الوظيفة الحكومية أم العمل الحر.. ماذا يفضل الشباب في مصر؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
الوظيفة الحكومية أم العمل الحر - أرشيفية
يجمع خبراء اقتصاديون تحدث إليهم "مصراوي" على أن الحكومة لا تستوعب الباحثين عن فرص العمل، بينما يشيرون إلى تنامي دور القطاع الخاص والعمل الحر وريادة الأعمال.
بينما، حسب الخبراء، لا تزال الوظيفة الحكومية تحتفظ بمكانتها كالحلم الأول لدى كثير من الشباب، بفضل ما توفره من استقرار وظيفي وتأمينات اجتماعية وضمانات قانونية، في حين يصطدم الراغبون في العمل الحر بعقبات التمويل وارتفاع تكاليف التشغيل وتعقيدات الإجراءات وضعف الحماية الاجتماعية ونقص الخبرات اللازمة لإدارة المشروعات.
وفي مقالته المنشورة على منتدى البحوث الاقتصادية، يقول ستيفان جيمبرت، المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي بالبنك الدولي، إن تحويل الكتل الشبابية في مصر إلى قوة اقتصادية لا يزال تحديًا أمام سوق العمل، في ظل الفجوة بين أعداد الداخلين إلى السوق والوظائف التي ينجح الاقتصاد في توفيرها.
ويوضح جيمبرت أن مصر تحتاج خلق نحو 1.5 مليون فرصة عمل سنويًا لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، بينما لم يتجاوز متوسط الوظائف التي وفرها الاقتصاد خلال العقدين الماضيين نحو 600 ألف وظيفة سنويًا، في فجوة بين العرض والطلب على فرص العمل.
ويرى أن معالجة أزمة الفجوة بين القوى العاملة تبدأ بإطلاق قدرات القطاع الخاص ليصبح المحرك الرئيس لخلق الوظائف، شريطة توفير بيئة أعمال مستقرة وتعزيز المنافسة ووضوح السياسات الاقتصادية.
حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد خريجي التعليم العالي 743.1 ألف خريج خلال عام 2024، بينما ارتفع عدد الجامعات إلى 135 جامعة، الأمر الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على سوق العمل ويؤكد أهمية تعزيز قدرة القطاع الخاص وريادة الأعمال على استيعاب هذه الأعداد.
ويذكر المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي بالبنك الدولي أن مجال ريادة الأعمال والشركات الناشئة تبقى ضمن أهم المسارات القادرة على استيعاب الشباب.
ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض عدد العاملين بالجهاز الإداري للدولة إلى نحو 3.9 مليون موظف، مقارنة بنحو 4.6 مليون قبل سنوات، كما تراجع عدد العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام إلى 586 ألف عامل بنهاية عام 2025، بالتزامن مع استمرار القيود المفروضة على التعيينات الجديدة.
وطرح "مصراوي" تساؤلًا: هل أخذت الوظيفة الخاصة دور الوظيفة الحكومية؟ وهل لا يزال الشباب يحلمون بالوظيفة الحكومية؟
الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية المصرية للدراسات الاقتصادية، يقول إن الواقع يشهد اتجاه الشباب إلى العمل الحر كأحد أهم البدائل القادرة على توفير مصدر دخل وتحقيق الاستقلال المهني، إلا أن هذا المسار لا يخلو من تحديات اقتصادية وإدارية تعوق انطلاق المشروعات واستمرارها.
ويضيف أن العقبات التمويلية هي التحدي الأكبر الذي يواجه الشباب الراغب في تأسيس المشاريع، إذ يصطدم كثير منهم بصعوبة توفير رأس المال ومحدودية مصادر التمويل، فضلًا عن التردد في منح القروض للمشروعات الناشئة، كما تواجه هذه المشروعات نقصًا في السيولة اللازمة لتغطية النفقات التشغيلية، في وقت يتسم فيه الدخل بعدم الاستقرار، خاصة خلال السنوات الأولى من النشاط.
وتزيد الأوضاع الاقتصادية العامة من صعوبة المشهد، وفق حسانين، مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات وتقلبات أسعار الصرف، وهي عوامل تضغط على هوامش الربحية وتهدد استدامة المشروعات الصغيرة.
ووفق بيانات رسمية عن جهاز تنمية المشروعات، تبرز المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الرئيس للتوظيف، إذ تسهم بنحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر ما يقرب من ثلاثة أرباع فرص العمل في السوق المصرية، بينما يضم القطاع غير الرسمي نحو مليوني منشأة، في وقت أظهر تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال 2025 تراجع مشاركة المصريين في تأسيس وإدارة المشروعات الجديدة إلى 8.6%، مع تراجع ترتيب مصر عالميًا في مؤشر ريادة الأعمال.
ترى الدكتورة غادة برسوم أستاذة السياسة العامة والإدارة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة في دراستها "تطلعات الشباب المصريين للعمل وتفضيلهم المستمر للوظائف الحكومية"، أن الوظيفة الحكومية لا تزال تحتفظ بمكانتها كخيار أول لدى شريحة واسعة من الشباب المصري لاعتبارات تتجاوز مستوى الأجر إلى البحث عن الاستقرار الوظيفي والضمانات الاجتماعية، رغم اتساع نطاق العمل غير الرسمي داخل القطاع الخاص.
وتذكر الأستاذة بالجامعة الأمريكية أن التأمين الاجتماعي والصحي يأتي في مقدمة الأسباب التي تدفع الشباب لتفضيل العمل الحكومي، وتضيف أن الضمانات القانونية التي توفرها الوظيفة الحكومية تمنح بيئة عمل أكثر استقرارًا من حيث ساعات العمل وعبء المهام، خاصة للنساء، بجانب علاقات عمل أكثر توازنًا، تقل فيها الفوارق السلطوية بين الموظف وصاحب العمل مقارنة بالسائد في كثير من منشئات القطاع الخاص.
وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل البطالة 6% خلال الربع الأول من 2026، فيما سجل معدل بطالة الشباب (15-29 عامًا) نحو 13.2% خلال 2025، وانخفض إلى 16.8% بين الشباب من حملة المؤهلات المتوسطة والجامعية، بينما ارتفع حجم قوة العمل إلى 34.2 مليون فرد، مع دخول نحو 583 ألف شخص إلى سوق العمل خلال الربع الأول من 2026 وحده.
كما تمثل العقود القانونية، وفق "برسوم" أحد أبرز عوامل الجذب، إذ توفر الوظائف الحكومية عقودًا رسمية تضمن الحقوق الوظيفية للعاملين، بينما تشير "رسوم" إلى مفارقة لافتة، تتمثل في استعداد عدد كبير من الشباب، خاصة الحاصلين على مؤهلات متوسطة أو أقل، لقبول أجور أقل في الوظائف الحكومية مقارنة بما يطلبونه للعمل في القطاع الخاص، مقابل الحصول على مزايا الاستقرار الوظيفي والتأمينات والحقوق التي توفرها الوظيفة الحكومية.
وحسب وزارة التخطيط، يعمل نحو 66.5% من المشتغلين داخل المنشئات بالقطاع الخاص مقابل 29% فقط بالقطاع الحكومي، فيما يشكل العاملون لحسابهم الخاص نحو 5.9 مليون مشتغل، بما يعادل 18.1% من إجمالي المشتغلين، بينما تشير البيانات إلى أن 37.7% فقط من العاملين مشتركون في التأمينات الاجتماعية، و36.3% فقط يعملون بعقود قانونية، في وقت تمثل فيه العمالة غير الرسمية نحو ثلثي قوة العمل.
كيف تغيرت خريطة العمل أمام الشباب؟
أما الدكتور خالد الشافعي رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، يقول إن الثقافة المجتمعية لا تزال تعتبر الوظيفة الحكومية الخيار الأكثر أمانًا في نظر قطاع واسع من الشباب والأسر، بينما ينظر البعض إلى المشروعات الصغيرة والعمل الحر باعتبارهما خيارات أقل استقرارًا.
ويرى الشافعي أن ضعف الاهتمام بريادة الأعمال داخل المؤسسات التعليمية إنما يسهم في محدودية ثقافة المبادرة والابتكار بين الخريجين، إضافة إلى مواجهة أصحاب المشروعات إجراءات بيروقراطية معقدة، سواء في استخراج التراخيص أو الحصول على التمويل، بجانب تحديات المنظومة الضريبية وصعوبة دمج المشروعات في الاقتصاد الرسمي فضلاً عن غياب إطار مؤسسي موحد يمثل العاملين في هذا القطاع.
الخبير الاقتصادي يشير إلى نقص خبرة نسبة كبيرة من الشباب في دراسة السوق أو إدارة المشروعات أو التسويق وجذب العملاء، إضافة إلى صعوبة تنظيم الوقت وتحمل جميع المسئوليات بمفردهم، فضلًا عن غياب التأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية.
في دراسة بعنوان "مستقبل أفضل: إمكانات الشركات الصغيرة والمتوسطة في توليد فرص عمل للشباب في مصر" الصادرة عن الإسكوا، تشير المؤشرات إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تستوعب نحو 89% من الشباب العاملين في القطاع الخاص، كما توظف نحو 77% من إجمالي العاملين بالقطاع الخاص، بينما تعمل نحو 33% من النساء العاملات داخل هذا النوع من الشركات، وهي نسبة تفوق مثيلتها في الشركات الكبرى التي تستوعب نحو 29% فقط من العاملات.
وتقود الشركات الصغيرة والمتوسطة، حسب الدراسة، نمو التوظيف في عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاعات الفنادق والمطاعم وتجارة الجملة والتجزئة والنقل والتشييد، كما تبرز الشركات العاملة في الأنشطة التصديرية، ولا سيما النقل، كنموذج أكثر قدرة على توفير فرص عمل مرتفعة الجودة، بينما لا تزال الشركات الصغيرة والمتوسطة تواجه المنافسة مع القطاع غير الرسمي.
على جهة أخرى، ضخ جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تمويلات بلغت 79.6 مليار جنيه منذ تأسيسه، استفاد منها أكثر من 4 ملايين مشروع، وأسهمت في توفير نحو 6.8 مليون فرصة عمل، في حين بلغت أرصدة تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر على مستوى السوق نحو 97.4 مليار جنيه بنهاية فبراير 2026.
قاطرة التوظيف في الاقتصاد المصري
بينما يقول الدكتور أحمد خطاب الباحث الاقتصادي، إن نجاح العمل الحر أحد الأدوات المهمة لدعم النمو وزيادة الإنتاج، عبر خلق فرص عمل جديدة والمساهمة في الحد من البطالة، كما يمنح العمل الحر الشباب فرصة لتحقيق دخول أعلى دون سقف محدد ويشجع على تأسيس مشروعات قادرة على توليد قيمة مضافة وخلق وظائف جديدة.
ويذكر أن توسع ثقافة العمل الحر لا يقتصر على توفير فرص عمل جديدة، بل يسهم في بناء جيل أكثر قدرة على المبادرة والابتكار وتحويل الشباب من باحثين عن الوظائف إلى صناع للفرص.
ويشير إلى أن نجاح العمل الحر مرهون بتوفير بيئة داعمة لريادة الأعمال، تشمل تسهيل إجراءات تأسيس المشروعات وتوسيع فرص التمويل وتعزيز الحماية الاجتماعية للعاملين وربط التعليم باحتياجات السوق.
وعلى المستوى الدولي، تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أكثر من 90% من إجمالي الشركات حول العالم، وتوفر نحو 70% من فرص العمل، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن تحقيق التشغيل الكامل للشباب في مصر يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 36%، وهو ما يعكس الأهمية الاقتصادية لتوسيع فرص تشغيل الشباب وتحسين جودة الوظائف، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وحسب الدراسة المعنونة بـ"الجيل المستبعد: التحديات المتزايدة لإدماج الشباب المصري في سوق العمل" يقول راجي أسعد الأستاذ بجامعة مينيسوتا ومنتدى البحوث الاقتصادية، إن سوق العمل المصرية خلال العقود الماضية شهدت تحولًا، إذ كانت الدولة ملتزمة بتعيين الحاصلين على المؤهلات المتوسطة والعليا في الجهاز الحكومي، ضمن سياسة وفرّت قدرًا كبيرًا من الاستقرار الوظيفي والحراك الاجتماعي، بينما تراجع هذا النهج منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتقلص عقب تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي 1991.
ويضيف أسعد أن تراجع التوظيف الحكومي أدى إلى فقدان القطاع العام لدوره التاريخي كأحد أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ كانت فرص الالتحاق بالوظائف الحكومية أقل تأثرًا بالخلفية الاجتماعية أو التعليمية للأسرة بما أتاح لأبناء الطبقات الأقل حظًا فرصًا متقاربة مع غيرهم، غير أن هذا الدور تراجع بوضوح مع انخفاض التعيينات، حيث هبطت احتمالات حصول الشباب من الأسر الأقل تعليمًا على وظائف حكومية بصورة ملحوظة مقارنة بالأجيال السابقة.
أسعد يشير كذلك إلى أن القطاع الخاص لم ينجح في منح عقود عمل وتأمينات اجتماعية للموظفين بل اتجهت سوق العمل إلى التوسع في الوظائف غير الرسمية التي استوعبت جانبًا كبيرًا من العاملين رغم ما تفتقر إليه من حماية قانونية واستقرار وظيفي، إلا أن القطاع الحكومي ما زال الوجهة المفضلة للشباب المصري، بينما يبقى العمل غير الرسمي الخيار الأقل جاذبية.