• بالفيديو- أول دكتورة مصرية في الطاقة الذرية: بلدي لا تعترف بوجودي على قيد الحياة (حوار)

    12:21 ص الخميس 13 ديسمبر 2018

    حوار- مجدي الجلاد:

    أعده للنشر- محمد مهدي:

    الحياة مليئة بحكايات العَجب، حين وصلت الدكتورة المصرية "إحسان محمود حلمي" مطار القاهرة في يناير 1962 كان في استقبالها عشرات الصحفيين والكاميرات للاحتفاء بها كونها أول مصرية وعربية تحصل على الدكتوراه في الطاقة الذرية من أمريكا، حدث جلل حينذاك، صارت محط الدولة وعلى رأسها الرئيس جمال عبدالناصر.

    لكن الحال تغير بعد مرور أكثر من نصف قَرن، لم يُرحب بها أحد عندما عادت إلى مصر منذ 4 سنوات، لم تحصل على التكريم اللازم، والأكثر من ذلك أن الدولة لم تعترف بها كمواطنة مصرية، إذ اكتشفت أنها "ساقطة قيد" في دفاتر وأوراق السجل المدني.

    وفي حوار مع مجدي الجلاد رئيس تحرير مؤسسة أونا للصحافة والإعلام (مصراوي، يلاكورة، الكونسلتو)، تحدثت السيدة إحسان عن سيرتها ورحلة الكفاح منذ فترة الستينيات وحتى الآن؛ كيف حصلت على لقب أول دكتورة مصرية في الطاقة الذرية، تكريمها من الدكتور مصطفى مُشرفة بعد عودتها للتدريس بالجامعة، زيارة الرئيس جمال عبدالناصر لمعملها في مؤسسة الطاقة الذرية العربية بأنشاص، كلماته وتشجيعه لها، وسِر مغادرتها إلى أمريكا غاضبة.

    وسردت لنا السيدة التسعينية اختيارها في نهاية الأمر الرجوع إلى الوطن، والمفاجأة المُرة بأن الدولة لا تعترف بوجودها، لم تعثر على أوراقها الرسمية في سجلات الحكومة، تخشى اقتراب النهاية دون اعتبارها مواطنة مصرية، ومناشدتها عبر مصراوي إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي.

    كانت لحظة مثالية للسعادة، الزمن منتصف عام 1954، المكان جامعة القاهرة، الحدث هو اختيار "إحسان حلمي" في بعثة إلى أمريكا لدراسة الطاقة الذرية بجامعة كاليفورنيا "كنت حصلت قبلها على الماجستير في الذرة، وبكالريوس العلوم مع مرتبة الشرف في 1947" لم يكن يسبقها أحد من فتيات ونساء مصر إلى تلك الخطوة "مكنش حد متوقع إن بنت مصرية في الوقت دا تروح تدرس في أكبر جامعات العالم" آمال عريضة تملكتها، ومسؤولية شعرت بها منذ اللحظة الأولى لها خارج بلادها "الجدية والاجتهاد كانوا السبيل الوحيد لأحلامي".

    الغُربة قاسية لا شك، لكنها كانت تستيقظ في كُل صباح ممتلئة بالحماس لأنها ترى هدفها جيدًا، تعمل بكد لتقترب منه، تقاوم صعوبة الابتعاد عن الأهل بسيرتهم والسير على تعاليمهم "بقدر بسيط من المعاملة الطيبة والاهتمام بالناس، ممكن أي إنسان يعيش سعيد في الغربة" نظام التعليم هناك مختلف عن ما عايشته في القاهرة "السنة الدراسية متقسمة لـ 3 فترات، الطالب بيختار العلوم اللي حابب يدرسها وغير مقيد ببرنامج زمني مُحدد" ظلت لفترة تُفكر في موضوع رسالتها حتى توصلت إليها أخيرًا.

    "موضوع رسالتي عن الجسيمات الذرية ذات الطاقة العالية، وأهميتها في إنها بتساعد وقتها على فهم الأسس اللي بتقوم بيها الطاقة الذرية الهائلة" تتحدث عنها بفخر، كانت الفتاة الوحيدة بين 40 طالبًا، يُشرف على رسالتها البروفيسور "ديريك براوس" سارت خطوات كبيرة في مجال رسالتها، قدمت عدة أبحاث خلال تواجدها بأمريكا، الجميع ينظر لها باهتمام كونها أول مصرية وعربية تقترب على الحصول على الدكتوراة في الطاقة الذرية، حتى أنها تلقت دعوة من الجمعية الأمريكية للطبيعيات لإلقاء محاضرة وسط 700 عالم من مُختلف دول العالم -وفق ما نشرته صحيفة الجمهورية عنها- وحين ذهبت إلى هناك وقدمت ورقة بحثية في يناير 1956 ذاع صيتها في الولاياتا المتحدة، احتلت صورتها الصفحات الأولى بالصُحف هناك من بينها "وست وود هيلز بريس" وكُتب عنها "هذة الفتاة القادمة من بلاد النيل تساهم في تقدم علوم الذرة".

    بعد 7 أعوام عادت إحسان أدراجها وسط احتفاء من البلاد، وسائل الإعلام تكتب عنها "الدكتور مصطفى مُشرفة عمل احتفال باسمي في الجامعة وقال إن إحسان شرفتنا بره" ثم أقام لها الرئيس جمال عبدالناصر احتفالًا آخر قال عنها: "قدوة وتأكيد إن مفيش حاجة مستحيلة، لازم تنظروا لها وتفكروا كويس تعملوا زيها وتحاولوا" تتذكر كلمات عبدالناصر بتأثر "بشكره على التقدير ده، حولني لقدوة قدام كل المصريين".

    لم تصبر كثيرًا قبل أن تسلك طريق التدريس في كلية علوم بجامعة القاهرة، ثم تم اختيارها ضمن فريق مؤسسة الطاقة الذرية العربية أنشاص، زار الرئيس جمال عبدالناصر المكان بعيد النصر في 23 ديسمبر 196، تفقد المنشآت والتقى العلماء المصريين، حرص على الحديث مع إحسان "شكرني على جهدي وإنه معجب بأدائي وخطواتي" أخبرها أنه فخور بها "كان كلامه دافع كبير ليا إني أكمل وأجتهد أكتر" لكن ساءت الأمور فجأة، جرت أحداث عكس التوقعات "كان فيه ترقية متاحة ليا وعدد من الزملاء، إني أبقى أستاذ مساعد" لكنهم اختاروا زميلة لها دون وجه حق -وفق تعبيرها- غير حاصلة على الدكتوراة وحتى لو كان الاختيار بناء على الأقدمية فهي الأجدر.

    تقدمت إحسان بالتماس إلى إدارة الجامعة، تطالبهم بإعادة الاختيار من جديد "كتبت اللي بذلته من وقت ما رجعت" أنجزت 16 بحثًا علميًا 11 منها في أكبر المجلات العلمية "أنشأت معمل أبحاث في الطبيعة النووية في 3 فروع مختلفة رغم الصعوبات الخاصة باستيراد الأجهزة العلمية" لكن لم ينصت لها أحدًا، رفضوا طلبها، وتم منح زميلتها الترقية "حسيت بالظلم وإني مش هقدر أكمل في الحالة دي".

    الغضب والإحباط واليأس دفعوا إحسان لاتخاذ قرارت سريعة "كان عندي عرض للتدريس في جامعة كاليفورنيا، قررت إني لازم أوافق وأمشي بعد اللي حصل" انتقلت للعيش في أمريكا عام 1970، تطاردها صفحة ما جرى لها في جامعة القاهرة، كلما تذكرت تتألم "مكنش فيه عدل ولا إنصاف معايا" استقرت في عالمها الجديد، تحاول نسيان الأمر بمزيد من العمل والانغماس في التجربة الجديدة "متجوزتش، لأنها تجربة مش سهلة، فيه ناس كتير بتتجوز وتخلف، لكن إيه المشكلة لما حد يختار إنه يكرس حياته للعلم؟" حصلت على الجنسية الأمريكية، مرت سنوات وعقود، حتى تعدى عمرها الـ 90 عاما، وطالبتها ابنة شقيقتها "أمال صالح" بأن تعود إلى وطنها "وافقت لأني عايزة أكمل باقي حياتي في بلدي الأصلية".

    هل انتهت فصول رحلتها عند تلك النقطة؟ لا ماتزال القصة تحمل فصلًا جديدًا مصبوغ بالغرابة "لما وصلت عرفت إن مصر معتبراني مش موجودة" دخلت إلى البلاد بجواز سفرها الأمريكي، وحين ذهبت ابنة شقيقتها إلى السجل المدني لاستخراج شهادة ميلاد لها "إنها من مواليد أسيوط 1923، قالولها مش لاقيين بيانات ليها، روحي على مكتب القلعة" انطلقت إلى هناك لتأتي الإجابة نفسها "ملهاش أثر في الأوراق، شكلها ساقطة قيد" تعجبت الأسرة "طيب إزاي وأنا ليا معاش بيطلع من الجامعة، معقول باخده بدون ما يكون ليا ورق؟! انطلقت "أمال" إلى هناك ليخبروها إنهم لم يعثروا لها على ورق في ملف خالتها بالجامعة.

    منحتهم قصاصات الصُحف التي كتبت عنها في فترة الستينيات، صور وحديث عبدالناصر معها دون أن ينفع ذلك "قالوا دا مش إثبات إنها مصرية" تُكرر كلماتهم بتعجب "أمال إيه اللي يثبت إني مصرية بعد كل ده؟!" تتساءل لماذا كلما ترغب في الاقتراب من وطنها يأتي الرد بهذا السوء وعدم الاعتراف بها، مرة بعدم الاعتناء بموهبتها، والآن بمنحها أوراق تثبت مصريتها.

    لا تجد السيدة التسعينية سوى الرئيس عبدالفتاح السيسي لكي تناشده بعد أن ضاقت بها السُبل ووقف الجميع حائلا بينها والحصول على بطاقة رقم قومي تؤكد بأنها مصرية "بقول للرئيس من فضلك ساعدني أطلع شهادة ميلاد بتاعتي، دي بالنسبالي حاجة كبيرة، وهي أمنيتي الأخيرة في الحياة".

    إعلان

    إعلان

    إعلان