• مركز ''الصديق المقرب''.. جربت تسمع لواحد عايز ينتحر

    05:51 م الثلاثاء 02 ديسمبر 2014

    كتبت-إشراق أحمد:

    يرن الهاتف، يتلقى عزت أمين المكالمة، يأتيه صوت فتاة ''ألو أنا مروة أنا باخد حبايتين دلوقتي''، لم تتعد ثوان وانغلق الخط، تنتهي المكالمة ومعها الموقف الوحيد الذي تعرض له ''أمين'' طيلة فترة تطوعه بمركز ''الصديق المقرب''، لا يعلم حتى يومنا هذا إن كانت الفتاة انتحرت بالفعل أم لا، فأكثر المكالمات التي تلقاها بشكل عشوائي كانت تفكر أو سبق لها محاولة الانتحار، مما يمهله الوقت لـ''الفضفضة'' ومن ثم المعاونة على تخطي تلك الفكرة، وفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن مقابل كل حالة انتحار هناك الكثير من الناس يحاولون الانتحار كل عام، لذا سعى المركز الذي أغلق أبوابه قبل 8 أعوام ليكون له دور في مساعدة مثل هؤلاء، في وقت كان الانتحار طي الكتمان.

    بشارع السودان، في شقة متوسطة المساحة، بالدور الأرضي، يجتمع المتطوعون، لتنفيذ المهمة التي قرروا تخصيص بعض من وقتهم لأجلها؛ الاستماع لأي شخص ينال منه الاكتئاب والاحباط حد الرغبة في الانتحار، وهذا الأساس الذي يقوم عليه ''الصديق المقرب'' –befrienders center- في كافة فروعه المتواجدة حاليا بأكثر من 40 بلد –وفقا للموقع الرسمي للمركز على الانترنت- رافعا شعار ''نحن نسمع لمساعدة الناس دون الحكم عليهم''، من منشأ الفكرة في بريطانيا انتقلت إلى القاهرة في غضون فترة التسعينيات.

    أكثر من 800 ألف شخص على مستوى العالم، لا يجد سوى الانتحار وسيلة للراحة من الهموم، بمعدل حالة انتحار كل 40 ثانية، ورغم أن معدلات الانتحار بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام منخفضة وفقا لمنظمة الصحة العالمية، إلا أن وقوعها يصيب العمود الفقري للمجتمعات، إذ أن نسبته مرتفعة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29، ويعد ثاني الأسباب المهمة للوفاة، وعلى سواعد الشباب أيضا استمر المركز في العمل حتى تعذر ذلك بسبب الموارد المالية، خاصة أنه كان قائما على التطوع دون مقابل مادي.

    عزت.. المجتمع ينكشف في مكالمة

    ليوم في الأسبوع طيلة عام، أخذ ''أمين''-الكاتب الصحفي- يتوافد على المركز، صديق تحدث أمامه عن تطوعه في مكان يحاول مساعدة الراغبين في الانتحار، قرر الشاب العشريني وقتها المشاركة هو الآخر في تلك التجربة، الجديدة من نوعها عليه، وعلى واقع مجتمع صورته الذهنية عن التطوع تقتصر على أماكن الفقراء وغيرها، ''المكتئب مش حد قاعد يعيط وماسك إزازة خمرة في إيده'' تلك الصورة التي يضعها البعض عن المفكر بالانتحار لكنه ''غضبان وعايز حد يسمعه''، وهو التأكيد الذي خلص له ''أمين'' خلال تلك الفترة، التي انكشف له بها المجتمع، سقطت كل الستائر الخافية لصفات اتسم بها من كونه ''شعب متدين بطبعه'' حسب قوله، إعياء ينهش في كافة الطبقات ''حوالي 40% من المكالمات كانت بتيجي بخصوص زنا المحارم.. وكتير عن الميراث'' يقول الكاتب عن الأسباب التي أفصح عنها اللاجئون إلى المركز حينها وتدفعهم للتفكير بالانتحار.

    الاستماع الجيد هو ما يفعله المتطوعون مع المتصلين، وخاضوا من أجله تدريب قرابة شهر قبل بدء العمل، لم يكن يفارقهم القائمون علي المركز حسب قول ''أمين''. يرن الهاتف على الخطوط الثلاثة المتواجدة بالغرفة، التي يتبادل بها المتطوعون البالغ عددهم قرابة 20 التواجد كـ''ورديات''، لساعات محددة، يستقبل كل منهم المكالمات بشكل عشوائي، أسئلة قليلة، والتجاوب مع المتصل في حدود ما يتيح إخراج ما في جعبته، ومساعدته لمقاومة فكرة الانتحار المراودة له، من خلال معاونته ليجد حلا لمشكلته، فمن شروط الاستماع ألا يقدم المتطوع النصيحة، بل يترك المتحدث ليجد السبيل، فقط يرشده ويوجهه لا يملي عليه، خلال مدة لا تتجاوز الساعة ''عشان مايرتبطش الشخص بالمتطوع''.

    أربع مستويات يصنف المتطوع على أساسها المتصل حسب ''أمين''؛ S0  وهو المحبط ''اللي عايز يتكلم مع حد''، S1 من لديه اكتئاب وسبق له التفكير بالانتحار لكن لم يفعل، S2 يملك خطة للانتحار ''هرمي نفسي من البلكونة مثلا''، وأخيرا S3 وهو من سبق له محاولة الانتحار لكن لم ينجح، وبناء على ذلك يتم التعامل، ''في الغالب الشخص بيكون بيفكر في 30 حاجة.. أحنا كنا بنساعده يفكك المشكلة ويركز على شيء واحد عشان يقدر يحلها'' يقول ''أمين'' الذي يصف الشعور حين الوصول بالشخص لبر الأمان بأنه ''انجاز''، فالفضفضة يمكنها حل قرابة 70% من المشكلة حسب قوله.

    إقدام الكاتب الصحفي على التطوع بالمركز عام 2003 ''كان فضول.. عايز أعرف إيه قمة القاع اللي نقدر نوصل له أكتر من كده''، فرغم أنه لم تكن هناك دعاية للمركز، فقط إعلان صغير في ذيل صفحة مجلة، يتذكر ''أمين'' أنه رآه يوما ما، غير أن الاتصالات لم تكن تتوقف حسب قوله، فضلا عن الخصوصية التي أرسى لها المركز، بدءً من المعرفة عنه التي كانت تتم عبر دائرة مغلقة، وهو ما كان مقصود إلى حد كبير ''اللي محتاج هيدور''، ومن ثم شعور المتصل بأنه يتواصل مع شخص لا يعرفه، وبالتالي يتحدث دون خجل باعتباره ''غريب''، وهو ما يحدث في الغالب ''لأن الناس القريبة غالبا متربية على أنها تدي النصيحة''.

    لم يكن يتعامل ''أمين'' باسمه الحقيقي خلال المكالمات، فالبيانات الشخصية كانت من المحذورات، ففضلا عن عدم أهميتها بقدر المشكلة التي يمر بها الشخص، في بعض الأحيان يغضب المتصل، وقد يصل لمرحلة السباب، لذلك لا يفصح المتطوعين عن أسمائهم ''عشان محدش ياخدها على كرامته''.

    ماتت عنها قطتها، اتصلت بالمركز تخبرهم عن رغبتها في الانتحار، يتذكر ''أمين'' السيدة التي كانت مسار حديث المركز، ربما في نظر كثير قصة سطحية، لكن المتطوعين تعاملوا معها كغيرها من الحالات، فهكذا كان تدريبهم، الجميع سواء يفكرون أو يسعون للانتحار، وسبيلهم معهم واحد؛ الاستماع الجيد، فما وراء القطة حكاية مسن، لم تجد من تتحدث معه غير ذلك الحيوان الأليف، الذي قام بعض أقرابها بتسميمه نكاية فيها، لدفعها لذلك طمعا في الميراث.

    ''شريف''.. مبرمج كمبيوتر أثرت التجربة حياته

    خلال الفترة ذاتها ما بين 2003-2004 تطوع شريف رياض بالمركز، لا ينسب ِشريف لنفسه سوى التطوع لفترة لم تطل، يجد أن هناك من هم أفضل منه، رابطوا لسنوات من أجل هدف نبيل؛ محاولة أن يتنحى إنسان عن السعي للموت، يحنوا عليه في مكالمة ربما يعدل عن رأيه، كان ''رياض'' في السادسة عشر من عمره حينما التحق بـ''الصديق المقرب''، عرف عنه عن طريق صديق، عام واحد قضاه قبل أن تأتي له فرصة سفر بالخارج عام 2005، فيما كان المكان ''شغال قبلها يجي 10 سنين''، لم يكن له أي علاقة بعلم النفس، بل يعمل في مجال البرمجة، لكنه وجدها فرصة مختلفة للمساعدة، أثرت حياته فيما بعد.

    قاوم ''الصديق المقرب'' من أجل الاستمرار وتجاوز الأزمة المادية المتعلقة بإيجار الشقة، من الزمالك إلى شقة شارع السودان بالقرب من مزلقان ناهيا ''النقلة كانت شديدة'' حسب قول ''رياض'' لكنهم استمروا في مساعدة الناس لاستخراج مشاعرهم السلبية، لم يتعرض الشاب الثلاثيني خلال فترة تطوعه لحالة قامت بالانتحار فعليا ''غالبا اللي بينتحر مبيقولش أنا رايح انتحر لكن بينفذ على طول''، لكن الحالات المفكرة هي أكثر من تعامل معها.

    تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 75 % من حالات الانتحار في العالم وفقا لمنظمة الصحة العالمية، ورصد ''رياض'' خلال تجربته بالمركز أن نسبة كبيرة من الحالات التي استمع إليها، السبب الرئيس لرغبتها في الانتحار نابع عن الفقر والجهل حسب قوله.

    مساعدة المتصل لم تكن فقط بالاستماع لكن في حالة الشعور أنها تحتاج للعلاج، تأتي الحالة الوحيدة المسموح لها باقتراح المتطوع بأن يعرض المتحدث نفسه على طبيب، وكان هناك أطباء نفسيين، ينسقون مع المركز، متطوعين أيضا لعلاج مثل تلك الحالات.

    ''الوعي المجتمعي بالانتحار كان قليل لكن الحالات كانت كتيرة'' يقولها ''رياض'' مؤكدا خطأ اعتبار أن معدلات الانتحار في مصر زادت الفترة الحالية، لتوالي الأخبار المعلنة عن ذلك، خاصة في غياب وجود إحصائية بأعداد المنتحرين.

    تجربة التطوع أثرت حياة مبرمج الكمبيوتر؛ تعلم بسببها عدم إصدار الأحكام على الأشخاص ''الانتحار خطوة صعبة.. معناها إن الشخص استنفز كل الحلول المطروحة لمشكلته أيا كان مشكلته إيه''، فضلا عن أسلوب التعامل مع الشخص الشاعر بالاكتئاب، والذي لا يريد سماع عبارات مثل ''كلنا تعبانين.. أنت ضعيف الايمان'' وغيرها، معتبرا أن وجود المركز كان مهم ''مش بيخلي وضع الناس أفضل لكن تمشي حالها وماتروحش تقطع شراينها''.

    نورا.. ماضي تطوع وحاضر مهنة

    حب التطوع وعلم النفس كانا متلازمين عند نورا سمير، لم تتخيل يوما أن يجتمعا في مكان واحد غير نفسها، حتى قرأت إعلان صغير بمجلة مصرية تصدر باللغة الإنجليزية، تدخل الزمن في نسيانها الاسم، لكن فضلها في المعرفة بوجود مركز يساند المنتحرين لم تخونه ذاكرتها، كانت الفتاة طالبة بكلية طب قصر العيني حينما مهدت لها الصدفة عن طريق صديق، لمعرفة كافة التفاصيل عن المركز، دون تردد اتصلت هاتفيا، وأجرت مقابلة عبره، ومن ثم التقت شخصيا بالقائمين عليه للتطوع معهم، تلقت التدريب قبل العمل الذي بدأ عام 2003 واستمر حتى أغلق المركز أبوابه لقلة الموارد حسب قولها.

    ترى الطبيبة الشابة أن التجربة كانت مثل غيرها من التجارب، التطوع بها يضفي إيجابية خاصة ''لما تكون حاجة حاسة بقيتها ومؤمنة بها''، لكنها أدركت مع الممارسة ''أن الموضوع ليس كما تخيلت ''أنه بسيط.. أو أن لما تدي حب وإيجابية كفاية''، لكن العزاء كان في فكرة أن وجودها يعطي دافعة إيجابية لمن يتصل، خاصة أن من يفكر بالانتحار ويتحدث عن ذلك في الغالب يكون بحاجة للمساعدة حسب قولها، وهو ما كان يقوم به المتطوعون بالمركز، رغم أنه ما كان دائما بيدهم حل المشاكل وتحييد المفكر بالانتحار للتراجع عن ذلك الفكر ''وكان كتير مطلوب تدخل من دكاترة متخصصين نفسيين''.

    التجربة بالتواصل مع فئات مختلفة الثقافة، العمر، الأسباب التي تدفعها لتجد السبيل الوحيد أمام، كانت دافع لطالبة كلية الطب حينها، أن تتخصص بدراسة علم النفس بدء من 2004، لتعلن تفرغها الكامل له في 2007، أثرتها تلك الفترة على المستوى الشخصي والعملي ''عيني اتفتحت أكتر على المجتمع وتفاصيله ومشاكله.. وكدكتورة نفسية تعلمت حاجات للأسف متعلمتهاش من الجامعة''.

    مع توالي حالات الانتحار العلني ''الجديد علينا'' كما تجده ''سمير''، والذي برأيها ''في منتهى الخطورة ومحتاج دراسة ومناقشة من متخصصين''، وفي ظل غياب الاحصائيات الحقيقة لحالات الانتحار ''عشان ثقافة أنها من المحرمات وكمان الملاحقة القانونية''، تتذكر الطبيبة النفسية المركز، يوم أن توقف نشاطه ''مش عارفة عشان ثقافتنا ما بتهتمش بالأنشطة التطوعية ولا لأن مكنش عندنا معرفة إزاي نجمع تبرعات''، كثيرا ما راودها إعادة تجربة ''الصديق المقرب'' لكنها تتراجع لعدم توافر الإمكانيات التنظيمية –مال وفريق عمل ومكان-، فطبيعة عملها جعلها تدرك أن وجود مثل هذه التجربة ''مهمة وخطيرة''.

     

    لمتابعة أهم وأحدث الأخبار اشترك الآن في خدمة مصراوي للرسائل القصيرة للاشتراك ...اضغط هنا

    إعلان

    إعلان

    إعلان