إعلان

عزيب الحفر.. حكاية واحة خبأت الرحالة من غضب الصحراء البيضاء

كتب : محمد الباريسي

06:18 ص 22/08/2026

تابعنا على

واحة صغيرة أخفت حكايات كبيرة في قلب الصحراء وسط امتداد الرمال والتكوينات الصخرية الفريدة في الصحراء البيضاء، وعلى بعد نحو 25 كيلومترًا من الطريق الأسفلتي الرابط بين واحة الفرافرة والواحات البحرية، تظهر كتلة خضراء وسط المشهد الصحراوي؛ إنها عزيب الحفر، إحدى المناطق التي ارتبط اسمها لعقود طويلة برحلات التجارة وحياة أبناء الفرافرة، قبل أن تتحول إلى محطة مهمة لزوار الصحراء البيضاء وعشاق سياحة السفاري.

وراء أشجار النخيل المتلاصقة في عزيب الحفر حكايات تعود إلى زمن كانت فيه الجمال وسيلة السفر الرئيسية، والصحراء طريقًا للتجارة، وكانت الواحة الصغيرة بمثابة نقطة أمان للرحالة في مواجهة الرياح والرمال.

لماذا سميت "عزيب الحفر"؟

قال الدكتور محمد جبريل، باحث بمحمية الصحراء البيضاء بالفرافرة وأحد أبناء الواحة، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن كلمة "عزيب" في اللهجة الواحاتية المستخدمة في واحة الفرافرة تشير إلى تجمع كثيف من أشجار النخيل حول عين جوفية تتولى ريها.

وأوضح جبريل أن عزيب الحفر تبدو للناظر إليها من مسافة بعيدة وكأنها مجموعة من أشجار النخيل القصيرة، لكن مع الاقتراب منها يكتشف الزائر أنها أشجار مكتملة النمو ومتلاصقة.

وأضاف أن كلمة "الحفر" ارتبطت بموقع أشجار النخيل داخل منطقة منخفضة، ما يجعل من يشاهدها من بعيد يتخيل أن الأشجار موجودة داخل حفرة.

محطة على طريق التجارة

وترتبط قصة عزيب الحفر بتاريخ طويل من رحلات التجارة التي نظمها أهالي واحة الفرافرة بالجمال، واستمرت حتى فترة تقترب من نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

وبحسب جبريل، كان أبناء الواحة يعبرون الصحراء لبيع منتجاتهم من البلح والزيتون والمشمش والقمح، وشراء احتياجاتهم الأساسية، وكانت عزيب الحفر واحدة من أبرز محطات الاستراحة على الطريق.

ولم يكن اختيار المكان للراحة عشوائيًا؛ فالمنخفض الطبيعي وكثافة أشجار النخيل جعلا المنطقة ملاذًا آمنًا للرحالة خلال العواصف الترابية.

وأوضح جبريل أن الرمال تتجمع في أشكال هلالية ودائرية حول أطراف العزيب بعيدًا عن المنطقة الوسطى وأشجار النخيل، وهو ما كان يسمح للمسافرين بالاحتماء داخلها حتى تهدأ الرياح.

من قوافل الجمال إلى سياحة السفاري

ومع تغير وسائل النقل وتراجع رحلات التجارة التقليدية، لم تفقد المنطقة قيمتها، لكنها انتقلت من محطة للرحالة إلى أحد المزارات التي يقصدها زوار الصحراء البيضاء.

وقال محمد سالم، مفتش آثار بمركز الفرافرة، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن المنطقة تمثل جزءًا مهمًا من التراث المحلي، مشيرًا إلى أن سياحة السفاري والمخيمات الصحراوية أصبحت مصدر دخل لعدد من أبناء واحة الفرافرة.

وأضاف أن تاريخ المنطقة يرتبط كذلك بعيون المياه القديمة، وفي مقدمتها عين خضرا، التي تعد من أشهر العيون الرومانية بالمنطقة، وكان أهالي الفرافرة يطلقون عليها اسم "الوِطن"، إلى جانب عين الوادي الواقعة في منخفض عاش به السكان قديمًا.

وأشار سالم إلى أن السكان انتقلوا إلى قصر الفرافرة، أو مدينة الفرافرة الحالية، عام 1840، وبعد ذلك أصبحت المنطقة محطة لسقاية الجمال واستراحة للمسافرين في طريقهم إلى الواحات البحرية أو وادي النيل ضمن رحلات التجارة، لبيع منتجات الواحة وشراء السكر والاحتياجات الأخرى.

الصحراء البيضاء.. محمية منذ 2002

وتعود الحماية الرسمية لمنطقة الصحراء البيضاء إلى عام 2002، عندما صدر قرار باعتبارها محمية طبيعية، لتصبح واحدة من أبرز المقاصد البيئية والسياحية في الوادي الجديد.

وتبلغ مساحة المنطقة المحمية نحو 3010 كيلومترات مربعة، بينما تصل المساحة الإجمالية إلى نحو 6 آلاف كيلومتر مربع.

وتضم المحمية ثلاث عيون مياه رئيسية، هي عين خضرا وعين السرو وعين المكفي، وتحيط بها أشجار النخيل والمزروعات، فيما توفر المياه للحيوانات وتمثل نقاط استراحة لزوار المحمية.

واليوم، لا تزال عزيب الحفر شاهدة على تحول المكان عبر الزمن؛ فمن محطة كانت تنتظر عندها قوافل الجمال انتهاء العاصفة، إلى مزار يقصده عشاق سياحة السفاري لاستكشاف فصل حي من تاريخ واحة الفرافرة.

إقرأ أيضا:

محافظ الوادي الجديد تتابع حصاد البرحي في شرق العوينات

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان