في غرف الولادة: ما تقوله الأرقام عن العنف التوليدي.. وميثاق وطني لتعزيز الرعاية الآمنة
كتب : مصراوي
وقائع العنف التوليدي في مصر
كانت "دينا" في الثامنة عشرة من عمرها عندما باغتها ألم الولادة مبكرًا في بداية الشهر الثامن. لسوء الحظ، اختلت كل ترتيباتها المسبقة للمستشفى التي ستلد بها مع غياب الطبيبين اللذين تتابع معهما. فاضطرت للجوء لإحدى المستشفيات الحكومية بالقاهرة التي دخلتها، في حالة "غير مستقرة" سواء هي أو جنينها، إلا أن هذا اليوم، كما تصفه، "تحول إلى صدمة".
ورغم أن هذه الواقعة مر عليها قرابة العشرين عامًا إلا أنها لا تزال تتذكرها وتسردها بالتزامن مع ظهور شهادات أخرى خلال الأيام الماضية حول أشكال مختلفة لما يسمى "بالعنف التوليدي" بعد الجدل الذي أثارته الطبيبة أمنية سويدان حول مستشفى الشاطبي، والتي قضت محكمة جنح الاقتصادية بالإسكندرية، السبت، بمعاقبتها بالحبس 6 أشهر وتغريمها 20 ألف جنيه لاتهامها بنشر أخبار كاذبة.
ولهذا، أطلقت نقابة الأطباء، اليوم الأثنين، الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة بالتعاون مع المجالس القومية والجمعيات العلمية، وتضمنت توصياته: توفير بيئة ولادة تحفظ خصوصية المرأة وكرامتها، توفير وسائل وأدوية تخفيف الألم، وخط ساخن لتلقي الشكاوى والبلاغات.
اقرأ: أول تعليق رسمي على ما تردد بتعرض مريضات لانتهاكات بقسم النساء بمستشفى الشاطبي
ويُعرف العنف التوليدي بأنه "أي شكل من أشكال الإساءة -الجسدية أو اللفظية- للنساء أثناء الحمل والولادة وفترة رعاية ما بعد الولادة". كما يشمل دفع النساء إلى اتخاذ قرارات غير مستنيرة بشأن خيارات الولادة المتاحة لهن مثل الخضوع للعمليات القيصرية غير الضرورية، وهو الأمر الذي اعترف بوجوده حسام عبد الغفار (المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان)، عبر أحد البرامج التلفزيونية، الجمعة الماضية، قائلًا: "الدراسات تشير إلى أن أعلى معدلات هذا النوع من العنف في مصر تتمثل في الولادات القيصرية غير المبررة، حيث تصل نسبتها إلى نحو 72% تقريبًا، وهناك أرقام تشير إلى نسب أعلى من ذلك".
تستحضر "دينا"، كما تدعي، لحظات صعبة عاشتها قبل الولادة. وتقول: "تركوني حوالي 12 ساعة طلق متواصل، شعرت بأنني أموت، وفي النهاية، جاء الطبيب وقال لي سأعطيكِ حقنة لتنامي وهو مبتسم، بعدها، بقيت أصرخ من شدة الألم لدرجة جرحت نفسي أكثر من مرة، وظل أهلي يبحثون عنه فلم يجدوه، ثم اكتشفت أن هذه الحقنة تزيد من الطلق".
وتوضح "دينا" أن كل ما جرى لها "كان في القسم غير المجاني، أي المميز أكثر من القسم العام". وما كان يشغلها أكثر من حالتها هو "توافر حضانة لجنينها، لأنها تعرف أن الرئة غير مكتملة وبحاجة إلى حضانة معينة فور الولادة". لكنها كانت تُصدم "بتذمر من الممرضات لكثرة سؤالها"، كما تحكي.
ولا تُقدّر بشكل رسمي وقائع العنف التوليدي في مصر، إلا أن بعض الدراسات كالتي أُجريت في مدينة بورسعيد ومنشورة في مجلة بورسعيد العلمية للتمريض سنة 2023، وأظهرت أن 85% من المشاركات "أفدن بتعرضهن للإساءة أو سوء المعاملة أثناء الولادة". ويشير مشروع "حلول للسياسات البديلة" البحثي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أن "إجراء العمليات القيصرية بناءً على قرارات غير مستنيرة أمر شائع رغم أنها قد تكون تدخلًا طبيًا غير ضروري في كثير من الحالات. وفي بعض الأحيان يفرضها الأطباء على المريضات بدافع الاستسهال، أو لتحقيق مكاسب مالية، وأحيانًا بسبب ضعف الكفاءة الطبية".
لذا يؤكد حسام عبد الغفار (المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان) أن وزارة الصحة تعمل منذ فترة على العودة إلى الولادة الطبيعية، باعتبارها أقل عنفًا وضررًا على الأم والجنين، موضحًا "أن الولادة القيصرية تُعد إجراءً على خلاف الأصل، ولا يُلجأ إليها إلا إذا كان هناك سبب طبي يبررها".
خَضعت "دينا" لولادة طبيعية، لكن ذلك لم يمنع تعرضها لمعاناة أخرى، كما تقول: "الدكتور صرخ في وجهي، وقال لي (اطلقي)، وكانت الممرضات تفعل نفس الشيء.. وقتها لم أكن أفهم ما المفترض فعله؟ وبكيت، فسخروا مني".
في النهاية، ولدت "دينا" ابنتها التي لم تجد لها مكانًا في الحضانة، وأبلغ الطبيب أهلها أن يبحثوا في مستشفى أخرى، فنُقلت بالإسعاف، بحسب ما تقول الأم.
ونشرت مؤسسة "اتكلم/ي-speak up"، التي تهدف إلى مناهضة العنف والتحرش وتقديم الدعم للناجيات، عشرات الشهادات لنساء وأطباء تحمل تفاصيل متشابهة لما حكته "دينا". وقالت: 'إن هذا الوقت من المفترض أن يكون مقدساً، ويتم خلاله احترام وتفهم لمشاعر السيدات".
"تلك الشهادات ساهمت في فتح نقاش مجتمعي طال انتظاره حول قضية مسكوت عنها تمس سلامة النساء، وكانت حبيسة الصمت وخوف من الوصمة"، هكذا ذكرت مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، وهي منظمة غير حكومية ذات توجه نسوي، خلال بيان أطلقته مع عدة مؤسسات وأفراد ومبادرات في شهر يونيو الماضي.
وأكد البيان "ضرورة توفير بيئة آمنة تتيح للنساء والعاملين والعاملات في القطاع الصحي التعبير عن مخاوفهم وتجاربهم"، بجانب تعزيز مبادئ الرعاية الصحية القائمة على احترام الكرامة الإنسانية والموافقة المستنيرة والخصوصية وعدم التمييز.
وذكر الموقعون على البيان، وبينهم انتصار السعيد (رئيسة مجلس أمناء المؤسسة القاهرة للتنمية والقانون)، "إن الولادة يجب أن تكون تجربة إنسانية آمنة تحفظ الكرامة، لا تجربة يخرج منها بعض النساء محملات بالخوف أو الإهانة أو الصمت".
وقبل أسبوعين، أكدت نقابة الأطباء متابعتها لما أُثير وتداول بشأن وقائع منسوبة إلى مستشفى الشاطبي الجامعي. وأوضحت أنها لم تتلقَ حتى الآن أي شكوى رسمية موثقة تتعلق بالوقائع المتداولة، داعية كل من يمتلك معلومات أو أدلة أو تعرض لواقعة تستوجب التحقيق إلى تقديم شكوى رسمية موثقة إلى نقابة الأطباء، أو إدارة المستشفى، أو الجهات الرقابية المختصة، أو النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وفي حال، تم إثبات أي تقصير أو تجاوز من خلال التحقيقات الرسمية يجب أن يُحاسب عليه وفقاً للقانون وأخلاقيات المهنة، كما ذكر البيان. وفي نفس الوقت، أشارت النقابة إلى "أن ذلك دون تعميم أو إساءة للجهود المبذولة من قبل غالبية الأطباء الذين يقدمون خدماتهم بتفانٍ".
واليوم، تضمنت توصيات الميثاق الوطني الذي أطلقته النقابة: رفع الطاقة الاستيعابية لأقسام الولادة بالمستشفيات، وتدعيمها بأعداد كافية من الأطباء والتمريض بما يتناسب مع أعداد الحالات، رفع قيمة بدل "النوبتجيات" بهذه الأقسام ووضع حوافز مالية، وتنظيم واضح لساعات عمل محددة نظير أجر عادل، بالإضافة إلى نشر ثقافة الولادة الطبيعية والرعاية الآمنة من خلال برامج التثقيف الصحي ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، على أن تتشكل لجنة وطنية دائمة تضم الجهات الحكومية، والمجالس القومية، والنقابات المهنية، والجمعيات العلمية، لمتابعة تنفيذ الميثاق، وتقييم أثره، ومراجعته وتحديثه بصورة دورية.
لكن "دينا" واحدة من النساء اللاتي التزمن الصمت لسنوات طويلة قبل أن تقرر مشاركة تجربتها، فتقول: "بعدما خرجت ابنتي من الحضانة، ظللت أتعافى من مضاعفات الولادة لفترة طويلة، وحكيت كل ما حدث لوالدي الذي ذهب للمستشفى مرة أخرى وتشاجر معهم، إلا أن الأمر انتهى عند هذا الحد، فلا نملك دليلاً وبالتالي لم نقدم شكوى.. لم يحدث شيء.. لكن هذا اليوم بكل تفاصيله ظلت آثاره داخلي حتى الآن".
اقرأ أيضا:
فخ التليجرام.. استدراج أطفال لاستغلالهم جنسيًا وبيع صورهم لآخرين