(14 أغسطس 1958)
من المدرج 23 بمطار شانون بإيرلندا، أقلعت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الهولندية عند الساعة 03:05 بتوقيت غرينتش، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى متنها، 99 راكبًا، بينهم فريق السلاح المصري (المبارزة) للمشاركة في منافسات من شأنها أن تمثل ذروة تاريخهم حتى الآن: بطولة العالم بفيلادلفيا. كانوا يجلسون في مقاعد متجاورة، يتحدثون عن منافساتهم المرتقبة، المتوقع أن يفوزوا بها أو على الأقل يحققوا مركزًا متقدمًا. كانت الأمور عادية، عادية تمامًا. ينعطفون يمينًا مع استمرار الطائرة في الصعود فوق المحيط الأطلسي حتى بلغت ارتفاع 3650 مترًا عند الساعة 03:39 وأرسلت تقريرها الروتيني في هذا الوقت، وكان الأخير.. فجأة، انقطع الاتصال بها واختفت من على الشاشات.
في لحظة، فُقدت هذه الطائرة وكل من عليها، دون أي إشارة أو استغاثة واحدة.
بعد نحو 70 عامًا، وقف فريق السلاح المصري الحالي على المنصة في بطولة العالم للكبار بهونج كونج للتتويج بالميدالية البرونزية لسلاح سيف المبارزة بعد فوز مثير على إسرائيل بنتيجة 39-38.. خرج بعدها مسؤولو اتحاد اللعبة ليصفوا الفوز بأنه "أول ميدالية عالمية تحققها مصر على مستوى الفرق منذ 75 عامًا".
75 عامًا ! فلماذا تأخر إنجاز الفرق إلى هذا الحد؟ وما علاقة هذا بما حدث للرحلة 607؟
الفريق بين عهدين
(أسبوع قبل الحادث)
في صالة المبارزة بنادي السلاح بالأزبكية، تجمع لاعبو السلاح: أحمد صبري، وحسن رشاد، ومصطفى زيان، وفتحي الأشقر، ومحمد علي رياض، ومحمد عبد المنعم الحسيني، وقائدهم عثمان عبد الحفيظ لاستكمال تدريباتهم المكثفة. وقفوا يستمعون لتعليمات مدربهم المجري، أندريه تيلي، الذي حضر إلى مصر قبل أشهر ليتولى إعدادهم للبطولة المقبلة في الولايات المتحدة.
دخل إلى الصالة، حازم زين العابدين، وهو لاعب شاب في سلاح الشيش، لم يتجاوز عمره الـ15 عامًا، اعتاد أن ينضم إليهم ليتدرب معهم أو ليراقب أدائهم فقط أحيانًا ليتعلم. كان يرافقه مدربه الإيطالي، ليفيو دي روزا، الذي يقيم في مصر منذ سنوات ودَرب هؤلاء الكبار أيضًا، فألقى عليهم تحيته المألوفة بلكنته العربية الركيكة.
تهامس اللاعبون فيما بينهم بشكوكهم حول احتمالية عدم سفرهم إلى البطولة: "هل ستندلع الحرب ثانية؟"، "معقول، سيضيع كل هذا المجهود؟!". فكانت الأجواء متوترة في مصر التي أصبحت الآن "الجمهورية العربية المتحدة" بعد الوحدة مع سوريا. ومن قبلها، لم تكن الأمور مستقرة تمامًا منذ العدوان الثلاثي قبل عامين، ما جعل الكثير من الرحلات الجوية يتم إلغاؤها وتأجيلها.
"لا تكونوا متشائمين هكذا!"، قال لهم اللاعب أحمد صبري ثم نادى على مصور مجلة الجيل، جمال يوسف، الذي كان موجودًا ليوثق التدريبات الأخيرة للفريق. طلب منه "صبري" أن يلتقط لهم الصور التذكارية، فألحوا جميعًا مثله ومزحوا معه: "أنشرها فقط حال سفرنا وفوزنا بالبطولة". كان علم الجمهورية العربية المتحدة الذي تتوسطه النجمتان يرفرف ورائهم جوار لافتة النادي: "نادي السلاح المصري - تأسس عام 1891".
