• بالصور| في ذكرى وفاة حجة الإسلام.. أبي حامد الغزالي

    01:02 م الأربعاء 19 ديسمبر 2018

    كتب - سارة عبدالخالق:

    يوافق اليوم، 19 من ديسمبر، ذكرى وفاة أحد أشهر علماء المسلمين وأحد أعلام عصره، الملقب بـ"حجة الإسلام" و"إمام أئمة الدين" و"شرف الأئمة" وغيرها من الألقاب، فقد أثرى الحياة العلمية والدينية فكرًا وإسهاما باقيا حتى يومنا هذا.

    "القلوب كالأواني؛ ما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله".

    هكذا قال الفقيه الفيلسوف "أبوحامد الغزالي" في كتابه الشهير (إحياء علوم الدين).

    ميلاده ونشأته

    هو أبوحامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري، ويكنى بأبي حامد نسبة لولد له مات صغيرا، ونسبه إلى بلدة "غزالة" من قرى طوس، وهو الذي قال عن نفسه: "النّاس يقولون لي الغزّالي، ولستُ الغزّالي، وإنّما أنا الغَزَالي منسوبٌ إلى قرية يُقال لها غزالة"، ويعرف بالطوسي نسبة إلى بلدة طوس الموجودة في خراسان (حاليا مدينة مشهد بإيران) وفقا لما جاء في (الفيلسوف الغزالي) لعبد الأمير الأعسم و(سير أعلام النبلاء) للذهبي و(معجم البلدان) لياقوت الحموي.

    وقد اختلف الباحثون حول أصل "الغزالي"، فالبعض يرجع نسبه إلى سلاسة العرب الذين دخلوا بلاد فارس منذ بداية الفتح الإسلامي، والبعض الآخر يرى أنه فارسي الأصل، وفقا لما جاء في (كتاب الوجيز في الفقه، الإمام الغزالي) لعلي معوض وعادل عبد الموجود.

    ولد أبوحامد الغزالي عام 1058 م وقيل في 1059 م، في طوس، نشأ في أسرة فقيرة، حيث كان يعمل أبوه في غزل وبيع الصوف، وكان أبوه يميل إلى التصوف ولا يأكل إلا من عمل يده، وكان يحضر مجالس الفقهاء، وكان كثيراً يدعو الله أن يرزقه ابنا ويجعله فقيهاً، فكان ابنه أبوحامد، وكان ابنه أحمد واعظاً مؤثراً في الناس، وفقا لما جاء في (طبقات الشافعية الكبرى) لتاج الدين السبكي، وعندما قربت وفاة والده أوصى به وأخيه إلى صديق له متصوف.

    قال محمد آيت في كتابه (السلطة السياسية.. عند أبي حامد الغزالي) متحدثا عن نشأة الغزالي وأخيه في منطقة" طوس": "نستنتج أن الغزالي لم يكن له أقرباء في المنطقة، خاصة أن الشيخ المتصوف قد ذهب يبحث لهما عن مورد لضمان لقمة العيش بعد أن نفد المال، فدفع بهما إلى طلب العلم، فكان اتجاه الغزالي وأخيه إلى التعليم إنما لتأمين مصدر القوت"، مضيفا أن "حياة الفقر واليتم كانت محفزا له لسلك طريق العلم لضمان القوت وللهروب من الفقر، لذلك جد، واجتهد حتى تخرج في مدة قريبة، وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه وأوحد أقرانه في أيام إمام الحرمين".

    ثناء شيخه إمام الشافعية عليه

    وانتقل الغزالي بين عدة مناطق طلبا للعلم على يد كبار المشايخ، فانتقل بين طوس وجرجان، ثم رحل إلى نيسابور والتي لازم فيها إمام الشافعية في وقته ورئيس المدرسة النظامية "إِمام الحرمين أبوالمعالي الجويني"، فدرس الفقه الشافعي وفقه الخلاف وأصول الفقه، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، حتى إن شيخه وصفه بأنه: "بحر مغدق"، وفقا لما جاء في طبقات الشافعية الكبرى- المصدر السابق ذكره.

    وأحب الشيخ الجويني الإمام الغزالي حبًا جمًا، وأظهر اعتزازه له، حيث جعله مساعده في التدريس، وفقا لما جاء في (رجال الفقه والدعوة في الإسلام) لأبي الحسن الندوي.

    وقد أثنى على الغزالي ثناءً عظيما، وقال له: "دفنتني وأنا حيّ، هلّا صبرتَ حتى أموت؟"، وذلك عندما ألف الغزالي كتابه (المنخول في علم الأصول)، وفقا لما جاء في (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) لابن الجوزي.

    بعد وفاة شيخه، ذاعت شهرة الغزالي بعد أن ناظر كبار العلماء، وأصبح له مكانة عظيمة فيما بينهم، ثم تأسست المدرسة النظامية المشهورة في بغداد، وقبل الغزالي التدريس فيها وهو لم يتجاوز الـ 34 من عمره، وفقا لما جاء في (الإمام أبوحامد الغزالي) لمصطفى جواد.

    ولفصاحة لسانه وكمال أخلاقه وحسن كلامه وعلمه الوفير، اتسعت شهرته وأصبح من العلماء الذين يشد إليهم الرحال ولقب وقتها: "الإمام" لمكانته العالية أثناء التدريس بالمدرسة النظامية في بغداد، ولقب أيضا بـ "زين الدين" و"شرف الأئمة" وفقا لما جاء في (التعليم في المدرسة النظامية، مجلة المعلم الجديد العراقية) لحسين أمين و(البداية والنهاية) لابن كثير.

    قال عنه أبو بكر بن العربي: "رأيت الغزالي ببغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم"، وفقا لما جاء في (شذرات الذهب) لابن العماد الحنبلي.

    محطات في مسيرة الغزالي

    (كتاب تهافت الفلاسفة)

    اهتم الغزالي أثناء تدريسه في المدرسة النظامية في بغداد بالبحث والرد على الفرق المخالفة، وألف حينها كتابه "مقاصد الفلاسفة" ثم نقده بكتاب آخر سماه "تهافت الفلاسفة" والتي هاجم فيه الفلاسفة بشكل عام والفلاسفة المسلمين بشكل خاص، وقام بالرد عليهم فيه على حوالي 20 مسألة، وفقا لنا ذكر في كتابه (المنقذ من الضلال)، و (التصوف بين الغزالي وابن تيمية) لعبدالفتاح محمد سيد أحمد.

    وكان عباس محمود العقاد يرى أن "الغزالي يُعدّ في كثير من نظرياته النفسيّة والتربوية والاجتماعية صاحب فلسفة متميّزة، وأنه فيلسوف بالرغم من عدم كونه يريد ذلك".

    كما حارب الفكر الباطني وألف عدة كتب في الرد عليهم منها: "فضائح الباطنية" و"حجّة الحق" و"قواصم الباطنية"، وفقا لما ذكره عبد الأمير الأعسم في كتابه (الفيلسوف الغزالي).

    مرحلة الشك

    هذه المرحلة التي وصفها في كتابه (المنقذ من الضلال) قائلا: "ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده، أحضرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر. والباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم. والفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان. والصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة" مضيفا:

    "فابتدرت لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق مبتدئاً بعلم الكلام، ومثنياً بطريق الفلسفة، ومثلثاً بتعلّم الباطنية، ومربعاً بطريق الصوفية".

    وقال في كتابه هذا أيضا: "الشك أول مراتب اليقين".

    (كتاب إحياء علوم الدين)

    وعندما شعر الغزالي أن تدريسه بالمدرسة النظامية بدأ يشوبه حب الشهرة والمفاسد، خرج من بغداد تاركا كل هذا الصيت والشهرة، وسافر إلى دمشق وظل فيها قرابة العامين في عزلة وخلوة ومجاهدة باحثا عن تزكية نفسه وتهذيب أخلاقه.

    وظل في رحلة طويلة امتدت إلى 11 عاما استقر بعدها على التصوف، انتقل فيها من دمشق إلى القدس واعتكف في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ثم زار مدينة الخليل ثم ذهب لأداء فريضة الحج، ثم عاد مرة أخرى إلى بغداد، وفقا لما جاء في (المنقذ من الضلال) لأبي حامد الغزالي.

    ألف خلال هذه المدة الطويلة كتابه الشهير "إحياء علوم الدين" الذي يعد من أعظم كتبه التي أثرت المكتبة الإسلامية، والذي بات من أشهر المؤلفات، وأصبح من ضمن قوائم الكتب الموجودة في مكتبات العالم.

    ومن أقواله الشهيرة: "أبوحامد الغزالي.. وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمتُ يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق".

    ولم تكن فقط هذه الإسهامات هي فقط التي قدمها الغزالي بل تعتبر جزءا ضئيلا من إنتاجه وإسهاماته في مختلف العلوم، والمستشرقون بدأوا في منتصف القرن الـ19 في البحث في مؤلفاته.

    فقد قدم الغزالي إنتاجًا غزيرًا في عدة مجالات مختلفة منها على سبيل المثال وليس الحصر: في مجال العقيدة وعلم الكلام والفلسفة والمنطق، منها "المعارف العقلية ولباب الحكمة الإلهية" و"الاقتصاد في الاعتقاد"، وفي مجال علم الفقه وأصوله وعلم الجدل، و"تهذيب الأصول" و"الوسيط، في فقه الإمام الشافعي"، وفي مجال علم التصوف: "الإملاء على مشكل الإحياء" و"بداية الهداية"، وغيرها مثل: "جواهر القرآن ودرره" و"حقيقة القرآن".

    وفاته

    توفي في عام 1111 م، وروي في وفاته عن أخيه أحمد الغزالي: "لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبوحامد، وصلّى، وقال: عليّ بالكفن، فأخذه وقبّله، ووضعه على عينيه وقال: سمعاً وطاعة للدخول على الملك، ثم مدّ رجليه، واستقبل القبلة، ومات قبل الإسفار"، وقد سأله قبيل الموت بعض أصحابه: فقالوا له: أوصِ. فقال: "عليك بالإخلاص" فلم يزل يكررها حتى مات، وفقا لما جاء في كتاب (الثبات عند الممات) و (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) لابن الجوزي.

    إعلان

    إعلان

    إعلان