مياه أقل، غذاء أغلى، وواردات أكبر. هكذا ترسم دراسة حديثة صادرة عن معهد التخطيط القومي تداعيات التغيرات المناخية المحتملة على مصر بحلول 2050، بعدما خلصت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار سيضربان إنتاجية عدد من المحاصيل الإستراتيجية، ويدفعان أسعارها للارتفاع بينما تتزايد حاجة البلاد إلى الاستيراد لتعويض نقص الإنتاج المحلي.
وتفترض الدراسة ارتفاع درجات الحرارة بنحو 2.8 إلى 3.5 درجة مئوية بحلول 2050، مع تغيرات في معدلات سقوط الأمطار، لتنعكس هذه الصدمات على الزراعة باعتبارها أحد أكثر القطاعات تعرضًا لتغير المناخ.
الذرة وفول الصويا في مرمى الخطر
وحسب السيناريو المناخي المتشائم، قد تنخفض إنتاجية فول الصويا بنحو 25.2% والذرة 22% والقمح 14% وبنجر السكر 13% وقصب السكر 12% بحلول 2050، كما تتراجع إنتاجية الأرز بنحو 9.2%، ودوار الشمس 9.7%، والشعير 9.6%، والفول البلدي 7.7%.
ولا تبدو الصورة قاتمة لجميع المحاصيل؛ إذ تتوقع الدراسة ارتفاع إنتاجية القطن بنحو 17%، ليكون الاستثناء الأبرز في قائمة المحاصيل، بحلول 2025.
عندما يقل الإنتاج.. ترتفع فاتورة الغذاء
ولا تتوقف الأزمة عند انخفاض الإنتاجية، إذ تتوقع الدراسة انتقال أثر الصدمة المناخية إلى أسعار الغذاء.
وتشير تقديرات الدراسة إلى ارتفاع أسعار بنجر السكر بنحو 46.6%، والذرة 35%، وقصب السكر 29.3%، والأرز 24.1%، والفول البلدي 15.8%.
وفي الوقت نفسه، تتراجع مستويات الاكتفاء الذاتي لعدد من السلع؛ فالقمح تهبط نسبته من 35.8% إلى 32.2%، والذرة من 44.3% إلى 35.9%، والأرز من 67% إلى 62.9%، بينما يتراجع اكتفاء مصر من بنجر وقصب السكر من 67.2% إلى 60%.
المياه.. الضغط الأكبر على الزراعة
وتضع الدراسة أزمة المياه باعتبارها أحد أخطر التحديات المستقبلية.
فمع توقع وصول عدد سكان مصر إلى نحو 171 مليون نسمة في 2050، تفترض الدراسة بقاء إجمالي الموارد المائية عند نحو 81.1 مليار متر مكعب، ما يخفض نصيب الفرد من المياه من 574 مترًا مكعبًا سنويًا في 2022 إلى 330 مترًا فقط في 2050.
ومع زيادة الاحتياجات المنزلية والصناعية، من المتوقع أن تتراجع المياه المتاحة للري والزراعة من 61 مليار متر مكعب حاليًا إلى 49.7 مليار متر في 2050، بانخفاض يبلغ نحو 18.5%.
وبذلك لا تواجه الزراعة تحدي ارتفاع الحرارة وحده، وإنما تواجه في الوقت نفسه مياهًا أقل ومساحة أضيق لتلبية الطلب الغذائي المتزايد.
الصدمة تمتد إلى الاقتصاد
وترى الدراسة أن تداعيات التغير المناخي على الزراعة لن تبقى داخل الحقول، وإنما ستمتد إلى الاقتصاد الكلي.
وفي السيناريو المتشائم، قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.7%، بينما يتراجع الناتج الزراعي بنحو 7%، وينخفض استهلاك المواطنين بنحو 1.5%.
وقد ترتفع الواردات بنحو 3.7% لتعويض نقص السلع الغذائية، بينما تتراجع الصادرات 1.2%، ويرتفع المستوى العام للأسعار بنحو 1.7%، مع زيادة العجز التجاري بنحو 0.8%.
وتعني هذه النتائج، وفق الدراسة، أن نقص الإنتاج الزراعي قد يتحول إلى فاتورة استيراد أكبر وضغوط سعرية إضافية وضغط على النقد الأجنبي.
ماذا تقترح الدراسة؟
ولمواجهة هذه السيناريوهات، حدد معهد التخطيط القومي خمسة مسارات رئيسية، تبدأ من إعادة رسم الخريطة الزراعية وتعديل مواعيد الزراعة بما يتناسب مع التغيرات المناخية، وصولًا إلى التوسع في البحث العلمي لإنتاج أصناف تتحمل الحرارة والجفاف والملوحة.
كما تدعو الدراسة إلى رفع كفاءة استخدام المياه والتوسع في الري الحديث والتنقيط والرش، وتعظيم الاستفادة من مياه الصرف الزراعي المعالجة، إلى جانب تطوير التأمين الزراعي والتمويل الأخضر.
وتشدد كذلك على إنشاء نظم إنذار مبكر تتيح للمزارعين الاستعداد لموجات الحرارة والصقيع والظواهر المناخية المتطرفة، واستعادة دور الإرشاد الزراعي باستخدام التكنولوجيا الحديثة.
وتخلص الدراسة إلى أن معركة مصر مع تغير المناخ لا تتعلق فقط بحماية المحاصيل، وإنما بحماية المياه والغذاء والأسعار والنقد الأجنبي والنمو الاقتصادي في آن واحد.