قال خبراء اقتصاديون إن خروج المستثمرين العرب والأجانب في أدوات الدين يعكس ارتفاع حساسية الأموال الساخنة تجاه تغيرات أسعار الفائدة العالمية، بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع الفائدة، لكنها لا تشير حتى الآن إلى بدء موجة خروج واسعة من السوق المصرية.
وأضافوا أن فارق العائد لا يزال يمنح أدوات الدين المصرية جاذبية مقارنة بالأصول الدولارية.
وقد سجل المستثمرون العرب والأجانب صافي بيع بنحو 878 مليون دولار في السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية المصرية خلال تعاملات الأسبوع الجاري، وفقا لبيانات البورصة المصرية.
تأتي ذلك التحركات تزامنا مع رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة 0.25% لأول مرة منذ 3 سنوات، وعودة التوترات الجيوسياسية بمنطقة الشرق الأوسط.
قال خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، إن هذه التحركات وحدها لا تكفي للقول ببدء موجة خروج واسعة للأموال الساخنة من مصر، لكنها تكشف عن سرعة تغير اتجاهات التدفقات قصيرة الأجل، وهي الأموال التي تتحرك بين الأسواق بحثًا عن أفضل مزيج من العائد والمخاطر والسيولة.
الأموال الساخنة تتحرك بين البيع والشراء
وأضاف الشافعي لـ مصراوي أن مصر تدخل هذه المرحلة وهي ما تزال تقدم عوائد مرتفعة على أدوات الدين قصيرة الأجل.
وبلغ متوسط العائد المرجح في السوق الثانوية لأذون الخزانة نحو 24.2% لأجل 3 أشهر، و25.4% لأجل 6 أشهر، و25% لأجل عام في 9 سبتمبر، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
فارق العائد لا يزال لصالح مصر
من جهته، قال الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن قرار الفيدرالي برفع الفائدة لم يمحُ فارق العائد الكبير بين السوقين المصرية والأمريكية، إلا أن المستثمر الأجنبي لا ينظر إلى الفائدة الاسمية وحدها، وإنما يضع في حساباته أيضًا احتمالات تغير سعر الجنيه وتكلفة التحوط والسيولة والمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
وأضاف لـ مصراوي، أن معادلة الأموال الساخنة أكثر تعقيدًا عندما ينتقل المستثمر من حساب العائد بالجنيه إلى حساب العائد بالدولار، إذ إن ارتفاع الفائدة المصرية قد يوفر عائدًا جذابًا على الورق، لكن أي انخفاض كبير في قيمة الجنيه يمكن أن يقلص هذا العائد عند تحويل أصل الاستثمار وأرباحه إلى العملة الأمريكية.
الجنيه يدخل المعادلة
ومن ناحيته، قال هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي، إن استمرار استقرار سوق الصرف وتوافر السيولة الدولارية يساعدا في الحفاظ على جاذبية أدوات الدين المصرية، حتى مع ارتفاع العائد المتاح على الأصول الأمريكية.
وأضاف أبو الفتوح لـ مصراوي، أن التحدي لا يصبح أمام الأسواق الناشئة مجرد ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية، وإنما استمرار قدرة أصولها المحلية على تعويض المستثمر عن المخاطر الإضافية التي يتحملها مقارنة بالاستثمار في الأصول المقومة بالدولار.
اختبار لجاذبية الدين المصري
من ناحيته، يقول الشافعي، إن تحركات المستثمرين خلال سبتمبر تكشف أن المعركة لم تُحسم باتجاه واحد؛ فالتدفقات انتقلت خلال أيام قليلة من البيع إلى الشراء ثم إلى البيع مجددًا، بينما ظل العائد المحلي مرتفعًا.
وأضاف أن هذه المعادلة سوق الدين المصرية أمام اختبار مستمر حول فارق العائد وتعويض ارتفاع تكلفة الاستثمار في سوق ناشئة بعد تشدد السياسة النقدية الأمريكية.
وأشار الشافعي إلى أن التحركات تعكس حساسية سوق الصرف أمام حركة الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، خصوصًا أن المستثمر الذي يبيع أدوات الدين المحلية قد يحتاج تحويل حصيلة استثماره إلى عملة أجنبية، وهو ما يمكن أن يزيد الطلب على الدولار إذا تزامنت عمليات التخارج مع تحويلات كبيرة.
وذكر أن صافي البيع في جلسة واحدة لا يعني خروج جميع الاستثمارات الأجنبية من مصر، إذ يقتصر الرقم على حركة المستثمرين في السوق الثانوية لأدوات الدين خلال فترة محددة، بينما تختلف هذه التدفقات من جلسة إلى أخرى وفقًا للعائد والمخاطر وتطورات الأسواق المحلية والعالمية.
أين تذهب ضغوط الأموال الساخنة؟
تزامنت تحركات الجنيه مع ارتفاع الدولار عالميًا بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة، في وقت تشهد فيه الأسواق حالة من عدم اليقين مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتوقعات السياسة النقدية، وتزيد هذه العوامل من حساسية عملات الأسواق الناشئة لتحركات الدولار وتغيرات تدفقات رؤوس الأموال، بما يجعل أي موجة بيع في أدوات الدين قابلة للانعكاس سريعًا إلى موجة شراء جديدة، بحسب تطورات العائد والمخاطر في الأسواق العالمية.
قال هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي، إن تجاوز سعر الدولار مستوى 52 جنيهًا لا تتعلق بمجرد رقم تحرك على شاشة الصرافة، بقدر ما تعكس طبيعة التوازن بين موارد النقد الأجنبي والطلب عليه.
وأضاف أن موارد النقد الأجنبي، مثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات السياحة وقناة السويس والاستثمار الأجنبي، يمكن أن توفر سيولة تساعد على تهدئة سوق الصرف لفترات، إلا أن لكل مورد منها طبيعة مختلفة وحدودًا لاستمراره، ما يجعل الاعتماد عليها وحدها غير كافٍ لضمان استقرار مستدام.
وأشار إلى أن الصورة قد تبدو أكثر إيجابية عند النظر إلى تحسن الاحتياطي النقدي وصافي الأصول الأجنبية، لكن قراءة مؤشرات التجارة الخارجية تضيف جانبًا آخر إلى المشهد.
وتابع أن المشكلة ليست في قدرة الاقتصاد على جذب الدولار أو توفيره لفترة معينة فقط، وإنما في استمرار الطلب على العملة الأجنبية مع زيادة الواردات والالتزامات الخارجية، وينتقل أثر هذا الضغط في النهاية إلى الاقتصاد الحقيقي، بدءًا من التاجر والمصنع وصولًا إلى المستهلك، من خلال ارتفاع تكلفة الاستيراد وزيادة تكلفة المخزون، بما ينعكس على مستويات الأسعار.
المعركة الحقيقية على الدولار
وقرر أبو الفتوح أن تأثير قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لا ينتقل إلى السوق المصرية بصورة مباشرة، وإنما يمر عبر عدة قنوات، من بينها حركة رؤوس الأموال وفروق العائد بين الأسواق وثقة المستثمرين وتوقعات سعر الصرف، ومن ثم، لا يرتبط تحقيق الاستقرار في سوق الصرف بقرار منفرد بشأن أسعار الفائدة وإنما بقدرة الاقتصاد على بناء موارد مستدامة من النقد الأجنبي، بالتوازي مع زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات.
وبيّن أنه كلما ارتفعت قدرة الاقتصاد على توليد الدولار من خلال التصدير والإنتاج والاستثمار، انخفضت حساسيته أمام تقلبات التدفقات قصيرة الأجل.