قال خبيران اقتصاديان إن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة يفرض ضغوطا على تدفقات الأموال الساخنة إلى الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، كما يزيد تكلفة وعوائد السندات المصرية المطروحة في الأسواق الدولية، خاصة إذا اتجه الفيدرالي إلى مواصلة التشديد النقدي خلال الاجتماعات المقبلة.
وأوضحا لـ"مصراوي" أن استمرار ارتفاع الفائدة الأمريكية قد يدفع المستثمرين إلى تفضيل الدولار والأصول الأمريكية ذات العائد المرتفع على أدوات الدين في الأسواق الناشئة، ما قد يزيد الضغوط على تدفقات الاستثمار الأجنبي وسعر الصرف، مع اختلاف حجم التأثير وفقًا لمسار التضخم المحلي وقرارات البنك المركزي المصري.
اقرأ أيضًا: قرار مرتقب للفيدرالي.. هل يهبط الذهب خلال الفترة المقبلة دون 4 آلاف دولار؟
الفيدرالي يرفع الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات
ويتوقع أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات خلال اجتماعه اليوم، في ظل استمرار التضخم أعلى من مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي بنسبة 3.4% على أساس سنوي خلال أغسطس، بينما يتوقع بعض محللي وول ستريت رفع الفائدة مرة أو مرتين إضافيتين خلال الأشهر المقبلة.
وتزايدت توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية خلال اجتماع الفيدرالي اليوم، بعد صدور بيانات أظهرت ارتفاع التضخم وأسعار المنتجين في الولايات المتحدة بأكثر من المتوقع خلال أغسطس.
وبحسب "رويترز"، توقعت بنوك استثمار كبرى، من بينها "جولدمان ساكس" و"جيه بي مورجان" و"إتش إس بي سي" و"دويتشه بنك"، رفع الفائدة الأمريكية بمقدار 0.25% خلال الاجتماع، مع ترجيح بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول لإعادة التضخم إلى مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
وأظهرت أداة "FedWatch" التابعة لـ"CME" تسعير الأسواق لاحتمال يقارب 90% لرفع الفائدة 0.25% خلال اجتماع اليوم، مقابل نحو 70% قبل صدور بيانات التضخم الأخيرة، مع توقعات بزيادة أخرى في ديسمبر.
وأشارت "رويترز" إلى أن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع تجدد التوترات في الشرق الأوسط، زاد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، ما عزز التوقعات باتجاه الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية.
اقرأ أيضًا: "فيتش سوليوشنز" تتوقع تسارع التضخم في مصر إلى 15.5% بالنصف الثاني من 2026
استمرار الرفع يضغط على الأموال الساخنة
قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن تأثير رفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة على مصر يرتبط بشكل أساسي بمسار التضخم المحلي واتجاهات السياسة النقدية الأمريكية، خاصة إذا اتجه البنك المركزي الأمريكي إلى رفع الفائدة بصورة متتالية خلال الاجتماعات المقبلة.
وأوضح أن استمرار رفع الفائدة الأمريكية، بالتزامن مع تسعير الأسواق لهذا السيناريو، قد يؤدي إلى استمرار خروج الاستثمارات غير المباشرة من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، مع اتجاه المستثمرين إلى الدولار والأصول الأمريكية ذات العائد المرتفع.
وأضاف أن ارتفاع الفائدة الأمريكية إلى جانب صعود التضخم المحلي قد يزيد الضغوط على البنك المركزي المصري لرفع أسعار الفائدة على الجنيه، بهدف الحد من الضغوط على سعر الصرف وتقليل خروج الاستثمارات من أدوات الدين المصرية.
وأشار أنيس إلى أن الأهم من قرار الفيدرالي في الاجتماع الحالي، سواء تضمن رفع الفائدة 0.25% أو الإبقاء عليها، هو ما ستتضمنه تصريحات رئيسه كيفن وارش من إشارات بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة.
السندات المصرية تتأثر بالفائدة العالمية
وقال مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث بشركة "أسطول القابضة"، إن أي رفع لأسعار الفائدة الأمريكية سيؤدي إلى اضطراب في تدفقات الأموال الساخنة إلى الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، كما سيؤثر على السندات المصرية المطروحة في الأسواق الدولية.
وأوضح أن رفع الفائدة الأمريكية يزيد المخاوف لدى المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، وقد يدفع البنك المركزي المصري إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على جاذبية أدوات الدين المصرية واستقرار تدفقات الاستثمارات الأجنبية.
وأضاف شفيع أن السندات المصرية المطروحة في الأسواق الخارجية تتأثر بصورة مباشرة بتحركات أسعار الفائدة العالمية، باعتبار أن عوائدها ترتبط بمستويات الفائدة العالمية التي تتأثر بدورها بقرارات الفيدرالي الأمريكي.
وأشار إلى أن تأثير قرار الفيدرالي قد يمتد إلى قرارات البنك المركزي المصري خلال الاجتماعات المقبلة، موضحًا أنه من الممكن أن يتجه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، بينما قد يصبح رفع الفائدة مطروحًا في الاجتماع الذي يليه إذا واصل الفيدرالي الأمريكي تشديد سياسته النقدية.
التضخم المحلي يحدد تحرك المركزي
ولفت أنيس إلى أن قراءات التضخم في مصر حتى الآن تعد جيدة، خاصة في ظل قدرة الاقتصاد على امتصاص جزء كبير من صدمة الحرب خلال الأشهر الستة الماضية، موضحًا أن التضخم ارتفع من نحو 13% قبل الحرب إلى مستويات تقارب 15% حاليًا قبل أن يتراجع إلى 14.5%.
وأضاف أن ارتفاع سعر الدولار بنحو 3 جنيهات، بما يعادل نحو 15% تقريبًا، كان من الممكن أن يترك أثرًا أكبر على معدلات التضخم، إلا أن قدرة الاقتصاد على استيعاب هذه الصدمة تعد جيدة حتى الآن.
وأوضح أن البنك المركزي المصري يراقب عاملين رئيسيين خلال الفترة المقبلة، أولهما احتمالية ارتفاع التضخم إلى مستويات تتجاوز 18%، والثاني استمرار الفيدرالي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة بصورة متتالية، وليس مجرد قرار رفع واحد.
وعن مدى تأثر قرار البنك المركزي المصري في اجتماعه المقبل بقرار الفيدرالي، استبعد أنيس أن يكون التأثير كبيرًا على القرار القريب، موضحًا أن التضخم المحلي، الذي سجل نحو 14.5% في آخر قراءة، لا يزال بعيدًا عن مستوى الخطر الذي يضعه في حدود 18%، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة لمراقبة التطورات قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن أسعار الفائدة.
هل يستمر الفيدرالي في رفع الفائدة؟
وفيما يتعلق بالتوقعات بشأن اتجاه الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة، قال أنيس إن هذه التوقعات لا تعني بالضرورة تنفيذ زيادات متتالية، موضحًا أن جزءًا منها يعكس ضغوط أسواق السندات التي تسعى إلى رفع العوائد على السندات طويلة الأجل بما يضمن تحقيق عائد حقيقي يتجاوز معدلات التضخم.
وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية لفترة طويلة يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية ويزيد أعباء الموازنة، وبالتالي فإن قرارات الفيدرالي لا ترتبط بالتضخم وأسعار الفائدة فقط، وإنما تتأثر أيضًا بعوامل مالية واقتصادية أخرى.
وأكد أن تأثير أي تحرك للفيدرالي سيحتاج إلى تقييم مستمر، خاصة مع صدور قراءات التضخم المحلية وتطورات أسعار الفائدة الأمريكية وتدفقات الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين.
اقرأ أيضًا: بـ26 مليار دولار.. مصر ضمن أكبر أوزان مؤشر"جيه بي مورجان" الجديد لسندات الأسواق المبتدئة