• أُجبرت على الاختيار بين طفلها المولود من خاطفها في "تنظيم الدولة"وبين عائلتها الإيزدية

    02:48 ص الأحد 04 أغسطس 2019
    أُجبرت على الاختيار بين طفلها المولود من خاطفها في "تنظيم الدولة"وبين عائلتها الإيزدية

    ارشيفية

    بي بي سي

    "لقد أحببته في اللحظة التي سمعت فيها أول صرخة له، لقد كان نوراً في الظلام". هكذا وصفت جوان، الناجية الإيزدية مولودها من خاطفها في "تنظيم الدولة" والذي أجبرت على التخلي عنه وهو في المهد.

    أحبّت جوان حياتها التي عاشتها مع زوجها خضر في قريتها الجميلة التي ترعرعت فيها، وخاصة أمسيات الصيف التي كانت تسهر فيها مع زوجها على سطح المنزل تحت سماء مغطاة بالنجوم.

    تقول جوان: "كنت سعيدة للغاية، عشت بأفضل الأحوال". لكن تلك الحياة تغيرت إلى الأبد في صيف عام 2014، في أوائل أغسطس، عندما وصلت سيارتان تحملان أعلاماً سوداء إلى قريتهم.

    لم تكن جوان و زوجها خضر متأكدين مما يحدث، لكنهما عرفا أن حياتهما قد تكون في خطر.

    كان من الواضح أن أولئك الرجال هم من مسلحي "تنظيم الدولة الإسلامية" المتشدد.

    لكن في الوقت نفسه، كانت بعض الوجوه مألوفة لديهم، كانوا من أبناء القرية المجاورة وكان خضر يعرف وجوههم.

    وعد أولئك الرجال أهالي القرية بعدم إلحاق الضرر بهم إذا تعاونوا معهم. فتم إجبارهم مع حوالي 20 أسرة أخرى ، على السفر مع القافلة من قرية إلى أخرى في وادي سنجار (شنكال بالكردية).

    ولكن ما لم يدركه الزوجان وقتها، أن ذلك كان هجوماً منسقاً متعدد الجوانب من قواعد التنظيم في كل من العراق وسوريا منذ بداية العام.

    وكان التنظيم قد استولى على مدن مثل الموصل القريبة من قرية جوان.

    خطف وقتل واغتصاب واستعباد

    عندما سمع سكان سنجار خبر وصول عناصر التنظيم إلى وادي سنجار، هرب القرويون إلى الجبال المحيطة بالبلدة.

    وطلب قائد القافلة، وهو من رجال التنظيم، من خضر الذهاب إلى الجبال وإقناع القرويين بالعودة إلى ديارهم وأنهم لن يلحقوا الضرر بأي واحد منهم.

    يقول خضر: "لقد أوصلت الرسالة لكن لم يصدقها أحد".

    وكان شقيقه واحداً من الذين فروا إلى الجبال. أراد خضر العودة إلى عائلته، لكن شقيقه منعه قائلاً إن العودة بمثابة الانتحار.

    كان من المعروف أن مقاتلي التنظيم يختطفون الرجال الذين لم تكن هناك أي فائدة من قتلهم. وكان خضر، مثل زوجته، من أقلية دينية معرضة للخطر، إنها الديانة الإيزدية.

    لم تكن هناك خيارات مناسبة للإيزديين في ذلك الوقت، وحوصر الهاربون إلى الجبل هناك، دون ماء أو إمدادات.

    مات المئات منهم بسبب ارتفاع درجات الحرارة التي كانت تزيد عن 50 درجة مئوية. وألقى عناصر التنظيم القبض على الآلاف ممن بقي في القرية.

    فرز العائلات

    أجبر الصبيان على الذهاب إلى معسكرات التدريب لدى التنظيم، وخطفت الفتيات والنساء من أجل الاستعباد الجنسي، وأعدم الرجال الذين رفضوا الاستسلام أو تبديل دينهم بالإسلام.

    لا يعرف أحد بالضبط أعداد الإيزديين الذين اختطفهم التنظيم، ويقدر ممثلٌ خاص لدى الأمم المتحدة أنه من بين 400 ألف إيزيدي عاشوا في سنجار في ذلك الوقت، قُتل الآلاف منهم، واختطف واستعبد أكثر من 6400 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وتم بيعهم وضربهم واغتصابهم.

    وضعت جوان وأطفالها الثلاثة وحوالي 50 امرأة وطفل آخرين من القرية في شاحنة، وانتهى بهم المطاف في الرقة، "عاصمة الخلافة " للدولة الإسلامية المفترضة في شمالي سوريا.

    ولم ترَ جوان زوجها خضر، إلا بعد أربع سنوات.

    أسيرة

    أدركت جوان أن المكان الذي نُقلت إليه في الرقة كان سوقاً لبيع العبيد (الأسرى)..

    واحتُجزت هي وأطفالها في مبنى مكون من ثلاثة طوابق مع 1500 امرأة وطفل آخرين. معظمهم من أقارب جوان في القرى المجاورة أو من جيرانهم بحسب ما قالت.

    وتقول: "كنا نحاول أن نعطي بعضنا البعض القليل من الأمل، في انتظار معجزة لإطلاق سراحنا".

    تم بيعها في النهاية إلى مقاتل تونسي شاب نحيف أطلق على نفسه اسم "أبو مهاجر التونسي"، وكان قائداً رفيع المستوى في التنظيم.

    بكت جوان لليالٍ، وحاولت الهروب عدة مرات، إلا أن أطفالها أبطؤوها.

    كان ابنها الأكبر، هيثم يبلغ من العمر 13 عاماً، لكن الأصغر آزاد، كان في الثالثة من عمره. وفي كل مرة اكتشف المهاجر التونسي محاولتها الهرب، حبسها في غرفة لعدة ايام.

    فكرت جوان بالانتحار، لكن التفكير بمستقبل أطفالها وما سيؤول إليه حالهم، منعها من الإقدام على ذلك بحسب قولها.

    فلم تجد مفراً في نهاية المطاف سوى اعتناق الإسلام، وأصبحت زوجة التونسي وانتقلت معه وبرفقة أطفالها إلى منزل في الرقة، كان أصحابه قد هجروه بعد سيطرة التنظيم.

    حافظ التونسي على وعده لجوان وعامل أطفالها بشكل حسن، إذ كان يأخذهم للعب في حديقة صغيرة قريبة عندما لم يكن في المعركة.

    تفاجأت جوان بعد خمسة أشهر أنها حامل وتقول: "كنت مرتبكة، ولم أعرف ما الذي يجب فعله، فلا توجد أي أدوية هناك".

    في تلك الفترة، كان التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، يقصف مسلحي التنظيم يومياً تقريباً، وكان المقاتلون العراقيون والأكراد، يقاتلون على جبهات مختلفة في كل من سوريا والعراق.

    لذلك كان آسر جوان التونسي، يقضي الكثير من الوقت خارج المنزل، في المعركة.

    ثم قرر أن يبيعها إلى عنصر آخر في التنظيم (كان يتم بيع الأسيرات الإيزديات عدة مرات) لكنه عندما اكتشف أنها حامل، عدل عن رأيه.

    وبعد سبعة أشهر من حملها، تلقت جوان خبر مقتل أبو مهاجر التونسي في المعركة.

    ولادة الطفل

    ولد طفلها آدم في وقت كانت الرقة تتعرض لغارات جوية مكثفة من قبل التحالف الأمريكي، ولم يكن هناك من يساعدها سوى ابنتها حواء وابنها هيثم في ولادة أخيهما غير الشقيق.

    تقول جوان: "لم يكن أطفالي متأكدين من شعورهم تجاه شقيقهم الجديد الذي بدا مختلفاً تماماً عنهم ".

    "أعتقد أن أطفالي أحبوه، لقد اعتنوا به، وخاصة ابنتي حواء التي كانت مثل صديقة لي، كانت تطعم آدم وتهتم به وترعاه وتهزه لمساعدته على النوم".

    أجبرت عمليات القصف المنتظمة جوان على تغيير منزلها عدة مرات، كما كانت الكهرباء تنقطع باستمرار، ولم يكن هناك وقود أو طعام كافٍ للجميع.

    كانت الأم تأكل قليلاً جداً لتوفر المزيد من الطعام لأطفالها، وتقول : "أحياناً لم نكن نملك سوى القليل من الماء والخبز والسكر، وكنت أعلم أنني إن لم أتناول طعاماً كافياً، فلن أتمكن من إرضاع طفلي آدم، لكن لم تكن لدي خيارات أخرى".

    وتضيف: "رغم كل الصعوبات التي واجهتها، كان وجود آدم يدفعني إلى الصبر والاستمرار، لقد كان يجذبني إليه كالمغناطيس رغم أن والده كان قاتلاً، لكن آدم جزء من جسدي ودمي".

    بحث خضر عن أسرته

    في العراق ، لم يكن خضر يعرف شيئاً عن طفل زوجته الجديد ، أو حتى مكان أسرته.

    بحث عنهم دون كلل، وفي كل مرة سمع عن إطلاق سراح نساء إيزديات مع أطفالهن من سوريا، كان يتجه إلى الحدود أملاً أن تكون أسرته، لكن بلا جدوى.

    و في النهاية عرف مكان وجودهم عن طريق شبكة من المهربين الذين كانوا يشترون النساء الإيزديات المختطفات لدى "تنظيم الدولة" ويبيعونهن إلى ذويهن خلف الحدود في العراق.

    كان على خضر تأمين مبلغ ستة آلاف دولار من أجل تهريب كل طفل من أطفاله الثلاثة.

    واستطاع الأب أخيراً لم شمل أبنائه هيثم وحواء وآزاد، لكن جوان بقيت عامين آخرين في الرقة، لأنها لم تكن متأكدة من تقبل خضر لطفلها آدم.

    كان خضر مهموماً لشهور حول ما يجب القيام به في مجتمع إيزدي يعيش قواعد صارمة، ويحرم الزواج من أبناء الديانات الأخرى. (الديانة الإيزدية، هي واحدة من أقدم الديانات التوحيدية التي يبلغ عدد أتباعها ما يقرب مليون شخص في جميع أنحاء العالم).

    لا يجوز في الديانة الإيزدية ترك الدين، وكل من يتخلى عنها لا يُسمح له بالعودة إليها مدى الحياة.

    لكن المجلس الديني الإيزدي خفف من هذه القاعدة وقبل بعودة النساء المختطفات اللواتي أجبرن على اعتناق الإسلام من قبل "تنظيم الدولة"، أما بالنسبة للأطفال المولودين من عناصر التنظيم، فالأمر مختلف تماماً.

    تقول النصوص الإيزدية، أنه لا يمكن للشخص أن يعتنق الديانة الإيزدية، بل يجب أن يولد بها، لذلك لا يُقبل الأطفال الذين ولدوا من أمهات إيزديات وآباء مسلمين في المجتمع الإيزدي لأن أحد الوالدين ليس إيزدياً.

    كانت جوان تعيش مع الكثير من النساء الإيزديات المختطفات اللواتي كن يخشين العودة إلى ديارهن بسبب هذه المحرمات في ديانتهن.

    بعد أن أدرك خضر أن أطفاله يحتاجون والدتهم، أخبر جوان أن باستطاعتها اصطحاب طفلها آدم معها، فعادت جوان إلى سنجار بصحبة الطفل.

    ولكن بعد بضعة أيام، تغير الوضع، وحاول خضر إقناع زوجته بالتخلي عن آدم.

    تقول جوان: "بدأ الجميع يتحدث معي حول قدسية ديننا وعن استحالة قبول مجتمعنا لطفل مولود من أب "داعشي".

    وفي أحد الأيام، اصطحب خضر زوجته للقاء سكينة يونس، وهي مديرة دار الأيتام في الموصل. لإقناع جوان بالتخلي عن طفلها في دار الأيتام.

    وتصف جوان ذلك اليوم قائلةً: "كان خضر محبطاً ويبكي، وكنت أحتضن طفلي بقوة، لم يكن الأمر سهلاً أن أتخلى عن طفلي".

    وتقول سكينة: "لا يوجد أسوأ من أن تحرم أم من طفلها، عندما سلمتني طفلها، كانت تذرف الدموع بغزارة، لكن قوانين المجتمع الإيزدي أكثر أهمية من مشاعر الفرد. اتفقت أنا وزوجها على أخذ الطفل، واضطررنا للكذب عليها كوسيلة وحيدة لإقناعها".

    وأخبرت سكينة جوان أنها يجب أن تترك آدم معها لبضعة أسابيع فقط ، لأنه مريض وبحاجة للعناية، وأنها تتعهد بحل مشكلتها قدر المستطاع.

    وهكذا سلّمت جوان طفلها إلى دار الأيتام دون أن تعرف ما الذي ينتظرها وودعته بدموعها.

    وجوان ليست الأم الوحيدة التي تواجه مثل هذه المعضلة في مجتمعها. فقد تحدثت بي بي سي إلى 20 امرأة إيزدية أخرى لديهن أطفال من عناصر "تنظيم الدولة" ولم يستطعن اصطحاب أطفالهن معهن إلى ديارهن من سوريا إلى العراق.

    كانت ليلى في الـ 16 من عمرها عندما اختطفها عناصر من التنظيم إلى سوريا. كان لديها طفلان من خاطفها، لكن مقاتل كردي أخبرها بأنهما "طفلان من الشيطان".

    وتحلم ليلى بأن تدرس وتتخرج في الجامعة وتحصل على وظيفة لتمويل عملية البحث عن طفليها، وتقول: "لا أريد أي شيء من الحياة إلا أن أرى طفلي مرة أخرى قبل أن أموت".

    وتضيف ليلى: "أحياناً أشعر أن رجال الدين الإيزديين لا قلب لهم، فهم ليسوا نساء أو أمهات ولا يشعرون بما نشعر به نحن الأمهات".

    "إنها غاضبة لدرجة أنها بقيت مسلمة"

    تتلقى جوان الاستشارة والعناية النفسية، إلا أنها ما زالت منكسرة، وتقول: "في بعض الأحيان أعتقد أن حياتنا كانت أفضل في ظل داعش، لقد كنا تحت الحصار، وكانت الحياة صعبة، لكن أطفالي كانوا جميعاً معي".

    وتتابع: "لم أصب بجروح جسدية خلال تلك السنوات الأربع، لكنني شعرت بجروح عندما عدت إلى العراق. أشعر بجرح عميق بسبب ما فعله مجتمعي بي، وبسبب تلك القواعد التي كانت سبباً في حرماني من أطفالي".

    إنها غاضبة جداً من زوجها ومن خيبة أملها بمجتمعها لدرجة أنها قررت أن تبقى مسلمة.

    وخوف جوان الوحيد الآن هو أن ينساها أطفالها الثلاثة إلى الأبد، أو ألا يغفروا لها تركها لهم.

    وتقول سكينة، مديرة دار الأيتام إن جوان يمكنها سحب آدم من العائلة التي تبنته طالما باستطاعتها إثبات ذلك عن طريق إجراء اختبار الحمض النووي.

    وفي الوقت الحالي، تعتقد جوان أن آدم في المكان المناسب له، لكنها تفكر فيه يومياً ولم يتبقَ لها سوى الحلم بلقاء جميع أطفالها قائلةً: "أتمنى يوماً ما، إذا شملني الله برحمته، أن أرى جميع أطفالي مرة أخرى".

    ملاحظة: تم تغيير بعض الأسماء لحماية هويات المساهمين.

    هذا المحتوى من

    إعلان

    إعلان

    إعلان