إنتاج 40 ألف طن.. صناعة الأرانب المصرية بين غياب المستثمرين والتصدير
كتب : محمد ممدوح
الأرانب
على الرغم من امتلاك مصر مقومات تؤهلها لتوسيع إنتاج الأرانب، فإن هذه الصناعة لا تزال بعيدة عن التحول إلى نشاط إنتاجي واسع النطاق، في وقت يصل فيه الإنتاج المحلي إلى نحو 40 ألف طن سنويًا، وفق الدكتور السيد محفوظ، رئيس قسم بحوث تربية الأرانب والرومي والطيور المائية بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني التابع لمركز البحوث الزراعية.
وتكشف مراجعة علمية مصرية منشورة عن مفارقة أساسية في القطاع؛ فالأرانب تتمتع بسرعة النمو وكفاءة تحويل الغذاء والقدرة على إنتاج أعداد كبيرة من الخلفات، كما يمكن أن تمثل مصدرًا للبروتين والدخل لصغار المربين، لكن أكثر من 80% من الإنتاج يقع في أيدي صغار المنتجين، وبعضهم لا يمتلك التأهيل الكافي، وهو ما يحد من القيمة الاقتصادية للقطاع ويصعّب انتقاله إلى المستوى الصناعي.
وخلصت الدراسة التي نشرت في المجلة المصرية لعلوم الأرانب، بعنوان "الوضع الراهن والتحديات أمام الارتقاء بإنتاج الأرانب في مصر إلى المستوى الصناعي»، إلى أن تطوير صناعة الأرانب في مصر يواجه مجموعة من التحديات، أبرزها الإجهاد الحراري، وجودة الأعلاف، ومهارات الإدارة، واستخدام التقنيات الحديثة.
صناعة تعتمد على صغار المربين
بحسب المراجعة العلمية، فإن نحو 90% من الأرانب في مصر كانت تربى لدى صغار المربين، الذين يعتمدون غالبًا على وحدات صغيرة أو التربية المنزلية، وهو ما يجعل مستقبل الصناعة مرتبطًا بصورة مباشرة بقدرة هؤلاء المربين على تطوير أساليب التربية والإدارة.
وترى الدراسة أن الانتقال من التربية الصغيرة إلى الإنتاج الصناعي لا يبدأ ببناء المزارع الكبيرة فقط، وإنما بتطوير قدرات صغار المربين وتغيير أهداف مشروعاتهم من توفير احتياجات الأسرة أو تحقيق دخل إضافي محدود إلى إنتاج يستهدف السوق بصورة أكثر انتظامًا.
وتقترح الدراسة إنشاء شبكة تربط المربين ببعضهم، وإطلاق برامج تدريب مستمرة ومتدرجة، وإنشاء نظام وطني لتسجيل بيانات الأرانب، إلى جانب إنشاء بنك للجينات وتطبيق التكنولوجيا الحيوية التناسلية.
الحرارة.. الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج
لكن حتى مع توافر السلالات والخبرات، تظل درجات الحرارة المرتفعة أحد أخطر العوامل التي تضرب إنتاج الأرانب في مصر.
من جانبه قال الدكتور السيد محفوظ لـمصراوي"، إن المربين يعمدون إلى تقليل أو وقف عمليات إنتاج الأرانب وتلقيح الإناث خلال الفترة من أواخر مايو وحتى بداية سبتمبر، بسبب الإجهاد الحراري الذي يصيب الذكور والإناث.
وتنخفض خصوبة السائل المنوي لدى ذكور الأرانب خلال الصيف، بالتزامن مع تراجع رغبة الإناث في التلقيح وانخفاض إنتاج الأمهات من اللبن، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات النمو والإنتاج.
وبحسب محفوظ، تستطيع الأرانب تحمل درجات حرارة تصل إلى نحو 32 درجة مئوية، بينما يؤدي تجاوز هذه الدرجة إلى تعرضها للإجهاد الحراري، بما يؤثر على الخصوبة والنشاط والإنتاج.
وتتفق هذه الصورة مع ما توصلت إليه المراجعة العلمية المنشورة عام 2023، التي صنفت الإجهاد الحراري باعتباره من أهم العوامل التي تعوق الأداء الإنتاجي والتناسلي للأرانب. وتشير إلى أن ذكور الأرانب أكثر حساسية للحرارة، وقد تعاني من العقم لمدة تتراوح بين 45 و70 يومًا في الظروف الحارة، مع انخفاض حجم القذفة بنسبة تصل إلى 80%.
دراسة مصرية حديثة: ماذا تفعل الحرارة بالأرانب الحوامل؟
ولم تعد تأثيرات الحرارة مجرد ملاحظة ميدانية لدى المربين؛ إذ جاءت دراسة مصرية حديثة، منشورة في دورية Veterinary Sciences في 22 أبريل 2026، لتختبر بصورة تجريبية تأثير الإجهاد الحراري على إناث الأرانب الحوامل، وما إذا كان الجمع بين الكركمين وفيتامين D3 يمكن أن يخفف من هذه الآثار.
وأجريت الدراسة في مزرعة الأرانب التجريبية بكلية الزراعة بجامعة قناة السويس في الإسماعيلية خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2025، وشملت 80 أنثى من سلالة نيوزيلندي أبيض، تراوحت أعمارها بين 12 و18 شهرًا.
وسجلت الأرانب الموجودة في الظروف الخارجية مؤشر حرارة ورطوبة بلغ 33.22، مقابل 25.13 في الظروف الداخلية، وصنف الباحثون الظروف الخارجية ضمن مستويات الإجهاد الحراري الشديد جدًا.
وأظهرت النتائج أن الحرارة أدت إلى انخفاض وزن الجسم واستهلاك الغذاء وإنتاج الحليب وحجم الخلفة ووزن الأرانب عند الفطام والنشاط السلوكي، بينما ارتفعت درجة حرارة المستقيم ومعدل التنفس ومعدلات النفوق.
كما أشارت الدراسة إلى أن معدلات الإخصاب في ظروف الحرارة الشديدة يمكن أن تنخفض من 100% إلى ما بين 33% و66%، في حين ينخفض وزن الأرانب عند الفطام من 630.5 إلى 503 جرامات في الظروف الحرارية المرتفعة التي استعرضتها الدراسة.
الكركمين وفيتامين D3.. حل واعد وليس وصفة نهائية
في المقابل، وجدت الدراسة أن الجمع بين الكركمين وفيتامين D3 حسّن عددًا من المؤشرات الإنتاجية والتناسلية وخفض درجة حرارة الجسم ومعدل التنفس.
وسجلت المجموعة التي تلقت المكملات 0% نفوق مقابل 5% في المجموعة التي لم تحصل عليها وفق نتائج الدراسة، كما ارتفع إنتاج الحليب خلال فترات القياس المختلفة لدى الأرانب التي تلقت المكملات.
لكن الباحثين لم يقدموا هذه النتيجة باعتبارها حلًا نهائيًا لأزمة الحرارة، إذ أكدوا الحاجة إلى دراسات إضافية لتحديد الجرعة المثلى وتأكيد فعالية التدخل وآلية عمله.
وهنا تكشف الدراسة عن اتجاه مهم في أبحاث صناعة الأرانب: التعامل مع الحرارة لم يعد يقتصر على محاولة تبريد المزرعة، وإنما يمتد إلى تطوير السلالات والتغذية والإضافات الطبيعية التي قد تساعد الحيوان على تحمل الظروف المناخية الصعبة.
السلالات المصرية.. محاولة للتكيف مع مناخ مصر
وفي مصر، بدأت جهود تحسين السلالات المحلية منذ عقود؛ إذ تشير المراجعة العلمية إلى بدء برنامج لتربية السلالات المحلية في كلية الزراعة بجامعة القاهرة عام 1932، ثم بدأت إجراءات التربية عام 1937 بهدف إنتاج سلالات تتميز بمعدلات نمو وحجم خلفة مرتفعين.
وتوالت بعد ذلك برامج التهجين والانتخاب، وصولًا إلى خطوط وراثية جديدة، من بينها Egy-Line الذي نتج عن تهجين NMER مع Giant Flinder خلال الفترة من 2016 إلى 2020، وأظهرت الدراسات التي استعرضتها المراجعة تفوقه في بعض الصفات الإنتاجية مقارنة بالسلالات الأبوية.
ويشير الدكتور السيد محفوظ إلى أن السنوات الماضية شهدت كذلك جهودًا لإنتاج سلالات قادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة مع الحفاظ على معدلات إنتاج اقتصادية.
ومن بين هذه السلالات ابري لاين التي تأسست عام 2008، ثم إيجي لاين وآس لاين عام 2021، إلى جانب السلالة المحلية «نمر» التي تأسست عام 2010، بحسب ما ذكره محفوظ.
ويشير إلى أن سلالة "إيجي لاين" اختُبرت ونُقلت إلى محافظة الأقصر عام 2022، وحققت نجاحًا هناك، في محاولة لاختبار قدرتها على التعامل مع ظروف المناطق الأكثر حرارة.
المشكلة ليست في الإنتاج وحده
رغم هذه المقومات، لا يوجد تصدير حاليًا للإنتاج المصري من الأرانب، بحسب محفوظ.
ويرى أن السوق المحلية يمكن أن تستوعب مزيدًا من الإنتاج، إلا أن الإقبال على لحوم الأرانب لا يزال أقل من الدواجن، بسبب ارتفاع سعرها مقارنة بالدواجن، إضافة إلى أن المستهلك لا يتناولها بصورة يومية مثل الدواجن.
وهنا تظهر مشكلة أخرى تتجاوز الإنتاج إلى شكل المنتج نفسه، فالمراجعة العلمية أوصت بدراسة اتجاهات المستهلك المصري تجاه لحوم الأرانب وتقديمها في أشكال جديدة، بما في ذلك المنتجات المصنعة، لأن بعض المستهلكين قد يشعرون بالنفور عند رؤية الذبيحة الكاملة ورأس الأرنب.
وبالتالي، فإن زيادة إنتاج الأرانب وحدها لا تكفي؛ إذ تحتاج الصناعة إلى تطوير سلسلة القيمة كاملة من التربية إلى التصنيع والتسويق والوصول إلى المستهلك.
فرصة لصغار المربين أم صناعة تحتاج إلى مستثمرين كبار؟
يرى محفوظ أن تربية الأرانب يمكن أن تكون نشاطًا مربحًا لصغار المربين، ولا تحتاج في بدايتها إلى تجهيزات مرتفعة التكلفة، إذ تتركز الاحتياجات الأساسية في البطاريات والسلالات المناسبة.
لكن في المقابل، يشير إلى أن بعض المزارع الكبيرة توقفت خلال الفترة الماضية، ومن بينها مزرعة "صان الحجر"، منذ نحو 10 سنوات، مرجعًا ذلك بصورة أساسية إلى غياب مستثمر كبير لديه الحماس للاستثمار في مشروعات إنتاج وتربية الأرانب.
وتكشف هذه المفارقة عن أحد أكبر تحديات القطاع، وهي الأرانب مناسبة للمشروعات الصغيرة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى استثمارات أكبر حتى تتحول إلى صناعة منظمة قادرة على تلبية السوق والتصدير.
وهذا يتطابق مع خلاصة المراجعة العلمية، التي ترى أن الانتقال إلى المستوى الصناعي لن يتحقق خلال أشهر، وإنما يحتاج إلى سنوات من العمل على تطوير صغار المربين والبنية الإنتاجية والتسويق والبحث العلمي.
لماذا لا تزال الأرانب فرصة غير مستغلة؟
تتميز الأرانب بقدرة تناسلية وإنتاجية مرتفعة؛ فالمراجعة العلمية تشير إلى إمكانية إنتاج نحو 40 خلفة سنويًا، مع سرعة النمو وكفاءة تحويل الغذاء وإنتاج بروتين حيواني عالي الجودة.
كما أشارت الدراسة إلى أن إنتاج لحوم الأرانب عالميًا ارتفع بنسبة 85% بين عامي 1998 و2017، بينما قادت آسيا هذا النمو بزيادة بلغت 235% خلال الفترة نفسها.
أما في مصر، فقد رصدت الدراسة تذبذبًا واضحًا في أعداد الأرانب خلال الفترة من 2010 إلى 2019؛ إذ انخفض العدد من 6.16 مليون رأس عام 2010 إلى 3.45 مليون عام 2014، قبل أن يرتفع إلى 7.11 مليون عام 2017 ثم يتراجع إلى 4.45 مليون رأس عام 2019.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة ليست في غياب القدرة على الإنتاج، وإنما في عدم استقرار القطاع واستمراريته.
الأعلاف باب آخر لخفض التكلفة
ولا تتوقف التحديات عند الحرارة والتسويق؛ إذ تمثل تكلفة التغذية عنصرًا أساسيًا في اقتصاديات المزرعة.
ويرى محفوظ إمكانية إدخال المخلفات الزراعية في تركيبات علفية مناسبة، بما يساعد على توفير بدائل وخفض التكلفة التي يتحملها المربي.
وتشير المراجعة العلمية كذلك إلى أهمية جودة العلف من حيث البروتين وقابليته للهضم والأحماض الأمينية والألياف، كما تناولت عددًا من التدخلات التغذوية المرتبطة بالتعامل مع الإجهاد الحراري.
لكن استخدام أي بديل أو إضافة علفية لا ينبغي أن يتحول إلى اجتهاد فردي من المربي؛ فالتغذية جزء من منظومة إنتاجية تحتاج إلى تركيب محسوب وإدارة ومتابعة.
بين السلالة المحلية والتهجين العشوائي
ومن المشكلات التي تواجه القطاع أيضًا طريقة التعامل مع السلالات، فبحسب محفوظ هناك بعض المربين يلجأون إلى تلقيح السلالات المحلية المحسنة مع سلالات مستوردة بصورة غير منظمة، بدلًا من العمل على توطين السلالات المحسنة من خلال برامج تربية وتحسين منظمة.
ويعتبر أن استمرار التهجين العشوائي بهذه الصورة ممارسة خاطئة، لأن تحسين الصفات الوراثية يحتاج إلى انتخاب وتسجيل ومتابعة للأداء، وليس مجرد خلط سلالات بهدف الحصول على إنتاج أعلى بصورة مؤقتة.
وهنا تلتقي رؤية الباحثين مع واقع المزارع؛ فالمراجعة العلمية أوصت بإنشاء بنك للجينات ونظام وطني لتسجيل بيانات الأرانب وتطبيق التكنولوجيا الحيوية التناسلية، باعتبار أن التطوير الوراثي يحتاج إلى قاعدة بيانات ومنهجية مستمرة.
مشروع أرانب غنية بأوميجا.. البحث العلمي يبحث عن قيمة مضافة
ولا تقتصر جهود الباحثين على زيادة عدد الأرانب أو تحمل الحرارة، فبحسب محفوظ، شارك باحثون في مشروع لإنتاج أرانب غنية بـ"أوميجا" من خلال تركيبات علفية غنية بهذا العنصر، بالتعاون مع جهات من فرنسا وتونس.
وكان الهدف نقل النتائج إلى مزارع كبيرة والتوسع فيها، إلا أن المشروع لم يتحول إلى إنتاج واسع النطاق بسبب عدم وجود مزارع تحمست لتنفيذه والتوسع فيه.
وتكشف هذه التجربة عن فجوة أخرى في صناعة الأرانب المصرية: المشكلة ليست دائمًا في غياب البحث، وإنما في تحويل نتائج البحث إلى استثمار تجاري.
من مزرعة صغيرة إلى صناعة.. ما الذي ينقص القطاع؟
إذا جُمعت نتائج الدراسة العلمية مع الواقع الذي يرصده المتخصصون، فإن أزمة صناعة الأرانب في مصر تبدو أقرب إلى مشكلة منظومة منها إلى مشكلة حيوان أو مزرعة.
فهناك سلالات يجري تطويرها، وأبحاث حول التغذية والإجهاد الحراري، وخبرات بحثية متراكمة، وقدرة إنتاجية مرتفعة، وسوق محلية يمكنها استيعاب المزيد، لكن القطاع يحتاج إلى ربط هذه العناصر في منظومة واحدة.
وتقترح المراجعة العلمية مجموعة من الإجراءات، أبرزها إنشاء نظام وطني لتسجيل بيانات الأرانب، وإنشاء شبكة للمربين، وتوفير برامج تدريب مستمرة، وإنشاء بنك للجينات، وتطبيق التكنولوجيا الحيوية التناسلية.
كما تقترح إنشاء جمعية لمنتجي لحوم الأرانب، والاستفادة من تجارب دول أخرى في تنظيم المنتجين والتسويق والترويج للحوم الأرانب.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News