إعلان

كل سلام أمريكي ينتهي بجثث في غزة

محمد جادالله

كتب - محمد جادالله

08:23 م الإثنين 11 مايو 2026

لم تكن اتفاقية أوسلو مجرد ورقة سياسية وُقعت في التسعينيات، يا عزيزي، بل كانت حلما كاملا عُلّق في الهواء أمام شعب أنهكه الاحتلال وأتعبته سنوات الدم والانتظار. وقتها بدا المشهد وكأن العالم أخيرا قرر أن يمنح فلسطين نافذة نحو الضوء، وأن واشنطن جاءت تحمل مفاتيح السلام بين يديها. لكن السنوات مرت، واكتشف الفلسطينيون أن اليد التي صافحتهم على الطاولة... كانت تُخفي خلف ظهرها مشروعا آخر تماما.

أمريكا لم تدخل يوما باعتبارها وسيطا محايدا كما حاولت أن تُظهر نفسها، بل دخلت باعتبارها الطرف الأقوى الذي يكتب النص ويوزع الأدوار ويحدد النهاية مسبقا. جلس الفلسطيني يفاوض على حلم الدولة، بينما كانت واشنطن تفاوض على شكل المنطقة كلها. ولهذا، يا صديقي القارئ، لم تكن أوسلو بداية السلام كما قيل لنا، بل كانت بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع بطريقة أكثر هدوءا وأكثر دهاء. في الظاهر كانت هناك كاميرات ومصافحات وخطب عن المستقبل، أما في العمق فكانت إسرائيل تحصل على الوقت، وتحصل أمريكا على النفوذ، بينما يحصل الفلسطيني على المزيد من الوعود المؤجلة.

تحولت السلطة الفلسطينية مع الوقت إلى كيان يحمل مسؤوليات شعب كامل دون أن يملك سلطة حقيقية على أرضه، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يدير حياته تحت الاحتلال لا أن يتحرر منه. وهنا بدأت واشنطن تُتقن لعبتها أكثر؛ تمد يدها بالكلام عن السلام، وفي اليد الأخرى توقع صفقات السلاح مع تل أبيب. تُرسل مبعوثين يتحدثون عن “حل الدولتين”، بينما المستوطنات تكبر كوحش يلتهم الأرض قطعة بعد أخرى. ومع كل جولة مفاوضات جديدة، كان الفلسطيني يكتشف أن الزمن لا يعمل لصالحه، بل ضده، وأن أمريكا لا تدير عملية سلام حقيقية، بل تدير الوقت نفسه.

والحقيقة المؤلمة، يا عزيزي، أن واشنطن لم تكن تريد إنهاء الصراع بقدر ما كانت تريد السيطرة عليه. سلام كامل يعني شرقا أوسط أقل احتياجا للدور الأمريكي، أما الصراع المستمر فيمنحها نفوذا دائما، ويجعلها اللاعب الوحيد القادر على تحريك الأوراق وقتما تشاء. لهذا لم تكن فلسطين بالنسبة للإدارة الأمريكية قضية حرية وعدالة كما حاول الخطاب السياسي أن يبدو، بل كانت ملفا استراتيجيا يُستخدم لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية أولا.

ثم جاءت غزة لتسقط الأقنعة كلها دفعة واحدة. هناك، يا صديقي، اختفت اللغة الدبلوماسية وبقي المعنى الحقيقي عاريا أمام العالم. مدينة كاملة تُحاصر، آلاف المدنيين يُقتلون، والمشهد يُعرض على الهواء مباشرة، بينما واشنطن تكرر العبارة نفسها ببرود مذهل: “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”. لم تعد الجملة مجرد موقف سياسي، بل تحولت إلى تصريح مفتوح باستمرار القصف، وكأن دم الفلسطيني أقل قيمة في ميزان العالم. والأخطر أن أمريكا لم تكتفِ بالانحياز، بل أعادت تشكيل الرواية نفسها؛ صار الاحتلال دفاعا عن النفس، والمقاومة إرهابا، والضحية مطالبة دائما بتقديم التبريرات، بينما القاتل يحصل على الدعم والسلاح والغطاء السياسي.

ومع كل حرب جديدة، تتآكل صورة “الوسيط النزيه” أكثر. الشعوب لم تعد ترى أمريكا كما كانت تراها قبل عقود، لأن القنابل كشفت ما كانت تخفيه الكلمات. كل طفل يُنتشل من تحت الركام يسقط معه جزء جديد من الرواية الأمريكية القديمة، وكل مشهد دمار يطرح السؤال نفسه من جديد: كيف يمكن لمن يمول الحرب أن يدعي صناعة السلام؟

يا صديقي القارئ، ربما لم تكن الخديعة الكبرى أن أمريكا فشلت في تحقيق السلام، بل أن العالم ظل طويلا يصدق أنها كانت تريده أصلا. فواشنطن لم تُطفئ النار يوما، بل تعلمت كيف تديرها، وكيف تُبقي المنطقة معلقة بين الخوف والانفجار حتى تظل هي اللاعب الوحيد القادر على الإمساك بالخيوط كلها.

ولهذا يبقى السؤال الأكثر إزعاجا معلقا في النهاية: إذا كانت أمريكا تملك القدرة على إيقاف هذا النزيف منذ سنوات، فلماذا تُبقي الشرق الأوسط واقفا دائما على حافة النار... ومن الذي يربح حقا كلما احترقت غزة أكثر؟

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان