إعلان

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.. من يحمي الفنان من انتهاك الخصوصية؟

مصطفى صلاح

كتب - مصطفى صلاح

07:57 م الخميس 17 سبتمبر 2026

هناك أشياء لا تحتاج إلى قانون حتى نعرف أنها خطأ، ولا تحتاج إلى لائحة حتى ندرك أنها اعتداء، يكفي فيها قليل من الضمير، وقليل من التربية، وقليل من الإحساس بأن وراء الصورة إنسانًا، ووراء الخبر بيتًا، ووراء المقطع قلبًا يمكن أن ينكسر.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ليس سؤالًا عن الفنانين وحدهم، وإنما عن معنى أن تكون للإعلام رسالة، وأن تكون للكلمة مسؤولية، وأن تظل للإنسان مساحة لا تطالها الكاميرا ولا تعبث بها منصات البحث عن المشاهدة.

لقد أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مؤخرًا قرارًا يتعلق بواقعة أسرة الكابتن حسام حسن، وألزم وسائل الإعلام والمواقع والمنصات الخاضعة للقانون بعدم ظهور زوجته دان آدم، وعدم نشر أو إتاحة أي محتوى يتعلق بالموضوع، كما اتخذ إجراءات تجاه وسائل وحسابات خالفت الضوابط التي وضعها المجلس.

وهذا الموقف يفتح بابًا مشروعًا لسؤال آخر: إذا كانت الحياة الخاصة تستحق الحماية في هذه الواقعة، فلماذا لا تكون هناك رسالة عامة وشاملة تحمي الحياة الخاصة للفنانين وغيرهم من أن تتحول إلى مادة يومية للتداول؟

لا أتحدث هنا عن واقعة بعينها، ولا أطلب أن يصبح الفنان فوق النقد، فهذا ضد طبيعة الصحافة وضد حق المجتمع في المعرفة. وإنما أتحدث عن الحد الفاصل بين النقد والاقتحام، بين المعلومة والفضول، بين الصحافة ومطاردة أسرار البيوت.

الفنان ليس وجهًا معلقًا على شاشة، وليس جسدًا بلا مشاعر، وليس شخصية أسقطت عنها الشهرة حقها في الخصوصية. خلف الاسم الذي يعرفه الناس أب أو أم أو ابن أو زوجة، وبيت له أبوابه، وأيام ثقيلة لا يريد صاحبها أن يشرحها لأحد.

لكننا أصبحنا نرى مشهدًا مؤلمًا يتكرر: فنان يمرض، فتبدأ المطاردة بحثًا عن صورته، فنان يحزن، فتخرج الكاميرات من كل مكان، أزمة عائلية فتتحول إلى عناوين، صورة شخصية يعاد نشرها، مقطع مبتور يوضع له عنوان مثير، ثم يبدأ السيل الذي لا يعرف كيف يتوقف.

والسؤال: من أعطى كل هؤلاء الحق؟

هل لأن الفنان اختار أن يقف أمام الكاميرا أصبح بيته ملكًا للكاميرا؟ هل لأنه قدم للناس فنه أصبح من حق الناس أن يفتشوا في مرضه وحزنه وأسرته؟ وهل الشهرة عقد مكتوب يتنازل بموجبه الإنسان عن حياته الخاصة؟

بالطبع لا.

بل إن أكثر ما يؤلم في هذه الظاهرة أن البعض يعرف أنه يؤذي، ومع ذلك يفعل. يعرف أن الصورة خاصة، فينشرها. يعرف أن الأسرة تمر بأزمة، فيفتح عليها أبواب الأسئلة. يعرف أن المريض يحتاج إلى ستر وهدوء، فيحوّل مرضه إلى عنوان. ثم تأتي العبارة الجاهزة: «هذا هو التريند».

وكأن التريند أصبح مبررًا جديدًا يبرر كل شيء.

لا، ليس كل ما يحقق المشاهدة يستحق أن يُنشر، وليس كل ما يثير فضول الناس يصبح حقًا لهم.

وهنا أقولها بوضوح: من يتعمد استغلال مرض إنسان أو حزنه أو خصوصيته من أجل المشاهدة والمال، وهو يعرف أنه يتسبب في أذى حقيقي، لا يمكن أن يختبئ خلف مصطلح «صناعة المحتوى». صناعة المحتوى لا تعني صناعة الألم، وحرية التعبير لا تعني حرية الاعتداء على الآخرين.

التربية الحقيقية ليست أن تعرف كيف تستخدم الهاتف، وإنما أن تعرف متى تضعه جانبًا. ليست أن تمتلك القدرة على نشر صورة، وإنما أن تمتلك الأخلاق التي تجعلك تقول: هذه الصورة ليست لي. ليست أن تعرف سرًا عن شخص، وإنما أن تعرف أن بعض الأسرار أمانة.

والضمير لا يظهر عندما نتحدث عن الفضيلة، وإنما يظهر عندما تكون قادرًا على الخطأ ولا تفعله.

من هنا تأتي أهمية أن يصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بيانًا واضحًا يضع هذا الأمر أمام القنوات الفضائية والمواقع والمنصات الإعلامية: لا خوض في الحياة الخاصة للفنانين، لا استغلال للمرض والحزن والأزمات العائلية، لا إعادة نشر لمواد تنتهك الخصوصية، ولا تحويل وجع البشر إلى فقرات للفرجة.

ولا يعني ذلك مصادرة حرية الإعلام، وإنما حماية معناه.

فالصحافة التي تكشف فسادًا ليست كالصفحة التي تكشف سرًا عائليًا، والنقد الذي يناقش عمل فنان ليس كتصويره في لحظة ضعف، والخبر الذي يهم المجتمع ليس كصورة التقطت خلسة داخل مستشفى أو منزل أو جنازة.

نحن في حاجة كذلك إلى قوانين أكثر ردعًا في مواجهة الاعتداء على الحياة الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأن سرعة انتشار المحتوى أصبحت تفوق أحيانًا قدرة الضحية على الدفاع عن نفسها. منشور واحد يمكن أن يصل إلى الملايين قبل أن يعرف صاحبه أنه نُشر، وصورة واحدة قد تبقى على آلاف الحسابات حتى بعد حذف أصلها.

القانون هنا لا ينبغي أن يحارب التكنولوجيا، وإنما أن يحمي الإنسان من إساءة استخدامها. ويجب أن تكون هناك مسؤولية واضحة عن النشر وإعادة النشر والترويج المتعمد للمحتوى الذي ينتهك الخصوصية، مع احترام كامل لحرية التعبير والضمانات القانونية.

لقد أصبحنا نحتاج إلى أن نقول للجيل الجديد إن الهاتف ليس مفتاحًا لكل الأبواب، وإن الوصول إلى حياة الآخرين لا يعني امتلاكها.

ونحتاج أن نقول للإعلام: ليست كل حكاية تصلح لأن تُروى.

ونحتاج أن نقول لصانع المحتوى: ليس كل ما تستطيع تصويره يحق لك تصويره، وليس كل ما تستطيع نشره يحق لك نشره.

ونحتاج أن نقول للجمهور أيضًا: أنتم جزء من المشكلة حين تمنحون هذا النوع من المحتوى ملايين المشاهدات. فكل مشاركة لصورة خاصة، وكل تعليق ساخر على مرض إنسان، وكل إعادة نشر لمقطع مهين، تجعل من الاعتداء تجارة رابحة.

الفنان ليس لقطة، ووجعه ليس تريندًا، وبيته ليس استوديو مفتوحًا، وشهرته ليست تنازلًا عن إنسانيته.

وإذا كان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قادرًا على اتخاذ موقف لحماية الحياة الخاصة في واقعة محددة، فإننا ننتظر منه أن يحول هذه الفكرة إلى رسالة عامة، حتى لا تصبح حماية الخصوصية مرتبطة باسم شخص أو بظرف معين، وإنما تصبح قاعدة تحكم المشهد الإعلامي كله.

فالذين يبيعون وجع الآخرين من أجل حفنة مشاهدات قد يربحون اليوم، لكنهم يتركون وراءهم سؤالًا أثقل من كل أرقام التفاعل: ماذا فعلت حين كان ألم إنسان بين يديك؟

وعندها لا ينفع تريند، ولا شهرة، ولا عدد متابعين.

﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان