إعلان

"زلزال حظر التواصل".. خريطة تقييد المراهقين عالميًا قبل قانون أوروبا

كتب : محمود الطوخي

02:15 ص 17/09/2026

وسائل التواصل الاجتماعي

تابعنا على

يشهد العالم تحولا تشريعيا وتنظيميا واسعا يقوده اتجاه متسارع نحو فرض قيود صارمة على وصول القاصرين إلى الفضاء الرقمي، مدفوعا بتصاعد المؤشرات الطبية والبحثية حول تدهور الصحة النفسية للأطفال، وانتشار ظواهر التنمر الإلكتروني، واعتماد المنصات الرقمية على تصاميم خوارزمية إدمانية تدفع المستخدمين للبقاء فترات طويلة أمام الشاشات.

ولم تعد المواجهة مقتصرة على التوجيهات التربوية أو تدابير الحماية الطوعية التي تتبناها شركات التكنولوجيا، بل انتقلت إلى سن تشريعات وطنية وإقليمية ملزمة تعيد رسم "سن الرشد الرقمي" وتفرض غرامات مالية مليارية على المنصات المخالفة.

وتتصدر المفوضية الأوروبية المشهد الدولي حاليا بمسودة مشروع "قانون الأطفال الأوروبي"، الذي أعلنت عنه رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورج، يوم الأربعاء، ليسري على كافة دول الاتحاد التي تضم نحو 450 مليون نسمة.

ويأتي المشروع الذي من المتوقع إقراره الخميس؛ استجابة لضغوط مكثفة قادتها دول مثل فرنسا واليونان لوضع حد للاستخدام المفرط الذي يتراوح بين 4 و6 ساعات يقضيها المراهقون يوميا في التصفح المستمر.

المبادرة الأوروبية الشاملة وتدرج الفئات العمرية

يرتكز التوجه الأوروبي الذي صاغته فون دير لاين بالتعاون مع مسؤولة القطاع التكنولوجي في الاتحاد الأوروبي هيزا فيركونين، على قاعدة مفادها تقييد وصول شركات التكنولوجيا إلى الأطفال وليس حرمان القاصرين من الخدمات، من خلال إقرار تقسيم عمري تصاعدي يلزم المنصات بضوابط صارمة تبدأ من الحظر المطلق وتتدرج حتى نيل الاستقلالية الرقمية.

ويقترح المشروع حظرا تاما يمنع وصول الأطفال دون سن الثالثة إلى أي من الخدمات الرقمية، في حين تخضع حسابات الفئة من 3 إلى 12 عاما لإشراف كامل من أولياء الأمور وتقتصر على خدمات آمنة مخصصة للصغار.

كما يحظر القانون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي نهائيا لمن هم دون 13 عاما إلا بمرافقة وإشراف مباشر، بينما تتاح للفئة بين 13 و14 عاما إمكانية فتح حسابات مصغرة وتمهيدية يديرها الوالدان وتفرض سقفا للوقت وتمنع تواصل الغرباء، على أن يمنح المراهقون حق إنشاء حسابات مستقلة بصورة حرة عند بلوغ سن 15 عاما فما فوق.

ولا يقتصر هذا التنظيم المرتقب على شبكات التواصل مثل "تيك توك" و"إنستجرام" و"فيسبوك" فحسب، بل يمتد ليشمل منصات مشاركة مقاطع الفيديو مثل "يوتيوب"، ونماذج الذكاء الاصطناعي وبرامج الدردشة مثل "شات جي بي تي"، إضافة إلى منصات ألعاب الفيديو التفاعلية عبر الإنترنت.

ويلزم التشريع الشركات "بعكس عبء الإثبات" لبرهنة أمان تصاميمها مسبقا، ومنع آليات التمرير اللانهائي، ودفع رسوم إشرافية لتمويل الرقابة، وتفعيل تطبيقات للتحقق الإلزامي من العمر قبل التنزيل أو التسجيل، تحت طائلة غرامات رادعة تصل إلى 6% من إجمالي إيرادات الشركة السنوية حول العالم.

التجربة الأسترالية ونتائج المختبر الرقمي الأول عالميا

تعد أستراليا الدولة الرائدة عالميا التي بدأت في تطبيق الحظر الشامل رسميا بدءا من 10 ديسمبر الماضي لمن هم دون سن 16 عاما، وأتاحت للجهات التنظيمية فرض غرامات تصل إلى 34.9 مليون دولار، على الشركات المخالفة.

وبحسب تقييمات نشرتها مجلة «بوليتيكو» وصحيفة «الجارديان»، يقوم القانون على مبدأ تأخير الدخول إلى البيئات الرقمية لمنح المراهقين فرصة لتطوير الضبط الذاتي، مع حظر إنشاء الحسابات الشخصية دون منعهم من قراءة المحتوى العام، وتحميل المسؤولية القانونية كاملة على الشركات دون ملاحقة الأسر أو الأطفال.

وشمل الحظر في أستراليا منصات "فيسبوك" و"إنستجرام" و"تيك توك" و"إكس" و"سناب شات" و"يوتيوب" و"ريديت" و"تويتش" و"ثريدز" و"كيك".

وفي الوقت نفسه، استثنت هيئة السلامة الرقمية الأسترالية تطبيقات المراسلة المباشرة مثل "واتساب" و"ماسنجر"، والمنصات التعليمية مثل "جوجل كلاس روم"، وخدمات الألعاب مثل "روبلوكس" و"ستيم" و"ديسكورد".

وأظهرت أرقام حصيلة تطبيق قانون الحظر تعطيل وحذف قرابة 4.7 مليون حساب للمراهقين، مع تراجع نسبة ملكية الأطفال لحسابات شخصية من 49% إلى 31%، وتراجع استخدام "سناب شات" بنسبة 40% بين الفئة العمرية من 13 إلى 15 عاما، في حين لم ينخفض استخدام "يوتيوب" سوى 3% لإمكانية مشاهدة المواد دون تسجيل دخول.

ونفت دراسة لجامعة نيوكاسل مخاوف التحايل عبر الشبكات الافتراضية الخاصة مؤكدة ندرتها، فيما كشف استطلاع أجرته مؤسسة "يوجوف" في يناير الماضي عن تسجيل 38% من أولياء الأمور تحسنا ملموسا في التواصل الأسري وتراجع الضغوط المجتمعية للسماح باقتناء الحسابات، مقابل شكوى 25% من تراجع تواصل أبنائهم مع أقرانهم.

الدول التي تحظر أو تشرع لقيود دون سن 16 عاما

تتسع دائرة التشدد مع الفئات دون سن 16 عاما في عدة قارات؛ ففي بريطانيا تضع الحكومة اللمسات الأخيرة لمشروع قانون يحظر التطبيقات الرئيسية لهذه الفئة العمرية ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في ربيع 2027، استنادا إلى قانون السلامة عبر الإنترنت الصادر عام 2023 الذي يخول هيئة الاتصالات فرض غرامات تصل إلى 10% من الإيرادات العالمية، وإلزام منصات "أبل" و"جوجل" بآليات تقنية تمنع تداول الصور غير اللائقة للقاصرين، فضلا عن تطبيق توجيهات وزارية بحظر الهواتف في المدارس.

وقدمت الحكومة الكندية بدورها، مشروع قانون الأمان الرقمي الذي يستهدف حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما مع استثناء المنصات الملتزمة بالمعايير، إلى جانب إخضاع برامج الدردشة بالذكاء الاصطناعي لتنظيم مستقل، وفرض غرامات تبلغ 3% من الإيرادات العالمية أو 10 ملايين دولار كندي، إثر دعاوى قضائية اتهمت نماذج "أوبن إيه آي" بالقصور في الإبلاغ عن مخاطر أمنية.

وأكد وزير الثقافة الكندي مارك ميلر، أن الخطوة تستهدف معالجة القلق والاكتئاب الناجمين عن التصاميم الجاذبة للانتباه، في وقت أبدت فيه شركات مثل "جوجل" و"ميتا" استعدادها للتنسيق مع التشريع المرتقب.

كذلك، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز توجه حكومته لحظر المنصات لمن هم دون 16 عاما وإلزام الشركات بأنظمة تحقق من العمر، بينما أطلقت ماليزيا تطبيقا رسميا يمنع تسجيل القاصرين دون هذا السن في شبكات التواصل.

وفرضت إندونيسيا تدابير مقيدة للشريحة نفسها، وتناقش نيوزيلندا مقترحا تشريعيا مماثلا يفرض غرامات تصل إلى 10% من العوائد وتوظيف تقنيات التعرف على الوجه لمطابقة السن.

الدول التي تقر حظر الاستخدام عند سن 15 عاما

يمثل سن 15 عاما معيارا أوروبيا وإقليميا واسع الانتشار؛ وتعد الإمارات أول دولة عربية تعتمد هذا التوجه رسميا بصدور قرار مجلس الوزراء في 18 يونيو الماضي، حيث حدد سن 15 عاما كحد أدنى لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومنع إنشاء الحسابات أو الوصول إلى المزايا الكاملة دون هذا العمر.

وشهدت فرنسا معركة تشريعية بعدما أقر البرلمان قانونا يقضي بحظر إنشاء الحسابات لمن هم دون 15 عاما، غير أن المجلس الدستوري أصدر قرارا في 14 أغسطس بإلغاء النص لاعتبارات تتعلق بالمساس غير المتناسب بحرية التعبير وفشل أدوات التحقق من السن في صون الخصوصية، وهو ما دفع الرئيس إيمانويل ماكرون لإعادة صياغة المشروع لتمريره بصيغة معدلة قبل ربيع 2027.

وفي اليونان، أعلن رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس تطبيق الحظر لمن هم دون 15 عاما ابتداء من مطلع عام 2027، وسط تأييد شعبي بلغ 80% وفق استطلاع لمؤسسة "ألكو"، موجها رسالة إلى المفوضية الأوروبية للمطالبة باعتماد هذا السن كمعيار موحد للرشد الرقمي في كافة أرجاء القارة.

أيضا، تبنت الدنمارك حظرا لمن هم دون 15 عاما بدعم من رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن ووزيرة التحول الرقمي كارولين ستيج أولسن اللتين شددتا على حماية الطفولة من استهلاك الشاشات البالغ ساعتين و40 دقيقة يوميا، مع إتاحة استثناء يديره الوالدان للأطفال بين 13 و14 عاما.

وانضمت تركيا إلى هذا المسار بتشريع أقر في 24 أبريل يمنع استخدام المنصات لمن هم دون 15 عاما ويضع ضوابط لمنصات الألعاب، في حين تسعى النرويج لرفع سن الموافقة إلى 15 عاما وفرض الحظر التام دون هذه السن، وتعمل كل من بولندا وسلوفينيا والسويد على إعداد تدابير تشريعية وتوصيات رسمية لاعتماد السن نفسه.

نماذج الرقابة الأبوية وضوابط الأجهزة الإلكترونية

في أثناء ذلك، تعتمد دول أخرى على نماذج تنظيمية تجمع بين موافقة أولياء الأمور والتحكم في أنظمة تشغيل الأجهزة؛ إذ تشترط ألمانيا موافقة الوالدين للفئة من 13 إلى 16 عاما، بينما تحدد إيطاليا سن الموافقة لما دون 14 عاما، وسط مطالبات حقوقية بتشديد هذه المعايير.

وتطبق الصين نظام وضع القاصرين الإلزامي الذي يفرض قيودا تقنية على مستوى نظام تشغيل الهاتف الذكي والتطبيقات لتقنين ساعات المشاهدة تلقائيا حسب الفئة العمرية، فيما حث المستشار الاقتصادي للحكومة الهندية على وضع ضوابط تحد من الخصائص التسويقية الجاذبة للأطفال.

المسار القضائي في أمريكا والمعضلات التقنية والدستورية

أمّا في أمريكا تأخذ المواجهة بعدا قضائيا وماليا، حيث وافقت شركة "ميتا" على تسوية مالية ضخمة تراوحت بين 17.1 و18 مليار دولار لإنهاء دعاوى رفعتها ولايات تتهم منصتي "فيسبوك" و"إنستجرام" بإلحاق أضرار بالصحة النفسية للأطفال واستخدام تصاميم محفزة للإدمان، متعهدة بتقييد التمرير التلقائي وأوقات الاستخدام للمراهقين،

بموازاة ذلك، يتقدم مشروع قانون حماية الأطفال عبر الإنترنت في الكونجرس بدعم السيناتور تيد كروز، رغم الطعون القضائية التي تعطل القوانين المحلية في الولايات بدعوى حماية حرية التعبير.

وتصطدم هذه التشريعات عالميا بعقبة تقنيات التحقق من السن؛ إذ تحذر منظمات حماية المستهلك مثل "بي إي يو سي" في أوروبا، وإيجازات مكتبة مجلس العموم البريطاني، من أن استخدام وثائق الهوية الرسمية أو مسح الوجه قد يهدد خصوصية بيانات البالغين ويقوض أنظمة التشفير التام بين الطرفين.

ورغم تبرير شركات التواصل بأنها تضع حدا أدنى للاستخدام عند 13 عاما، تؤكد التقارير الرسمية وجود ملايين الحسابات النشطة لأطفال دون هذا السن، ما يجعل التحول العالمي يتجه نحو إعادة هندسة البيئات البرمجية والتصاميم الخوارزمية بدل الاكتفاء بإجراءات المنع الشكلي.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك