المفتي يوضح ضابط عقوق الوالدين: كل قول أو فعل يؤذيهما شرعًا من الكبائر
كتب : محمد قادوس
الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية
أوضح الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، ضابط عقوق الوالدين؟ حيث كثيرًا من الناس يُحذِّر الدعاةُ من عقوق الوالدين، غير أنِّي لا أستطيع التمييزَ بين ما يُعدُّ من العقوق وما لا يُعدُّ منه، مؤكدًا أن عقوق الوالدين المحرَّم شرعًا هو كل ما يصدر من الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من قولٍ أو فعلٍ يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهرٌ للوالدين أو أحدهما، وبأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ ذلك أو كَثُر، فيشمل الأذى المادِّيِّ، كترك خدمتهما حيث احتاجا إليها، أو عدم قضاء حوائجهما مع القدرة على ذلك، والأذى المعنوي، كرفع الصوت عليهما، أو التأفف من كلامهما والتضجر منهما، أو نهرهما، أو هجرهما وقطع صلتهما.
وبين مفتي الجمهورية، في فتوى منشورة عبر البوابة الرسمية لدار الإفتاء المصرية، لا يدخل في العقوق ترك طاعتهما إن أمرا بمعصية، أو كان الطلبُ صادرًا عن تعنُّتٍ أو تحكُّمٍ لا مصلحة فيه، ولا قدرة للولد عليه.
بيان وجوب بر الوالدين في الإسلام
وأوضح مفتي الجمهورية، أن الله تعالى أمر ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، والتَّلطُّف في معاملتهما، وقرن عبادته ببرِّهما، وشكرهما بشكره، ونهى عن كل ما يؤذيهما من قولٍ أو فعل، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23- 24].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (10/ 238، ط. دار الكتب المصرية): [أمرَ الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل برَّ الوالدين مقرونًا بذلك، كما قَرَن شكرهما بشكره] اهـ.
عقوق الوالدين من كبائر الذنوب
وأضاف الدكتور محمد نظير عياد، أن عقوقُ الوالدين أو أحدِهما أحد كبائر الذنوب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الكبائر، قال: «الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ، وَقَتلُ النَّفسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
وقد أجمع الفقهاء على وجوب برِّ الوالدين، وعلى أن عقوقهما أو أحدهما حرامٌ شرعًا ومن كبائر الذنوب.
وأشار المفتي، إلي البرُّ الواجب: إحسانُ الولد إلى والديه قولًا وفعلًا، وطاعتُهما في غير معصيةٍ فيما فيه منفعةٌ لهما، بشرطِ ألَّا يترتَّب على ذلك ضررٌ على الولد، فإن وُجدت مشقَّةٌ لا تبلغ الضرر وجبت الطاعة، وإلَّا فلا.
قال الشيخ ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (5/ 381، ط. دار الكتب العلمية): [ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر، فإن شق عليه ولم يضرَّه وجب، وإلَّا فلا] اهـ.
ضابط عقوق الوالدين المُحرَّم شرعًا
وأشار المفتي الي ضابطُ العقوق المحرَّم: فهو كل ما يصدر من الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من قولٍ أو فعلٍ يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهرٌ للوالدين أو أحدهما، وبأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ أو كَثُر -كما عبَّر به الفقهاء-، فيشمل الأذى المادِّيِّ، وهو ما كان واقعًا على أبدانهما أو أموالهما، كضربهما، أو إتلاف مالهما، والأذى المعنوي، وهو ما كان واقعًا على مشاعرهما أو كرامتهما، كرفع الصوت عليهما، أو التأفف من كلامهما والتضجر منهما، أو نهرهما، أو هجرهما وقطع صلتهما.
قال العلامة السنهوري في "الوسيط" (1/ 855، ط. دار إحياء التراث العربي): [قد يكون الضرر مادِّيًّا يصيب المضرور في جسمه أو في ماله، وهو الأكثر الغالب. وقد يكون أدبيًّا يصيب المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو أي معنى آخر من المعاني التي يحرص الناس عليها] اهـ.
ويُستدلُّ على عمومِ العقوق لجميعِ أنواع الأذى -مادِّيًّا كان أو معنويًّا- بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]. فإنَّ النهيَ عن التأفُّف -وهو أدنى مراتب الأذى المعنوي- يدلُّ بطريق الأولى على تحريم ما هو أشدُّ منه من أنواع الأذى.
قال الإمام العُكْبَري في "رسالته في أصول الفقه" (ص: 96، ط. المكتبة المكية): [﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، نبَّهَ بالتأفُّفِ على تحريم الشتم والضرب وسائر أسباب التعنيف؛ لأنَّه إنَّما منع من التأفيف لما فيه من الأذى، وذلك بالضرب أعظم، فوجب أن يكون بالمنع أولى] اهـ.
ولا يدخل في العقوق ترك طاعتهما إن أمرا بمعصية، أو كان الطلبُ صادرًا عن تعنُّتٍ أو تحكُّمٍ لا مصلحة فيه، ولا قدرة للولد عليه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 406، ط. دار المعرفة): [والعُقُوق -بضم العين المهملة- مشتَقٌّ من العَقِّ وهو القطع، والمراد به: صدورُ ما يتأذَّى به الوالد من ولده، من قولٍ أو فعلٍ، إلَّا في شركٍ أو معصيةٍ، ما لم يتعنَّت الوالد] اهـ.
اقرأ ايضًا:
هل يجوز العفو عمن آذى ابني المتوفى وأهدي ثواب العفو له؟.. أمين الفتوى يجيب
ما حكم جمع صلاة العصر قبل وقتها في الحضر بسبب الحاجة؟.. الإفتاء تجيب
هل يمنع الشرع تغسيل وتكفين ودفن من اشتهرت بعمل السحر؟.. المفتي يجيب