إعلان

جفاف يضرب قناة بنما: ما قصة "الهديّة الحمقاء" التي لا بديل لها؟ (تحليل شارح)

كتب : مارينا ميلاد

06:08 م 21/08/2026 تعديل في 06:08 م

قناة بنما

تابعنا على

في الأيام التالية، بحلول شهر سبتمبر، من المتوقع أن يحدث مشهدٌ غيرُ معتادٍ عند مدخل قناة بنما: سترسو عشرات السفن عند مدخل قناة بنما لتنتظر دورها في العبور، بعضها محملٌ بحاويات مليئة بالبضائع أو الحبوب أو الغاز. وربما سيخلق ذلك أزمة مرورية. ومع أن ذلك غيرُ مألوفٍ لكنه ليس مفاجئًا أيضا في هذا الوقت من العام بعد أن أعلنت هيئة القناة خفض عمليات عبور السفن تدريجيًا خلال سبتمبر لانخفاض معدلات هطول الأمطار وتراجع منسوب المياه في البحيرات التي تعتمد عليها في تشغيلها، في ظل ظاهرة "إل نينيو".

فكيف سيهدد الجفاف القناة مرة أخرى؟ وما قصة الممر المائي الذي وصفه "ترامب" ذات مرة بأنه "هدية حمقاء"؟ لماذا هو بهذه الأهمية؟ وهل هناك بديلٌ له؟

ماذا يحدث لقناة بنما؟

تتكرر ظاهرة "إل نينيو" الطبيعية كل عامين إلى سبعة أعوام، عندما ترتفع حرارة المياه السطحية في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، ما يؤدي على مدى أشهر إلى تغيرات كبيرة في أنماط الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. ومعظم التوقعات تشير إلى أن الظاهرة هذا العام "ستكون استثنائية، وقد تكون الأشد على الإطلاق".

ولأن حركة الملاحة في قناة بنما تعتمد على مياه الأمطار المخزنة في بحيرتي غاتون وألاخويلا الاصطناعيتين، فتراجعُ منسوبِهما جراء الظاهرة المناخية سيعيق حركة الملاحة بها إلى حد كبير.

وكانت القناة قد صممت نظام هويسٍ جديد كجزء من مشروع توسعتها منذ 2016، والذي يهدف إلى ترشيد استهلاك المياه من خلال تجميع جزء منها وإعادة استخدامه. بمعنى أن المرور عبر النظام القديم يستهلك حوالي 500 مليون لتر (110 ملايين غالون) من الماء، بينما يتطلب المسار الجديد 200 مليون لتر (40 مليون غالون) لكل سفينة، إلا أن الجفاف الذي يحل على القناة من حين إلى آخر قد أثر سلبًا على هدف مشروع التوسعة من خلال الحد من عدد وحجم السفن التي يمكنها المرور.

وتلجأ إدارة القناة إلى إجراءات أخرى لمواجهة انخفاض المياه، بينها تقليص غاطس السفن، أي المسافة الرأسية بين سطح المياه وأدنى نقطة في هيكلها. والغاطس هو عمق الماء الذي تحتاجه السفينة لتطفو بأمان؛ ويعني الحد الأدنى له أن السفن قد تضطر إلى حمل حمولة أقل من أجل المرور عبر القناة.

تحدث ريكورتي فاسكيز (مدير قناة بنما) خلال فعالية تجارية عن تلك القيود على الغاطس بسبب ظاهرة النينيو، ثم قال: "إن هذا العام قد تستمر الظاهرة لفترة أطول بكثير من ذي قبل، مما يتطلب من القناة الحد من سعة العبور، كما فعلت خلال فترة الجفاف في عامي 2023 و2024، هاتان التجربتان اللتان أهلتانا جيداً لما نعرفه، ومنحتانا الانضباط اللازم للتعامل مع ما لا نعرفه".

وفي الظروف العادية قد يصل عدد السفن المنتظرة للعبور إلى 90 سفينة في وقت واحد، بحسب مدير القناة، إلا أن في مثل هذه الأيام من عام 2023 تخطى عدد السفن الراسية المائتي سفينة.

ومع التخفيض القادم، ستزداد أوقات انتظار السفن التي تحاول المرور دون حجز مسبق. وهناك تسع من كل عشر سفن تستخدم القناة بحجز مسبق، ويتم بيع المساحات المتبقية في مزاد علني. تلك المزادات علت قيمة العطاء بها بعد الحرب الإيرانية التي أدت إلى عرقلة المرور عبر مضيق هرمز وخلق التوترات بمنطقة الشرق الأوسط.

فكان متوسط قيمة العطاء الفائز في هذه المزادات 135 ألف دولار قبل الحرب. لكن في أبريل الماضي، وصل الأمر بإحدى شركات الشحن لتدفع 4 ملايين دولار.

الهدية الحمقاء

وطالما اعتُبرت قناة بنما، التي تخترق وسط بنما واكتمل بناؤها عام 1914، إنجازًا أمريكيًا، استغرق بناؤه عشر سنوات، وفتحت طرقًا تجارية جديدة بتوفيرها ممرًا مائيًا حيويًا بين المحيطين الأطلسي والهادئ، مما يسمح للمسافرين بحرًا بتجنب مسافة إضافية تبلغ 7000 ميل بحري (13000 كم) حول طرف أمريكا الجنوبية.

قناة بنما في المراحل النهائية من البناء 25 يونيو 1913

وخلال القرن العشرين، أدارت الولايات المتحدة القناة، بعدما سيطرت على منطقة القناة وبدأت أعمال البناء عام 1904 بعد مساعدة بنما على نيل استقلالها عن كولومبيا، حتى افتتحت القناة عام 1914. وظل هذا الوضع قائما حتى عام 1977، عندما وقّع جيمي كارتر (الرئيس الأمريكي آنذاك)، وعمر توريخوس (الزعيم البنمي)، معاهدتين لإنهاء سيطرة الولايات المتحدة على القناة تدريجيًا.

وبعد فترة من الإدارة المشتركة، سيطرت بنما بشكل كامل على القناة في عام 1999.

وبما أن الولايات المتحدة هي أكبر عميل للقناة، حيث تستحوذ على حوالي ثلاثة أرباع البضائع التي تمر عبرها كل عام، انتقد "ترامب" أكثر من مرة ما وصفه بالأسعار "الباهظة" التي يتم فرضها من هيئة القناة وتحصيلها من الحكومة الأمريكية والبحرية والشركات مقابل استخدام الممر.

ووصل به الأمر إلى المطالبة باستعادة القناة. وفي يناير 2025، قال خلال خطابه الافتتاحي: "إن روح المعاهدة التي وقعها الرئيس جيمي كارتر قد تم انتهاكها. هذا الاتفاق هدية حمقاء ما كان ينبغي تقديمها أبدًا". وكرر ادعاءه بأن الصين هي من تُدير الممر المائي.

وأثارت هذه التصريحات غضب خوسيه راؤول مولينو (رئيس بنما)، الذي قال في بيان له: "القناة هي وستبقى بنما، وستظل إدارتها تحت السيطرة البنمية بحياد دائم".

وتفرض هيئة قناة بنما رسوم عبور تختلف بحسب نوع السفينة وحجمها وسعتها والخدمات المستخدمة. وبالنسبة لسفن الحاويات، تبدأ الرسوم الأساسية من نحو 60 ألف دولار، وقد تصل إلى 300 ألف دولار للسفن الكبيرة. وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت بالفعل هذه الرسوم المفروضة والمتغيرة وسط موجات الجفاف التي تفاقمت.

وقصة المياه ليست حساسة في القناة وحدها، إنما في بنما ككل. فالبحيرات التي تغذي القناة توفر المياه أيضاً لنصف السكان البالغ عددهم 4.2 مليون نسمة.

البدائل معقدة

وفي مثل هذه الأوقات، يظهر التفكير في مسارات بديلة- ماذا لو كانت هناك طريقة أخرى للانتقال من المحيط الهادئ إلى المحيط الأطلسي؟ فلا تستطيع الأسواق التي تعاني بالأساس جراء الحرب الأمريكية – الإيرانية الانتظار طويلا في بنما. إذ تُقدّر قيمة البضائع التي تمر عبر القناة سنوياً بنحو 270 مليار دولار في طريقها إلى 170 دولة.

تقول ميشيل ويز بوكمان (كبيرة المحللين في شركة لويدز ليست إنتليجنس، المتخصصة في التجارة البحرية العالمية): "هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن مرة أخرى، خاصة بالنسبة لأنواع الوقود مثل الغاز الطبيعي المسال، مما قد يؤثر على أسعار المستهلك".

وخلال سنوات طويلة من الدراسة والخطوات، ظهر مشروع بناء قناة عبر نيكاراغوا، لكنه لم ينجح في نهاية المطاف، وكان سيوفر مسارًا بديلًا بين المحيطين ولو أنه أطول كثيرًا. أما الممر الشمالي الغربي، وهو طريق بحري عبر القطب الشمالي، فقد بات ممكنًا المرور منه في بعض الأحيان بسبب تغير المناخ وانخفاض نسبة الغطاء الجليدي هناك بشكل كبير خلال فصل الصيف. مع ذلك، يتردد جان بول رودريغ (أستاذ في قسم إدارة الأعمال البحرية بجامعة تكساس) في تبني صناعة شحن الحاويات لهذا الطريق على نطاق واسع؛ فيقول: "بالنسبة للطرق القطبية، وخاصة الممر الشمالي الغربي، فهو مفتوح لبضعة أشهر فقط، إن حالفك الحظ". وتكثر المخاوف البيئية هناك أيضاً.

وقبل أيام، غادرت سفينة حاويات "دبي تاور" الصينية، متجهة إلى أوروبا عبر طريق يمر عبر الدائرة القطبية الشمالية "الطريق البحري الشمالي". وللمرة الأولى، تفعلها الصين بعيدًا عن قناة السويس لتقصير مسار الرحلة؛ فيبلغ طول هذا المسار نصف مسافة العبور من قناة السويس. وسبق لشركات أخرى في قطاع الشحن البحري أن سلكت هذا المسار، وكان أولها شركة ميرسك الدنماركية سنة 2018. وستُشغّل شركة "سي ليجند" المالكة للسفينة هذا الخط الملاحي حتى أكتوبر، خلال موسم ذوبان الجليد القطبي.

وعلى ما يبدو، فلا بدائل متوفرةٌ لمسار قناة بنما بنفس فعاليته حتى الآن، وهو الممر الذي يعبر سنويًا منه ما يزيد على 10 آلاف سفينة حاملةً 423 مليون طن، وينقل أكثر من 40% من السلع الاستهلاكية المتداولة بين شمال شرق آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة.

اقرأ أيضا:

"ممر طهران".. الرضا الإيراني تأشيرة عبور السفن في مضيق هرمز

أنفاق أصفهان: معركة الـ100 متر على اليورانيوم بين إيران وأمريكا (تجربة تفاعلية)

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان