الرحلة 607.. الطائرة المنكوبة التي تغير بعدها تاريخ "السلاح المصري"
كتب : مارينا ميلاد
فريق لعبة السلاح وحادث 1958
(14 أغسطس 1958)
من المدرج 23 بمطار شانون بإيرلندا، أقلعت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الهولندية عند الساعة 03:05 بتوقيت غرينتش، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى متنها، 99 راكبًا، بينهم فريق السلاح المصري (المبارزة) للمشاركة في منافسات من شأنها أن تمثل ذروة تاريخهم حتى الآن: بطولة العالم بفيلادلفيا. كانوا يجلسون في مقاعد متجاورة، يتحدثون عن منافساتهم المرتقبة، المتوقع أن يفوزوا بها أو على الأقل يحققوا مركزًا متقدمًا. كانت الأمور عادية، عادية تمامًا. ينعطفون يمينًا مع استمرار الطائرة في الصعود فوق المحيط الأطلسي حتى بلغت ارتفاع 3650 مترًا عند الساعة 03:39 وأرسلت تقريرها الروتيني في هذا الوقت، وكان الأخير.. فجأة، انقطع الاتصال بها واختفت من على الشاشات.
في لحظة، فُقدت هذه الطائرة وكل من عليها، دون أي إشارة أو استغاثة واحدة.
بعد نحو 70 عامًا، في أواخر يوليو الماضي، وقف فريق السلاح المصري الحالي على المنصة في بطولة العالم للكبار بهونج كونج للتتويج بالميدالية البرونزية لسلاح سيف المبارزة بعد فوز مثير على إسرائيل بنتيجة 39-38.. خرج بعدها مسؤولو اتحاد اللعبة ليصفوا الفوز بأنه "أول ميدالية عالمية تحققها مصر على مستوى الفرق منذ 75 عامًا".
75 عامًا ! فلماذا تأخر إنجاز الفرق إلى هذا الحد؟ وما علاقة هذا بما حدث للرحلة 607؟
__________________________
الفريق بين عهدين
(أسبوع قبل الحادث)
في صالة المبارزة بنادي السلاح بالأزبكية، تجمع لاعبو السلاح: أحمد صبري، وحسن رشاد، ومصطفى زيان، وفتحي الأشقر، ومحمد علي رياض، ومحمد عبد المنعم الحسيني، وقائدهم عثمان عبد الحفيظ لاستكمال تدريباتهم المكثفة. وقفوا يستمعون لتعليمات مدربهم المجري، أندريه تيلي، الذي حضر إلى مصر قبل أشهر ليتولى إعدادهم للبطولة المقبلة في الولايات المتحدة.
دخل إلى الصالة، حازم زين العابدين، وهو لاعب شاب في سلاح الشيش، لم يتجاوز عمره الـ15 عامًا، اعتاد أن ينضم إليهم ليتدرب معهم وفي بعض الأحيان، ليراقب أدائهم فقط ليتعلم. كان يرافقه مدربه الإيطالي، ليفيو دي روزا، الذي يقيم في مصر منذ سنوات ودَرب هؤلاء الكبار أيضًا، فألقى عليهم تحيته المألوفة بلكنته العربية الركيكة.
تهامس اللاعبون فيما بينهم بشكوكهم حول احتمالية عدم سفرهم إلى البطولة: "هل ستندلع الحرب ثانية؟"، "معقول، سيضيع كل هذا المجهود؟!". فكانت الأجواء متوترة في مصر التي أصبحت الآن "الجمهورية العربية المتحدة" بعد الوحدة مع سوريا. ومن قبلها، لم تكن الأمور مستقرة تمامًا منذ العدوان الثلاثي قبل عامين، ما جعل الكثير من الرحلات الجوية يتم إلغاؤها وتأجيلها.
"لا تكونوا متشائمين هكذا!"، قال لهم اللاعب أحمد صبري ثم نادى على مصور مجلة الجيل، جمال يوسف، الذي كان موجودًا ليوثق التدريبات الأخيرة للفريق. طلب منه "صبري" أن يلتقط لهم الصور التذكارية، فألحوا جميعًا مثله ومزحوا معه: "أنشرها فقط حال سفرنا وفوزنا بالبطولة". كان علم الجمهورية العربية المتحدة الذي تتوسطه النجمتان يرفرف ورائهم جوار لافتة النادي: "نادي السلاح المصري - تأسس عام 1891".

__________________________
(ما قبل عام 1952)
كانت هذه اللافتة تشير إلى اسم آخر قبل بضع سنوات: "نادي السلاح الملكي"، الذي أسسه أمراء ونبلاء ووجهاء الأجانب كالجنرال ماكسويل ومدرب السلاح العالمي "كونستانتسي" ورجل الأعمال الشهير "شيكوريل" ليكون أول نادٍ للمبارزة في المنطقة العربية، وأحد أهم ثلاثة أندية على مستوى العالم. وفي عام 1928، تشكل داخله ما يعرف بـ"اتحاد للسلاح" ليكون المسؤول الأول عن الأمور التنظيمية للمبارزة في مصر بأنواعها الثلاث: سلاح الشيش (Foil) وسلاح السيف (Sabre) وسلاح سيف المبارزة (épée).
في أنحائه، كانت تعلو دائمًا الصيحات أثناء التدريبات بمزيج من الكلمات العربية والفرنسية، فطالما منحه الملك فاروق كل الاهتمام، ودفع النادي لاختيار مدربين فرنسيين لتدريب اللاعبين المصريين مثل "ديبارون" و"رينو"، وقد حققا معهم أفضل النتائج الممكنة، وثبتت مصر حضورها في النسخ الأولمبية التي بدأتها بهذه اللعبة عام 1912، بفريق مصري قوي: عثمان عبدالحفيظ، محمود يونس، وحسن توفيق. وإلى جانبهم، ظهرت الكثير من أسماء العائلات اليهودية المصرية: شيكوريل، مزراحي، أدا.

وذات يوم، فوجئ الجميع بالنادي بحضور أول سيدة تطلب الانضمام إلى اللعبة. لم يكن هذا أمرًا طبيعيًا أبدًا في الثلاثينات!، لكنها أصرت ووقعت استمارتها باسم "أمينة السعيد".
وبعد قرابة عشرين عامًا من هذا اليوم، حضرت "أمينة"– وقد توقفت عن اللعب حينها وأصبحت صحفية معروفة – مرة أخرى إلى النادي، لكن في يدها ابنها ذي التسع سنوات، الذي سجلت له في سلاح الشيش مثلها: الطفل حازم زين العابدين.
من البداية، تعلم "حازم" السلاح على يد الإيطالي "دي روزا" وأول المدربين المصريين في صفوفهم، عثمان صبري، وهو لاعب مخضرم. ورغم أنه ورث اللعبة من أمه ولم تكن اختياره من الأساس، إلا أنه "أحبها وكان متحمسًا طوال الوقت لحضور تدريباته وشعر فيما بعد باهتمام الناس به حين يقول إنه لاعب سلاح، لعبة النبلاء"، كما يحكي. وكان يتبع وزارة التعليم حينها، حيث كانت تخصص 3 مراكز لتعليم السلاح للصغار والناشئين، أولها بهذا النادي بالأزبكية والثاني بمنطقة عابدين والثالث بالعباسية.

وفي أحد الأيام، وبينما كان "حازم" ذاهبًا إلى نادي السلاح، علم أنه مغلق. لم تكن حالة طارئة أو ظرف مؤقت. فقد ظل على هذا الحال لعامين أو أكثر بعد ثورة 1952 حتى تدخل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لفتحه مرة أخرى. لكن تبدلت قياداته، فترأس نائبه، عبد اللطيف البغدادي، الاتحاد.
وبالتوازي، تشكل فريق جديد أيضًا، الذي حقق إنجازًا تلو الآخر في المنافسات المحلية والدولية، ومنها بطولة العالم العسكرية في الشيش. تلك البطولة التي كان يتابعها الصحفي والناقد الرياضي المعروف، إبراهيم علام أو "جهينة"، كما يشتهر، وقال عنهم بعدها: "هذه الوجوه الجديدة نضجت مبكرًا وتقدمت للميدان الدولي مبكرًا.. كان يفرحنا في الماضي أن يكون مصريا بين الثلاثة الأوائل، فما بالنا ومصر تربع أشبالها على المراكز الأربعة الأولى في السلاح!.. كان انتصارا لا حد له".

والآن، صار هذا الفريق، المصنف الثالث عالميًا، جاهزًا لبطولتهم الهامة المقبلة في فيلادلفيا بالولايات المتحدة. لذا يلتقط المصور ما استطاع من صور لهم لتصاحب أخبارهم بالبطولة.. وفي نهاية تمرينهم، أقبل عليهم حازم زين العابدين، الذي كان يشاهدهم ويستمع إلى الملاحظات، وقد أصبح الآن لاعبًا بالدرجة الثالثة.. صافحهم وودعهم لأنه سيغادر إلى الإسكندرية قبل سفرهم، فقالوا له: "قريبًا، سيأتي دورك في البطولات".
__________________________
إلى البطولة، إلى القدر المحتوم
قبل يومين من السفر، اتصل أحد مسؤولي الاتحاد بأفراد الفريق واحدا تلو الآخر لإخبارهم "بتأجيل الرحلة حتى يوم الأربعاء لتأخر صرف المبلغ الذي يغطي المصاريف، وهو 4 آلاف جنيه". ولأن الإمكانيات محدودة، فلن يسافر سوى اللاعبون ومدربهم المجري ومدير الفريق فقط. بمعنى أنه لا مكان للمدربين الآخرين "عثمان صبري" والإيطالي "دي روزا".
وفي الليلة السابقة للموعد الجديد، أقام نادي السلاح حفلا لهم، ثم غادروا جميعًا إلى دار رئاسة الجمهورية وقيدوا أسماءهم في دفتر الزيارات، وقابلهم عبد اللطيف البغدادي (نائب رئيس الجمهورية، رئيس اتحاد السلاح)، وقال لهم بنبرة واثقة: "متأكد أنكم ستشرفون جمهوريتنا المتحدة وترفعون اسمها عالياً".
عند صباح اليوم التالي، التقى الفريق بنادي الجزيرة، ونزل القائد عثمان عبد الحفيظ إلى حمام السباحة، وتناول اللاعب أحمد صبري الإفطار مع صديقه الملازم "عبد القادر"، الذي لاحظ صمته وسأله في استغراب عنه. فيقول: "لم أره في حياته مرة واحدة صامتاً ساهماً شارداً وحزيناً كهذه المرة".
بعدها، خرجت بهم عربة إحدى شركات الطيران إلى مطار القاهرة. وعلى أبوابه، عانقت والدة "صبري" ابنها، وشيء ما في داخلها يريد أن يمنعه من السفر. كان ذلك معتادًا لهما؛ فهذا الخوف هو ما جعله يترك كلية الطيران ويلتحق بالتجارة. وفي تلك اللحظات الأخيرة، اعتذر حسن توفيق، وهو لاعب قديم وأحد المشرفين على الفريق، عن السفر معهم لتأخر استلام جواز سفره.

ومع قرب بزوغ فجر يوم 14 أغسطس، وصـل أفراد الفريق الثمانية إلى استراحة مطار شانون ليحتسوا القهوة الإيرلندية أو القيام بجولة تسوق لحين هبوط الطائرة القادمة من أمستردام والتي ستواصل رحلتها رقم 607 إلى نيويورك. كانت طائرة من نوع "سوبر كونستليشن" (Super Constellation - Lockheed L-1049H)، وأسمتها شركة الخطوط الجوية الهولندية باسم "هوجو دي غروت"، نسبة إلى الفيلسوف والقانوني الهولندي هوغو غروتيوس (Hugo Grotius).
خلف الزجاج الجالس جواره الفريق، ظهرت الطائرة الضخمة، وبدت حديثة، فقد استخدمتها الشركة لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر فقط، سجلت خلالها 886 ساعة طيران دون مشاكل تذكر.

الآن، تتزود بالوقود وتتجهز لرحلتهم. وقبل مغادرتها أمستردام، خضعت لفحص الصيانة الدوري من الفئة الثانية، وصدر لها تصريح صيانة جديد صالح حتى بلوغ 1046 ساعة طيران.
وفي تمام الساعة 03:05 بتوقيت غرينتش، كان الجميع أخذ مكانه على متنها: طاقمها المكون من ثمانية أفراد و91 راكبًا، ثم انطلقت "هوجو دي غروت". وبعد خمس وثلاثين دقيقة من الإقلاع، أرسلت تقريرها الذي يفيد بأنها على بعد حوالي 100 ميل فوق المحيط الأطلسي، وأن الطقس جيدًا بصورة عامة.

وعندما لم يصل تقريرها الثاني، أُعلن عن "مرحلة من عدم اليقين"، حُثّت خلالها جميع المحطات والطائرات على البحث عن الطائرة والاستماع إليها. لا إشارة ولا استغاثة لنصف ساعة. وعليه، أُعلنت حالة طوارئ.
مرت عشر ساعات دون أي جديد، قبل أن ترصد طائرة تابعة لسلاح الجو البريطاني، كانت تمشط البحر على مقربة من الساحل الأيرلندي، آثارًا للزيت. وعندما هبطت إلى ارتفاع 100 قدم، كانت الرؤية واضحة بالنسبة للطيار ليتأكد أنه حطام يشير إلى أن كارثة وقعت هنا: قوارب نجاة مطاطية منفوخة جزئيًا، بقايا أثاث المقصورة، حقائب يد، جثث، وأمتعة طافية.
وقتها، تأكد لكل المراقبين خبر تحطم هذه الطائرة.
__________________________
الكارثة والأمل في النجاة
(15 أغسطس 1958)
كان حازم زين العابدين يقضي إجازة الصيف بالإسكندرية مع عائلته. وكعادة والدته "أمينة السعيد" في كل صباح، اشترت عدد جريدة الأهرام، لتصرخ فجأة في وجه ابنها بمجرد أن فتحت الصفحة الأولى: "مكتوب إن طائرة زملائك سقطت في المحيط!".

شد "حازم" الجريدة من يدها، و"كان في حالة صدمة"، كما يصف. تجمد مكانه، ولم يصدق أن يكون هذا الخبر حقيقيًا أبدًا.
وعلى الفور، تحرك إلى القاهرة. إلى نادي السلاح بالأزبكية. وفي الطريق نفسه، كانت والدة أحمد صبري التي تلقت الخبر وهي في الإسكندرية مثله. فهي لم تفقد ابنها فقط إنما معه زوج ابنتها "عثمان عبد الحفيظ". كانت شبه غائبه عن الوعي، تتذكر، وهي تبكي، تشاؤمها بانكسار نظارة زوجها التي ظلت على حالها طويلا بعد وفاته وكابوسًا رأته قبل عام لابنها وهو يركب طائرة تقع به في الماء، ثم أخذت تصرخ: "لم لم تستجيبي؟ لم لم أمنع أحمد وعثمان؟".
على باب النادي، جلس الحارس "عم آدم". كان يرتدي جلبابا أسود وعيناه حمروان من الدموع. وفي الداخل، كان الوجوم يخيم على كل الوجوه، ويدور الحديث بين الجميع: "كيف حدث ذلك؟ انفجرت؟"، "يعني. لا أمل؟".

والدة اللاعب أحمد صبري مع رسائله
في هذا الوقت، وصل شقيق محمد عبد المنعم الحسيني (أحد أفراد الفريق) ركضًا إلى بيت العائلة في منطقة العباسية، "ووجد ازدحاما وأعدادا غفيرة تحت البيت، كان الجميع في حالة انهيار، وظل محتفظا بالجورنال، متمنيًا أن يكون هناك خطأ"، كما يحكي نجله، طارق الحسيني.
أمام هذا البيت، وفي نادي السلاح، كان الحديث واحد: "يمكن أن يكون نجا أحد منهم ولم تصل الأخبار بعد!"، تشبثت العائلات وأعضاء النادي بأي بصيص أمل، بأن يحالف الحظ أحدهم، خاصة وأن عثمان عبد الحفيظ، لديه شهادة إنقاذ الغرقى، وورد بها "أنه يجيد أنواعاً كثيرة من السباحة".
في تلك اللحظة، هناك، على بعد 110 أميال شمال غرب الساحل الأيرلندي، حيث تضرب أمواج المحيط بقوة في المنحدرات، هرعت سفن من مختلف الأنواع والدول المجاورة إلى مكان الحادث. وأرسلت السفينة الفرنسية "جول فيرن" رسالة لاسلكية جاء فيها: "لدينا الآن على متن السفينة إحدى عشرة جثة: سبع نساء، ورجلان، وطفلان".
أبحرت السفينة ذات الهيكل الأسود والأحمر ببطء إلى ساحل مدينة غالواي، وعلمها مُنكّس. استقبلها نساء يرتدين شالات سوداء، يُصلّين، ورجال بجانبهن صامتون. نقلت الجثث تباعا إلى الشاطئ، ملفوفة ببطانيات وأكفان بلاستيكية زرقاء، وفي خلفية المشهد، صوت قرع الأجراس ممتزجا مع صوت الماء.. ثم نطقت إحدى السيدات الواقفات بين الحشد: "ثلاثة من أبنائي عادوا بنفس الطريقة".
لليلة ثانية، أضاءت القنابل الضوئية الخاطفة موقع التحطم طوال الليل. واستمر التفتيش عن أي جثث أخرى حتى بلغوا 35، ثم توقف البحث نهائيا وانقطع الأمل بلا رجعة.. وفي هذا الوقت، وصل محمود يونس (رئيس نادي السلاح) والصاغ صلاح دسوقي (سكرتير النادي) لمعاينة الجثث التي شوهت المياه ملامحها، ليكتشفا "لا وجود لجثة أحد من أفراد الفريق".
عادوا إلى مصر بخيبة أمل، وبفقدان أي أثر لفريق كان في أوج عطائه، وبرواية غير مؤكدة. وظلوا ينتظرون نتائج التحقيق الذي بدأه فريق هولندي وإيرلندي بعد معاينة الجثث وتحليل ما وجد من الحطام، لتحديد ما دفع الطائرة إلى قدرها المحتوم. وكل الاحتمالات واردة.
__________________________
"فقدت مصر نخبة من أفضل لاعبيها الذين جاهدوا سنوات طويلة، حيث كان لكل واحد منهم أكثر من بطولة اشترك فيها وانتزع الفوز من أبناء الدول التي أسست قواعد المبارزة في عصرنا الحديث. ولذلك تبذل جهود ضخمة لسنوات نحو تعويض هذا الفريق".
(اتحاد السلاح المصري)
__________________________
في موكب شعبي ضخم، ربما امتد لكيلو متر، أقيمت صلاة الغائب على أرواحهم. كان يحاوطه خيالة الشرطة، ثم تحرك على أنغام موسيقى جنائزية من أرض فندق شبرد القديم بجوار نادي السلاح وحتى الأزهر الشريف. وتقدمه حسين الشافعي (وزير الشئون الاجتماعية) نائبا عن الرئيس "عبدالناصر" ومسؤولو اتحاد السلاح، ثم عائلات الفريق الراحل، والمدربون، واللاعبون الأصغر سنًا، بينهم حازم زين العابدين، الذي يقول "إنه كان مشهدًا رهيبًا وحزينًا".

ولمدة شهر بعدها، أغلق نادي السلاح. ثم اجتمع لاحقًا قياداته أو بمعنى أصح من نجوا بعدم ذهابهم إلى البطولة: صلاح الدسوقي (سكرتير عام النادي)، والمدربون: عثمان صبري، حسن توفيق، والإيطالي "دي روزا"، للعمل على تشكيل فريق جديد من الصغار، تحديدًا سلاح الشيش.
على ما يبدو، كان هناك اسمًا جاهزًا أمامهم، لا يحتاج عناء التفكير وهو جميل القليوبي، أحد أمهر اللاعبين. ثم اتفقوا على مباريات ترجيحية للاستقرار على البقية. وكانوا كالتالي: مصطفى سحيم، فريد العشماوي، إلهامي الحسيني، حازم زين العابدين، وسامح عبد الرحمن.
بخطوات ثقيلة مشى "حازم"، الذي صار الآن لاعبًا بالدرجة الثانية، ودخل إلى صالة المبارزة للمرة الأولى بعد الحادث. المكان نفسه الذي اجتمع فيه معهم طوال الوقت، وحيث التقاهم للمرة الأخيرة قبل السفر. غمرته "مزيج من مشاعر الوحدة والخوف"، كما يصف. فيقول: "أنا أصغر اللاعبين المختارين سنًا، وكنت صديقًا أيضًا لمن رحلوا عنا".
كل هذه التجهيزات للبدء من جديد، لم تصرف انتباه من داخل وخارج النادي عن نتيجة التحقيقات.. وفي الحطام الذي يجرى فحصه، لم يُعثر إلا على ثلاث ساعات يد مع الضحايا، دلت الخبراء على أن اصطدام الطائرة بسطح البحر وقع بين الساعة 03:45 و03:55 بتوقيت غرينتش، أي بعد نحو خمس دقائق فقط من آخر رسالة للطائرة. ومبدئيا، كشفت الجثث المنتشلة أن هناك حروق لحقت بها وشظايا معادن عالقة ونزيف بالمخ قبل ارتطام الطائرة بالبحر، وفقًا لما نقلته الوكالات والصحف الأجنبية عن فريق الأطباء الإيرلنديين والهولنديين.

__________________________
"حين هوت الطائرة بعثمان عبدالحفيظ وزملائه، هوت بصرح عالي من المجد الرياضي الكبير، وعلى الصف الثاني من تلاميذهم، أن يقيموه ثانية، شامخا، عاليا، أبيا"
عبد اللطيف البغدادي (رئيس اتحاد السلاح)
__________________________
فريق من جديد.. ولكن!
بحلول الذكرى الأولى للحادث، كانت بطولة العالم للسلاح انتهت منذ أيام قليلة ولم تظهر بها مصر، وظهرت سيطرة من دول أخرى مثل بولندا وروسيا، كما نقلت جريدة الأهرام، وقالت في عنوانها: "لابد أن نسترد مكانتنا ثانية في السلاح".
خلال ذلك العام، لم يكن هناك سوى بعض المباريات والبطولات محلية، والكثير من التدريب لتأهيل الفريق الجديد على يد المدربين: "عثمان صبري" و"دي روزا"، كما يحكي حازم زين العابدين. ثم بات "دي روزا" رسميًا مدربا للفريق ليعده للمشاركة في الأولمبياد المقبل 1960.
كان لدى "دي روزا" شيءٌ مميز، شيئاً كان الفريق في أمسّ الحاجة إليه في ذلك الوقت. فهو كثير المزاح مع اللاعبين، منسجم معهم، فهو يعرف أغلبهم منذ كانوا أطفالا مثل "حازم"، الذي يقول عنه "شخصية طريفة، قريب من الجميع، يحب اللاعبين ويجعل الروح بينهم جيدة، والأهم كانت لديه عين ناقدة، لا يتابعنا في اللعب فقط، إنما الطعام والتصرفات".
في هذه الفترة، ظهر فكر "دي روزا" ومنهجه أكثر من أي وقت مضى. ركز على التفاصيل الصغيرة، على شخصية اللاعب أكثر من الخطط الفنية. فيحكي "حازم" أن "الأجواء المحيطة به لم تكن سهلة بالطبع، كان هناك حزن، تنافس وأطماع من اللاعبين على الصعود والمشاركة في الفريق الجديد، غير المستوى الفني، لكنه تعامل مع كل ذلك".
فالرجل الملقب بـ"المايسترو"، تحدثت عنه إحدى الصحف المحلية الإيطالية بأنه "أحد رواد مدرسة السلاح الإيطالية"، وقال عنه ويليام غاوجلر، وهو أستاذ جامعي في برنامج تدريب السلاح بجامعة سان خوسيه الأمريكية: "كان يبحث طوال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات عن طريقة لسد الفجوة بين التدريب النظري والمباراة الفعلية، ومن هنا طور أسلوبه القائم على حل المشكلات".
ومع بداية عام 1960، جهز فريقه الجديد للمشاركة في بطولة ستقام في مصر بمشاركة 6 دول كبرى، وتحمل اسم "كأس الشهداء"، ويعتبر "حازم" أن هذه البطولة – التي كانت الأولى منذ الحادث- "مثلت دفعة كبيرة لهم".

بعد أشهر، شارك الفريق في أولمبياد روما 1960، لكن بدت نتائجه متواضعة جدًا. لم يكن خطأ "دي روزا"، ولم يكن مجهودهم غير كافي. إنما، كما يعترف "حازم"، "فالأمر كله يرجع إلى قلة خبراتهم بعكس السابقين". ثم تكرر السيناريو نفسه مع بطولة العالم التي شاركوا بها العام التالي في إيطاليا أيضًا.

منذ ذلك الحين، ظهرت تباعا الكثير من نتائج التحقيق، أولها حول سبب عدم إرسال الطائرة استغاثة، فرأى المحققون أن عدم ورود أي رسالة عن نية الهبوط الاضطراري يشير إلى أن هبوطها لم يكن قرارًا اتخذه الطاقم بعد تقييم الموقف، بل كان نتيجة مباشرة لحالة مفاجئة وقعت.
ومن بين بعض أجزاء الطائرة التي عثروا عليها، كانت عجلة الهبوط الأمامية، وجدت مرفوعة ومثبتة داخل جسم الطائرة، ما يؤكد بالنسبة لهم "أن الطائرة كانت لا تزال في وضع الطيران الطبيعي، وليس أثناء الإقلاع أو الهبوط". كما وُجدت أحزمة الأمان مثبتة بالمقاعد وغير مربوطة، ولم تظهر عليها آثار تمزق، ما يدل على أنها لم تكن مستخدمة عند الاصطدام، ولم يصدر أي تحذير من الطاقم للركاب لربطها.
__________________________
"تعانقنا في حفل التكريم قبل السفر، ولم أكن أعلم أنها حفل وداع. ونحن نفترق إلى غد نسمع فيه أنباء فوزهم. ولم تمض ساعات حتى سمعنا ذلك النبأ الحزين الكئيب .لقد مات هؤلاء الأحباء، انفجرت بهم الطائرة . . هؤلاء الذين تغلبوا على الموت في أكثر من معركة. يموتون في غير معركة!. ولكن شيئاً كبيراً في نفسي ظل يؤكد لي أنهم لم يموتوا. تاريخهم وانتصاراتهم العديدة، كل هذه الأشياء حياة لا يمكن أن تموت"
عباس الرملى (المدرب بنادي السلاح)
__________________________
بعد بطولة العالم بإيطاليا عام 1961، لم يشارك فريق "حازم" لقرابة عشر سنوات في أي بطولات عالم. لم يحدث شيء كبير سوى بعض الإنجازات المحدودة كفوز اللاعب جميل القليوبي في دورة البحر المتوسط 1959 بالمركز الأول.
فقد زادت على هذا الفريق أشياء أخرى أثرت سلبًا عليه غير فقدان اللاعبين القدامى، أهمها كانت ظروف الحرب: نكسة 1967 وحتى انتصار أكتوبر 1973، حيث لم تتوفر موارد وميزانيات كافية للاتحادات والألعاب الرياضية. إليك مثالا، يذكره "حازم"، فلم يتوفر لهم لعدة سنوات جهاز التحكيم الكهربائي، بعد أن تغيرت قواعد اللعبة واعتمدت على جهاز لاحتساب النقاط بدلا من مراقبة الحكام.
كما تم "استبدل القيادات القديمة المحترفة بآخرين لم يطوروا الوضع"، حسب كلامه. ما جعله يصف تلك الفترة بأنها "نكسة أخرى أصابت اللعبة".
كان فريقا واعدًا وسيء الحظ.
تبدل على هذا الفريق ومن تلاه مدربون مصريون، بحسب قاعدة بيانات اتحاد السلاح. واعتزل "حازم" اللعب عام 1973، ويرى "أن اللعبة لم تبدأ مرحلة التعافي تدريجيًا إلا بعد ثلاثين عامًا أخرى، حين عادت إليه قيادات ذات خبرة". يتفق مع ذلك تمامًا طارق الحسيني (رئيس اتحاد السلاح الحالي)، وابن شقيق اللاعب محمد عبدالمنعم الحسيني، أحد ضحايا حادث الطائرة.
"طارق" الذي دخل اللعبة في نفس عام اعتزال "حازم"، امتد إليه تأثير خسارة الفريق القديم. فيقول: "حدثت فجوة على المستوى الفني وقتها، لكن بالنسبة لنا، فكانت الفجوة على المستوى الإداري، لأن هؤلاء كانوا قيادات مستقبلية، ربما لو ظلوا أحياء، لكان الوضع تغير تماما في التدريب والإدارة".
فيختصر الوضع ما بعد عام 58 بأنه كان مجرد "تمثيل مشرف" في البطولات والأولمبياد دون إنجاز يذكر لسنوات طويلة، فيما يخص الفرق تحديدًا. لكنه تحسن -في رأيه- بداية من عام 2018، "عندما وضع عبد المنعم الحسيني، الذي كان رئيسًا للاتحاد حينها والآن هو رئيس الاتحاد الدولي للسلاح، أساسيات وركائز جيدة للعبة، ووفر المواردوالإمكانيات اللازمة من خلال التعاقدات مع الرعاة، إلى جانب دعم الاتحاد الدولي ووزارة الرياضة"، حتى تحقق الإنجاز الأخير بتحقيق الميدالية البرونزية للفرق في بطولة العالم بهونج كونج.

بعد أكثر من أربعين عامًا على الحادث، عرف طارق الحسيني بعض المعلومات "عن أن هناك شبهة جنائية في الواقعة". وتلك الرواية كانت لدى حازم زين العابدين، قبله بكثير، منذ ذهب مندوبو اتحاد السلاح لفحص الجثث بإيرلندا. فيحكي: "تبين لنا أن الحادث نتيجة عمل تخريبي لاغتيال إحدى الشخصيات العراقية الذي كان ذاهبًا للتفاوض مع أمريكا ما بعد ثورة العراق (حركة في الجيش العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم أطاحت بالنظام الملكي)".
لكن لا دليل على كل ذلك.
وفي عام 2008، وعندما كانت كنيسة الإخوة في مقاطعة لانكستر بولاية بنسيلفانيا تحيي الذكرى الخمسين للحادث الذي راح فيه 13 من سكانها، فيما وصف بأنه "أكبر مأساة جماعية في تاريخ المقاطعة"، قال كين كريدر (أستاذ التاريخ)، الذي فقد والدته بالحادث، "إن أحد الطيارين المسؤولون في شركة الخطوط الجوية الهولندية قالوا له (الطائرة انفجرت على الفور)، كان التلميح القوي هو أن الحادث لم يكن حادثاً، أعتقد أنه كان عملا إرهابيًا، مع أنني لا أستطيع إثبات ذلك"، وفقا لموقع صحيفة LNP Lancaster Newspapers (الصحيفة المحلية في المقاطعة).
لكن التقرير الرسمي لمجلس التحقيق الهولندي خلص في نهاية المطاف "أنه بناء على الأدلة القليلة المتاحة لا يمكن للمجلس تحديد سبب الحادث بشكل قاطع، لكن نستبعد احتمال أن يكون سبب الحادث انفجار قنبلة. يرجح المجلس بشدة فرضية أن سبب الحادث مرتبط بحدوث عطل مزدوج في منظم سرعة إحدى المراوح الخارجية. ومع ذلك، لا يوجد لدينا أي أساس للافتراض بأن حدوث هذا العطل المفترض جاء بسبب إهمال من موظفي الصيانة أو إلى إجراءات غير صحيحة اتخذها الطاقم".
__________________________
"تخليداً لجميع أولئك الذين فقدوا أرواحهم، على متن الطائرة الهولندية "هوجو دي جروت" فوق المحيط الأطلسي في 14 أغسطس 1958"..
عند مدخل مقبرة مدينة غالواي في إيرلندا، نقش ذلك على المقابر المجهولة لـ22 من الضحايا. ربما يكون بينهم أحد أفراد فريق السلاح، ولم يتم التعرف عليه حينها، ربما لا، ورقدوا مع باقي حطام الطائرة في قاع المحيط.
لقرابة 70 عامًا، ترك هؤلاء الذين اكتسبوا سمعة الجيل الذهبي، لغزًا حول موتهم وحول جثثهم وقصة تستحضر في كل ذكرى لهم، بالأخص خلال السنوات الأولى ما بعد الحادث.. في حديقة نادي السلاح، وبجوار النصب التذكاري الذي يحمل أسماؤهم في مقر النادي، ظل الاتحاد يقيم حفلا كبيراً تقام فيه المباريات، طالما واظب حازم زين العابدين على حضورها. وهنا، تلقى الكلمات من المدربين والمسؤولين لـلاعبين الجدد: "عن بطولاتهم، وعن الواجب الملقى على عاتق زملائهم وتلاميذهم ليحققوا دائماً ما ذهبوا لأجله". ومع أن ثلاثة أجيال جاءت بعدهم، لم تحقق إنجازا استثنائيا، وكانت نجاحات المبارزين الجدد فردية وليس كفرق إلا بعد 75 عاما، ومع أن "دي روزا" الذي عاش طويلا حتى أكمل الثمانين، لم يكمل مهمته التي أرادها معهم، كما ذكر. لكن على الأقل، لقد عاد الفريق من جديد.
__________________________

-
دي روزا عاد إلى إيطاليا بعد انتهاء فترة تدريبه في مصر، حيث بلدة ميستري الشمالية. أخرج منها عددا كبيرا من أبطال إيطاليا والعالم، لذا سمي نادي باسمه هناك. توفي عام 1992 - وعلى شاهد قبره في مقبرة ميستري، يوجد نقش: "لقد جعل اسم ميستري معروفًا للعالم". وفي مصر، يقول عنه طارق الحسيني (رئيس اتحاد السلاح الآن) إنهم "يسيرون بأفكاره ومنهجه حتى الآن".
-
حسن توفيق الذي نجا من حادث الطائرة توفي عام 2005 عن عمر 94 عاما.
-
حازم زين العابدين اتجه إلى التدريب بعد اعتزاله ثم تولى إدارة نادي السلاح لفترة ثم أسس شركته الخاصة في النظم الأمنية. وانضم ابنه إلى اللعبة في التسعينات وأصبح لاحقا رئيسا لاتحاد السلاح.
-
نادي السلاح المصري مغلق حاليًا ويخضع للتطوير لأعمال التطوير التي تتم في نطاق حديقة الأزبكية.

__________________________
__________________________
المصادر:
- أرشيف جريدة الأهرام – جمع وتحليل جميع الأخبار المنشورة حول السلاح في تلك السنوات
- نشرة اللجنة الأولمبية المصرية أكتوبر 1958
- سلسلة كتب صادرة عن المجلس الأعلى لرعاية الشباب تحت اسم "شباب خالد" عن "زيان – الأشقر – عثمان عبدالحفيظ – أحمد صبري"
- عدد مجلة التايم – 25 أغسطس 1958
- التقرير الرسمي لمجلس التحقيق الهولندي – المنشور على موقع شبكة سلامة الطيران
___________________________________________________________________________
اقرأ أيضا: ما هي لعبة المبارزة وما قواعدها وماذا حققت مصر بها؟
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News
