كل زجاجة تحمل حكاية.. أحمد يرسم بالرمال ليواصل علاج ابنته
كتب- مصراوي:
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
-
عرض 8 صورة
كل صباح، يقف أحمد عزت بين محاضر القتل والسرقة داخل محكمة جنايات مطروح، يؤدي عمله حاجبا بين القاعات والمكاتب. وما إن تنتهي ساعات العمل، حتى يترك عالم القضايا خلفه، ويتجه إلى كورنيش المدينة، حيث يبدأ عملا آخر صنعه بنفسه قبل أكثر من ثلاثة عقود.
هناك، يجلس خلف طاولة خشبية صغيرة، يلتقط حبات الرمل الملونة واحدة تلو الأخرى، ويحولها داخل زجاجة إلى بحر تعانقه الأمواج، أو صحراء تتوسطها خيمة بدوية، أو لوحة تحمل اسمين يحفظان ذكرى رحلة أو قصة حب.
لكن بالنسبة لأحمد، لا تعني كل لوحة مجرد عمل فني، بل تمثل خطوة جديدة في رحلة علاج ابنته، التي تعاني مرضا نادرا في المعدة، إلى جانب ضعف في الحركة، وتحتاج إلى علاج شهري يفوق إمكانياته.
لا يرفع عينيه عن الزجاجة التي بين يديه، وكأن ضجيج السيارات وحركة المصطافين على كورنيش مطروح قد اختفيا تماما. يقف العشرات حول طاولته الخشبية الصغيرة يتابعون أصابعه وهي تنثر حبات الرمل الملونة داخل الزجاجة بدقة وصبر، بينما هو غارق في عالمه الخاص، لا يرى سوى اللوحة التي تتشكل أمامه. في دقائق، تتحول الرمال إلى بحر تعانقه الأمواج، أو صحراء تتوسطها خيمة بدوية، أو لوحة تحمل اسمين يحفظان ذكرى رحلة أو قصة حب.
كلما انتهى أحمد عزت من عمل، امتدت إليه يد تحمل زجاجة جديدة وطلبا مختلفا. أطفال يطلبون كتابة أسمائهم، وعائلات ترغب في الاحتفاظ بتذكار من مطروح، وأزواج يريدون تخليد ذكرى خطبتهم أو زواجهم. أما هو، فلا يتعجل أي لوحة، ويؤمن أن لكل زجاجة حكايتها الخاصة.
قبل ساعات قليلة فقط، كان أحمد يقف في مكان مختلف تماما. داخل محكمة مطروح، يؤدي عمله حاجبا بين القاعات والمكاتب، ملتزما بصمت الوظيفة وانضباطها. وما إن تنتهي ساعات الدوام حتى يطوي صفحة يومه الرسمي، ويتجه إلى الكورنيش، حيث تبدأ رحلة أخرى صنعها بنفسه قبل أكثر من ثلاثة عقود، رحلة جعلت من حبات الرمل مصدرا للرزق، ووسيلة للتعبير، وأملا يتمسك به كل يوم.
أحمد عزت، الحاصل على الشهادة الإعدادية، بدأ حياته الوظيفية في دار القضاء العالي بالقاهرة، ثم انتقل إلى الإسكندرية، قبل أن ينتقل عام 1993 إلى مأمورية مطروح مع افتتاحها، ليستقر مع أسرته في المدينة التي أصبحت موطنه ومصدر إلهامه.
ولأن راتبه لم يكن يكفي متطلبات الحياة، بدأ يبحث عن مصدر دخل إضافي. وجد ضالته في الرسم بالرمال، فالتحق بالعمل مساعدا لدى أحد الحرفيين، يراقب تفاصيل المهنة ويتعلم أسرارها بصبر، حتى جاء اليوم الذي غاب فيه صاحب الورشة، بينما حضر أحد الزبائن طالبا لوحة تخلد فترة خطبته.
لم يكن أمام أحمد سوى أن يخوض التجربة وحده. أمسك الزجاجة وبدأ يرسم، وحين انتهى، فوجئ بإعجاب الزبون باللوحة. يتذكر تلك اللحظة قائلا: "كانت أول مرة أرسم لوحدي.. ولما شافوا الرسمة انبهروا بيها". عندها أدرك أنه لم يعد مجرد مساعد، بل أصبح فنانا قادرا على الاعتماد على نفسه.
كانت الموهبة وحدها لا تكفي، فالبداية احتاجت إلى أدوات ورأس مال لم يكن يملكه. في تلك اللحظة، وقفت والدته إلى جواره، وأعطته ألفي جنيه كانت قد ادخرتها في "جمعية". اشترى بها الزجاجات والرمال والألوان، وبدأ مشروعه الصغير الذي تحول مع مرور السنوات إلى مهنته الثانية، وإلى جزء أصيل من حياته.
يبدأ أحمد يومه داخل المحكمة، وبعد انتهاء العمل يعود إلى منزله لبعض الوقت، ثم يحمل أدواته ويتجه إلى المكان الذي تخصصه له محافظة مطروح على الكورنيش خلال موسم الصيف. هناك يقضي ساعات طويلة يرسم للزائرين حتى ساعات الليل، بينما يواصل بقية العام تنفيذ الطلبات من منزله، ويتلقى اتصالات من عملاء يرسلون إليه أسماءهم أو الصور التي يرغبون في تجسيدها داخل الزجاج.
ويحرص على انتقاء أجود أنواع الرمال، ثم يلونها بأصباغ عالية الجودة حتى تحتفظ اللوحات بألوانها لسنوات طويلة دون أن تتغير. ويقول إن جودة الخامات لا تقل أهمية عن الموهبة، لأن اللوحة الجيدة يجب أن تبقى كما هي مهما مر عليها الزمن.
لكن الرسم بالنسبة إليه لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الدخل. فخلف كل لوحة يبيعها حكاية أخرى لا يعرفها كثير من زبائنه. ابنته تعاني مرضا نادرا في المعدة، إلى جانب ضعف في الحركة، وتحتاج إلى علاج شهري يفوق إمكانياته. لذلك يتحول كل يوم عمل، وكل زجاجة ينجزها، إلى خطوة جديدة في رحلة طويلة لتوفير ثمن الدواء.
يقول إنه لا يستطيع التوقف، فكل لوحة قد تعني جرعة علاج جديدة، أو تخفف جزءا من عبء يرافق أسرته منذ سنوات. وبينما يرى الزبائن عملا فنيا يزين منازلهم، يرى هو في المقابل أملا يتجدد مع كل قطعة ينجزها.
ورغم أن المكان المخصص له على الكورنيش لا يتجاوز ثلاثة أشهر خلال موسم الصيف، فإن حلمه لا يزال بسيطا؛ أن يمتلك مقرا دائما يعرض فيه أعماله طوال العام، ويستقبل زواره دون انتظار الموسم.
وبين أروقة المحكمة، حيث يلتزم بقواعد الوظيفة، وطاولته الصغيرة المطلة على البحر، حيث تطلق أصابعه العنان للرمال، يمضي أحمد عزت في رحلته اليومية، مؤمنا بأن الفن يمكن أن يولد من أبسط الأشياء، وأن حفنة من الرمال قد تتحول إلى لوحة تحفظ ذكرى، أو تفتح باب رزق، أو تمنح أبًا القدرة على مواصلة علاج ابنته.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News