تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات وأزمات متلاحقة.
ويشير اللواء محمد الغباري، المحلل العسكري والاستراتيجي، في هذا السياق، إلى أن مصر تمثل بالنسبة للصين عنصرًا مهمًا في مشروع طريق الحرير، واصفًا إياها بأنها "رمانة الميزان" في هذا المشروع، بما يجعل تعزيز العلاقات بين البلدين ذا أهمية استراتيجية بالنسبة لبكين.
الصين لا تتحرك بعيدًا عن المصالح
يقول اللواء حمدي بخيت، المحلل العسكري والاستراتيجي، من جانبه، إن قراءة الزيارة يجب أن تبدأ من حقيقة أساسية، وهي أن العالم أصبح قائمًا على "شبكة من المصالح"، وبالتالي فإن الصين لديها مصالحها في مصر، كما أن القاهرة لديها مصالحها في إقامة علاقة استراتيجية مع قوة دولية بحجم الصين.
ويوضح "بخيت" لـ"مصراوي"، أن الموقع الجغرافي لمصر يمثل أحد أبرز عناصر الجذب للصين، باعتبارها بوابة مهمة إلى إفريقيا والشرق الأوسط، فضلًا عن كونها دولة مستقرة يمكن إقامة صناعات ومناطق إنتاجية كبيرة بها.
ويضيف المحلل العسكري، أن التصنيع في مصر يمكن أن يمنح الصين ميزة اقتصادية، من خلال إنتاج السلع بالقرب من الأسواق المستهدفة ثم تصديرها عبر الممرات المائية القريبة، بدلًا من إنتاجها في الصين وشحنها إلى مختلف أنحاء العالم.
استقرار مصر.. ورقة مهمة في الحسابات الصينية
يؤكد اللواء حمدي بخيت أن حالة الاستقرار والأمن التي تتمتع بها مصر مقارنة بحالة التقلب التي تشهدها بعض دول المنطقة، تجعل القاهرة شريكًا أكثر جاذبية للصين.
ويشير إلى أن مصر تمثل قوة استراتيجية مستقرة في المنطقة، وبالتالي فإن التعاون معها يحقق للصين قدرًا من الاستقرار في حماية مصالحها الاقتصادية والاستثمارية.
ويلفت "بخيت" إلى أن العلاقات المصرية الصينية تمتلك تجارب سابقة ناجحة ومتنامية، معتبرًا أن هذه التجارب تشكل قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير الشراكة بين البلدين خلال الفترة المقبلة.
ماذا تريد مصر من الصين؟
يرى حمدي بخيت على الجانب الآخر، أن القاهرة لديها مصالح واضحة في تعزيز علاقاتها مع القوى الكبرى، ومن بينها: الصين، خاصة أن مصر تمر بمرحلة تحول تحتاج خلالها إلى دعم عناصر قوة الدولة الشاملة.
ويوضح المحلل الاستراتيجي، أن هذه العناصر تشمل القدرة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية، مشيرًا إلى أن الصين تستطيع أن توفر مجالات للتعاون في هذه القطاعات.
ويضيف "بخيت" أن وجود علاقة استراتيجية مع دولة قوية مثل الصين يمكن أن يمثل عنصرًا إضافيًا في تعزيز قدرة مصر على مواجهة التحديات والتهديدات المحيطة بها.
التسليح.. أحد الملفات المطروحة
وفي الجانب العسكري، يقول اللواء سمير فرج إن التطورات الإقليمية تفرض على مصر مواصلة تنويع مصادر التسليح، مشيرًا إلى أن الصين يمكن أن تمثل أحد الخيارات المتاحة أمام القاهرة في هذا المجال.
فيما يؤكد اللواء محمد الغباري، المحلل العسكري والاستراتيجي، لـ"مصراوي"، أن الحديث عن صفقات سلاح محددة خلال الزيارة يحتاج إلى معرفة احتياجات مصر والعروض التي ستقدم إليها، موضحًا أن حديثه ينصب على أهمية التعاون المصري الصيني بصورة عامة.
ويشير "الغباري" إلى أن التسليح الصيني أصبح يحظى بحضور متزايد، معتبرًا أن انخفاض تكلفة بعض المعدات والأنظمة الصينية مقارنة بمصادر أخرى يمكن أن يجعلها خيارًا متاحًا أمام القاهرة وفقًا لاحتياجاتها.
الصين وأمريكا.. صراع يتجاوز التجارة
يتناول اللواء محمد الغباري طبيعة المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، معتبرًا أن التجارة تمثل أحد أهم مصادر القوة الصينية، وأن صعود بكين اقتصاديًا يجعل المنافسة بينها وبين واشنطن تتجاوز الجانب التجاري إلى أبعاد استراتيجية أوسع.
ويحدث عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، معتبرًا أن المواجهة، وفق رؤيته، لا ترتبط بإيران وحدها، وإنما تحمل أبعادًا متصلة بالمنافسة الأمريكية الصينية.
ويشير "الغباري" إلى أهمية النفط الإيراني في هذه الحسابات، موضحًا أن إيران تصدر إلى الصين نحو 1.3 مليون برميل من النفط يوميًا، معتبرًا أن تدفقات النفط تمثل عنصرًا مهمًا في شبكة المصالح التي تربط الصين بإيران.
الذكاء الاصطناعي.. ملف جديد على طاولة الشراكة
من الملفات التي قد تكتسب أهمية خلال المرحلة المقبلة التعاون في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في ظل الحديث عن عرض صيني لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي في مصر لخدمة القطاعات الحكومية والاستخدامات العسكرية، بما يعزز موقع القاهرة كمركز إقليمي في إفريقيا والشرق الأوسط.
ويقول اللواء محمد الغباري، إن مصر لن تنظر إلى جنسية مقدم العرض بقدر ما ستنظر إلى مدى تحقيقه لمصالحها، مشيرًا إلى وجود عروض من أكثر من طرف.
ويوضح أن السياسة الخارجية المصرية، وفق ما أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، تقوم على "المصالح المشتركة" و"المصالح المتبادلة"، وبالتالي فإن القاهرة ستختار العرض الذي يحقق أكبر فائدة للدولة المصرية.
مصر تختار "الأقل والأرخص والأقوى"
يشدد محمد الغباري على أن معيار الاختيار بالنسبة لمصر هو المصلحة الوطنية، موضحًا أن الدولة ستبحث عن العرض "الأقل والأرخص والأقوى" من حيث العائد والفائدة.
ويستشهد المحلل العسكري، بتجربة التعاون النووي مع روسيا، مشيرًا إلى أن مصر تفاوضت مع الولايات المتحدة على مدار 20 سنة بشأن هذا الملف، قبل أن تتخذ قرارها بالتعاون مع روسيا في مشروع محطة الضبعة النووية.
ويؤكد "الغباري" أن هذه التجربة تعكس، من وجهة نظره، استقلالية القرار المصري، مشددًا على أن مصر "دولة غير تابعة" وتتخذ قراراتها وفقًا لمصالحها الوطنية.
"بريكس".. مكاسب إضافية للقاهرة
يرى اللواء محمد الغباري، أن العلاقات مع الصين يمكن أن تساعد مصر كذلك في تعزيز مكانتها والاستفادة بصورة أكبر من عضوية بكين في تجمع "بريكس"، بما يفتح مجالات أوسع للتعاون الاقتصادي والتجاري.
كما اللواء يرى سمير فرج أن تعزيز العلاقات المصرية الصينية يمكن أن يحقق مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، مؤكدًا أن الزيارة تمثل فرصة لدفع العلاقات بين البلدين إلى مستويات أكثر تقدمًا.
مصر تملك أوراقها في العلاقة مع بكين
وفي المقابل، يؤكد اللواء حمدي بخيت، أن مصر لا تدخل العلاقة مع الصين من موقع الطرف الذي ينتظر المساعدة فقط، وإنما تمتلك أوراقًا تجعلها شريكًا جاذبًا للاستثمار، وفي مقدمتها البنية التحتية، والقوة العاملة، والمواد الخام، إلى جانب الأسعار والقدرة التنافسية.
وبحسب الخبراء الذين تحدث إليهم "مصراوي"، فإن زيارة الرئيس الصيني المرتقبة تحمل رسائل متعددة، تبدأ من تأكيد مكانة مصر في الحسابات الصينية، وتمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والتسليح والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن الملفات الإقليمية والدولية.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو العلاقة المصرية الصينية قائمة على مصالح متبادلة؛ فبكين تبحث عن توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي، بينما تسعى القاهرة إلى تعظيم الاستفادة من علاقاتها مع قوة دولية كبرى، مع الحفاظ على سياسة تقوم على تنويع الشراكات واتخاذ القرار وفقًا للمصلحة الوطنية.
اقرأ أيضًا:
ماذا تستفيد مصر من زيارة الرئيس الصيني؟.. محلل عسكري يكشف مكاسب التقارب مع بكين
لماذا يزور الرئيس الصيني مصر في هذا التوقيت؟ سمير فرج يجيب
دلالات زيارة الرئيس الصيني لمصر.. خبير يكشف حسابات بكين ومكاسب القاهرة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News