s

''عين'' نجيب محفوظ تروي لـ''مصراوي'' ذكريات الأديب

05:50 م السبت 30 أغسطس 2014

كتب: يسرا سلامة وأماني بهجت:

في رحلة الأديب، لم تمكنه حالته الصحية المتأخرة في أواخر العمر من النظر الجيد، لم يستطع السمع بالأذن اليمنى، لتظل اليسرى فقط تعمل بوجود سماعة، لكن ذهن الأديب ظل يعمل حتى بلغ التسعين من عمره، ليظل صديقه ''نعيم صبري'' أحد أعين الأديب، يختص بقراءة الأدب والروايات، ليتحدث ''عين الأديب'' عن حكاياته مع ''محفوظ'' في ذكرى وفاته.

بدأ التعارف بين الأديب و''نعيم'' في بداية الثمانينات، وصلت إلى اتفاق بين ''محفوظ'' و''صبري'' على الرواية التي سيقرأها عليه في فترة عمره الأخيرة، تتم بين ترشيحات الكتب المتواجدة، يذكر ''نعيم'' أن استماعه للقراءة يتم في جلساته مع الأصدقاء، والمقسمة في عدد من الفنادق بين أيام الأسبوع، تبدأ الجلسة بذهاب أحد الأصدقاء لاصطحابه من منزله في السادسة مساءً، ومنه إلى الجهة مكان اللقاء، لتبدأ جلسات القراءة من ساعة أو يزيد ''كنا بنقسم نفسنا عليه''.

يجلس الأديب متكئًا ومنصتًا لكلمات القراءة، ورغم ضعف السمع كان يفضل القراءة السريعة، احتساء فنجان من القهوة، وإشعال سيجارة أو اثنتين، بحسب نصائح الطبيب بعدم الزيادة، ينصت كثيرًا، كما كان يداوم على القراءة وقت قوة بصره، يذكر منها ترشيحه ''لا أحد ينام في الإسكندرية'' للروائي إبراهيم عبد المجيد، ليبدي ''محفوظ'' إعجابه بها.

كان ''محفوظ'' يتلهف لسماع الروايات وجديد الإصدارات، حتى بعد أن تبدأ الجلسة يتساءل في شوق ''هنبدأ القراءة امتى؟''، عدد من الكتب والروايات قرأها ''نعيم'' مثل كتاب ''نهاية التاريخ'' لـ''فرانسيس فوكوياما''، ورواية ''صخب البحيرة'' لـ''محمد البساطي''، بجانب ما كان يكتبه ''نعيم'' شخصيَا من روايات ''محفوظ'' كان دائم التشجيع له على سرعة القراءة ''كان دايما يقول: هنقرأ امتى مسودة رواياتك''، ومن قراءة ''نجيب'' لمسودات ''نعيم'' أوصاه بتعديل جزء في روايته ''شبرا''، ليستجيب ''نعيم'' للأمر قبل النشر.

كتب ''محفوظ'' الثلاثية في عمل متكامل يجمع بين الثلاث روايات، ليرفضها الناشر ''عبد الحميد جودة السحار''، بسبب كبر حجمها، بعد أن كتبها كاملة على ورق ''فلوسكاب''، ليمله بعض اليأس منها، ويتركها لمدة عام، ليأخذها الكاتب ''يوسف السباعي'' ويقرر نشرها على ثلاثة أجزاء.

''إحنا كنا عيونه'' يقول الصديق، مشيرا إلى أن الجلسات كانت تتنوع ما بين الأدب والحديث عن الشأن العام ومعرفة الأخبار، مهمومًا بالبلد ومشكلات المصريين، لم يكن يملؤه التفاؤل تجاه الوضع السياسي آنذاك وقت حكم ''مبارك'' بحسب ''نعيم''، كان يشعر أن هناك ظروف صعبة تمر على مصر، لكنه كان لا يوجه أي نقد حاد لأي شخصية سياسية أو غيرها، لتستمر الجلسات، يواظب عليها الأصدقاء الأساسيين مثل الأبنودي والقعيد وسلماوي وزكي سالم، كما يحضر المحبين يوم الجمعة، لا يزاحمها أحد.

ولأن ''محفوظ'' كان يحلم بأن يتوج أديبًا، تشبع بالجو الشعبي، نشأ في الحارة وكانت القهوة له بمثابة الشمل المجتمعي لأطياف المصريين، مثل آلاف من أبناء الطبقة المتوسطة التي لا تستطيع الانضمام الى نادي، ظل ''محفوظ'' صديقًا حميميًا لأصدقائه، يداوم السؤال عنهم، انتقل من قهوة إلى أخرى مثل ''ريش'' و''الفيشاوي'' وغيرها.

استمد من واقعه بداية تفاصيل رواياته لينسجها في خياله، ليثمر خلاصة أعماله ''هو أنا أعرف إيه عن الريف عشان أكتب عنه؟ أنا أعرف الحارة.'' من كلمات ''نجيب'' التي لطالما علقت بذهن ''نعيم''. حياة يملؤها النظام، دؤوبًا على الكتابة، في موعد مقدس، يتخلف عن حياته الاجتماعية، يترك مهمة الضيوف لزوجته وبنتيه، رغم حياتهم المحافظة، ورغم أن كل جلساته خارج منزله ''كان عايش لأصحابه'' يذكر ''نعيم'' إن من أوجه محافظته أن الأصدقاء علموا بالصدفة أنه تزوج، في سن الأثنين والأربعين.

ومن أحد طرائف ''نجيب'' يذكر ''نعيم'' أنه بعد عملية لتوسيع الشريان الأورطي في لندن، فقد شهيته ولم يستردها إلا عندما جاء له أحد الأصدقاء بساندويتش طعمية من لندن.

توقف الاستاذ عن الكتابة من بعد ثورة 1952 لما افتقده من وضوح الرؤية، كما حدث لـ''نعيم'' عقب ثورة يناير، شعر بأنه قد نضب وقد لا يعود للكتابة أبداً، لكنه اتجه بعدها للكتابة إلى السيناريو، بعد نصيحة من صديقه ''صلاح أبو سيف، ليكتب أفلاماً تتربع على رأس قائمة أفضل 100 عمل قُدِموا للسينما المصرية، منهم ''ريا وسكينة'' و''الناصر صلاح الدين'' وشارك في فيلم ''الأرض'' وغيرها، ليقرر أن يبتعد عن السينما قائلًا على لسانه ''سأتركها وأنا غير أسف''؛ لما شعر من عدم راحة داخل الوسط السينمائي، والرضوخ لمطالب الأبطال على حساب كُتاب السيناريو، ليشعر بحرية أكبر داخل عالم الأدب والرواية، ويوضح ''نعيم'' أن ''السينما بالنسبة له هواية واسترزاق''، فهو لم يتكسب من الروايات إلا بعد الثمانينات، وخاصة فوزه بنوبل.

يتحدث ''محفوظ'' عن نفسه قائلا ''كان لازم أكون منظم وإلا مش هنتج'' شديد التنظيم، ليقسم وقت الكتابة، ووقت للقراءة، وقت للأصدقاء، حتى في أواخر أيامه، كان يكرر على نفسه ''أحلام فترة النقاهة''، لكي يمليها للحاج ''صبري''، ليرى ''نعيم'' مرة ''حسين حمودة'' يكتب أحد الأحلام لمرض ''صبري''، يسرد الجملة وراء الجملة، بعد أن يظل طوال اليوم يرتبها في ذهنه.

أثناء إقامته بالعناية المركزة ثلاثة أشهر، بدأ يتعلم الكتابة من جديد كطفل لم يُمسك قلماً من قبل، يتحدى نفسه في كل مرة ألا يحيد عن السطر، حتى وصل للكتابة كما أراد، جمّع كل مجلدات محاولاته المتكررة للكتابة على مدار ثلاثة أشهر.

لم تلوح لـ''نجيب'' في أواخر عمره أي ذكريات للندم، عقلانية وحكمة كانت تسيطر عليه كما يذكر الصديق، كان يحن إلى بعض الروايات من أعماله مثل ''الحرافيش'' و''الثلاثية'' و''ليالي ألف ليلة وليلة''، حتى توفى عن عمر يناهز 94 سنة، تاركًا ذكرى طيبة في نفوس الرفقاء، وروايات تثري الأدب وتخلد فترات مرت على تاريخ الأمة المصرية، ورفاق شاركوه لحظاته في الِإبداع حتى أخر نفس.

 

بالصور: بعد 20 سنة.. مصراوي على أرض المعركة التي خلفتها ''طعنة'' محفوظ

أرض المعركة

رسول العناية الإلهية لـ''محفوظ''.. جراحة على شرف ''مطواة''

رسول العناية الإلهية

يد محفوظ.. صديقته التي تعلمت الكتابة في الثمانين

يد محفوظ

''عبد المجيد''.. درويش ''محفوظ'' في دنيا الله

محفوظ في دنيا الله

مصراوي يرصد حكاية 4 أشخاص لازموا نجيب محفوظ ''ساعته الأولى''

حكاية 4 أشخاص لازموا نجيب محفوظ

عم إبراهيم.. الرجل الذي هزم ''نجيب محفوظ'' في ''القافية''

عم إبراهيم

رفاق ''محفوظ'' في العالم الموازي: ''نجيب'' الأول دائما

العالم الموازي

حجي.. الرجل الذي رسم أحلام ''محفوظ'' ولم يراه

حجي

الحاج ''صبري''.. ''أمين سر'' أحلام نجيب محفوظ

 

لمتابعة أهم وأحدث الأخبار اشترك الآن في خدمة مصراوي للرسائل القصيرة.. للاشتراك ...اضغط هنا

إعلان

إعلان

إعلان