إعلان

إيطاليا تعرض وساطتها بشأن مياه النيل بين مصر وإثيوبيا.. ماذا يمكن أن تقدم؟

كتب : محمود الطوخي

12:08 ص 07/09/2026

إيطاليا تعرض وساطتها بشأن مياه النيل بين مصر وإثيو

تابعنا على

تكتسب المساعي الرامية لفك الجمود الدبلوماسي في ملف حوض النيل زخما جديدا مع طرح روما مبادرة لتيسير الحوار؛ إذ يعيد هذا التحرك الأوروبي تسليط الضوء على جوهر الخلاف الفني والقانوني المحتدم، ويفتح باب التساؤلات حول الأدوات التفاوضية والاقتصادية التي تملكها إيطاليا لدفع أطراف مصر وإثيوبيا نحو طاولة التفاهم المشترك.

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، استعداد روما للعب دور الوسيط بين مصر وإثيوبيا؛ لتسوية الخلافات المتراكمة حول سد النهضة ومياه النيل الأزرق.

وجاء هذا الطرح خلال زيارته إلى القاهرة عقب انعقاد أعمال اللجنة العليا المصرية الإيطالية المشتركة يوم 3 سبتمبر الجاري، وخلال مؤتمر صحفي عقده مع وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي.

وأوضح تاياني، أن الحكومة الإيطالية على أتم الاستعداد لاستضافة جلسات الحوار المشترك في روما خلال الأسابيع القليلة المقبلة حال توافرت الرغبة السياسية لدى البلدين، مؤكدا أن أية تسوية يجب أن ترتكز على احترام قواعد القانون الدولي، مع الإشارة إلى إمكانية توظيف علاقات روما الإيجابية مع أديس أبابا للمساعدة في تقريب وجهات النظر.

وحتى الآن، لا تشير المعطيات إلى اكتمال أركان الوساطة الإيطالية؛ إذ لم يصدر تفويض رسمي مشترك من جانب القاهرة وأديس أبابا، ولم يُعلن عن تدشين آلية تفاوضية ثلاثية أو تحديد جدول زمني لانطلاق محادثات في روما، وهو ما يحصر التحرك الراهن في إطار عرض لتسهيل التواصل واختبار النوايا أكثر من كونه مسارا تفاوضيا فعليا.

الموقف المصري وأولويات مفاوضات سد النهضة

احتل ملف الأمن المائي صدارة جدول أعمال اللجنة العليا المصرية الإيطالية؛ حيث أكد عبد العاطي أن أي مساس بحصة مصر المائية يعد "مسألة وجودية" ترتبط مباشرة بمرتكزات الأمن القومي المصري.

وجاء البروتوكول الموقع بين وزيري خارجية البلدين ليؤكد مساندة إيطاليا لمبادئ القانون الدولي، مع التركيز على الالتزام الصارم بمبدأ عدم التسبب في أية أضرار، وتحفيز بلدان حوض النيل على التنسيق والامتناع التام عن فرض الأمر الواقع عبر إجراءات أحادية الجانب.

وتتطابق هذه المحددات مع المقاربة المصرية الثابتة، والتي تشدد على ضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم وشامل ينظم آلية ملء وتشغيل السد، ويحدد بدقة تدابير التعامل مع مواسم الجفاف والجفاف الممتد، فضلا عن آليات تبادل البيانات والإخطار المسبق وفض المنازعات، مع الرفض القاطع لأي تشغيل منفرد يهدد تدفقات النيل.

ورغم ذلك، لا يعني الترحيب المصري بالمرتكزات القانونية التي دعمتها إيطاليا قبولا فعليا بنقل ملف التفاوض إلى روما أو تفويضا مطلقا لها؛ إذ تضع القاهرة مضمون الاتفاق وضماناته القانونية الملزمة كأولوية تسبق المفاضلة بين العواصم المضيفة أو هوية الأطراف الوسيطة.

الرؤية الإثيوبية وعقبات مفاوضات سد النهضة

في المقابل، لم تسجل أديس أبابا أي موقف معلن بقبول المبادرة الإيطالية أو رفضها، غير أن الخطاب السياسي المعتمد في إثيوبيا يرسم الحد النهائي لأي وساطة مرتقبة؛ إذ تتشبث بما تعتبره "الاستخدام المنصف والمعقول لموارد النهر، وتؤكد حقها غير القابل للتصرف في التنمية وتوليد الطاقة".

وترفض أديس أبابا بصورة حاسمة أية صيغ تتيح لدول أخرى التدخل في إدارة سد النهضة أو فرض ما اعتبرته "وصاية مشتركة" على تشغيله.

وتجادل إثيوبيا، بأن ما تعتبره دولتا المصب "حقوقا تاريخية" تستند إلى معاهدات لم تكن طرفا فيها، ما يشكل جوهر النزاع القائم بين تمسك مصر بضوابط فنية ملزمة وقابلة للتحقق، ورفض إثيوبيا لأي قيود تزعم أنها انتقاص من سيادتها الوطنية.

مسارات التيسير السياسي والدعم الفني

تتمثل المساهمة الإيطالية في توفير حاضنة سياسية ومنصة تفاوضية محايدة تتيح للقاهرة وأديس أبابا استكشاف فرص التقارب دون إلزام أي طرف بالتراجع المسبق عن ثوابته، غير أن تفعيلها يظل رهنا بالتوافق المشترك، وبالمشاركة الضرورية للسودان بوصفه دولة مصب تتأثر منشآته بصورة مباشرة بأنماط التشغيل على النيل الأزرق.

ويوفر إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم في مارس 2015 قاعدة مرجعية صالحة للبناء عليها؛ لنصه الصريح على التعاون في تحديد قواعد الملء والتشغيل السنوي، والإخطار بالحالات الطارئة، وإنشاء قنوات تنسيق وزارية لتبادل البيانات الفنية، وإتاحة طلب التوفيق أو الوساطة عند تعثر الحلول المباشرة.

من هنا، يمكن للجهد الإيطالي التركيز مبدئيا على المسائل الإجرائية القابلة للقياس، مثل بروتوكولات تبادل بيانات المناسيب والتصريف اليومي، وضوابط التعامل مع سنوات شح الأمطار، وأنظمة الإنذار المبكر والتحقق الفني، دون أن يترجم ذلك إلى خطة فنية معتمدة، بل مجرد مساحات حوارية تحظى بقبول مبدئي استنادا إلى توافقات الدول الثلاث عام 2015.

توظيف الخبرة الأوروبية وثقل شركة "ويبيلد"

أكد الاتحاد الأوروبي مرارا، استعداده للانخراط في المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي، عارضا خبراته المتراكمة في حوكمة وإدارة الأحواض المائية المشتركة حال رغبت الأطراف في ذلك.

وبحكم عضويتها الفاعلة في التكتل الأوروبي، تستطيع روما تعبئة هذا الإسناد الفني، شريطة أن يعمل كداعم للمظلة الإفريقية وليس بديلا عنها لضمان القبول الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، تتمتع روما بميزة تقنية وتجارية إذ تولت شركة "ويبيلد" الإيطالية مهام تصميم وتشييد سد النهضة لصالح هيئة الكهرباء الإثيوبية، وفقا لما ذكرته الشركة عبر موقعها الإلكتروني.

ومع ذلك، فإن هذه الصلة التنفيذية لا تمنح الحكومة الإيطالية أية سلطة على القرارات التشغيلية، كما أنها تفرض تحديا دقيقا أمام إثبات الحياد الدبلوماسي؛ إذ تقتضي قواعد الوساطة فصل المصالح التجارية عن المساعي السياسية، وضمان ألا ينظر إلى الشركة المنفذة كطرف تحكيمي، بل بصفتها قناة خبرة تندمج ضمن فريق استشاري دولي متعدد الأطراف تقبله أطراف النزاع الثلاثة.

مبادرة "ماتي" وحدود التأثير الاقتصادي

تطرح روما خطة "ماتي" للتنمية في إفريقيا كإطار استراتيجي للشراكات والاستثمار يشمل مجالات المياه، والطاقة، والزراعة، والبنية التحتية، بالتنسيق مع الاتحادين الأوروبي والإفريقي والمنظمات المالية الدولية.

وتتضمن الخطة مشروعات تنموية في البلدين؛ من بينها دعم إنشاء محطة للطاقة الشمسية في مصر، وبرامج للتطوير المناخي والاقتصاد الأخضر في إثيوبيا، إلى جانب إبرام توقيع اتفاقية قرض ميسر بين إيطاليا وإثيوبيا في يونيو 2026 بقيمة 70 مليون يورو لدعم مسار الإصلاح الاقتصادي الممول من البنك الدولي، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الإثيوبية.

وتعكس هذه المعطيات امتلاك روما شبكة علاقات اقتصادية نشطة ومؤثرة مع الجانبين؛ إذ تعد إيطاليا الشريك التجاري الأوروبي الأول لمصر بحجم تبادل يقارب 5.9 مليار يورو في عام 2025 بحسب بيانات الخارجية الإيطالية.

محددات الوساطة وآفاق نجاح المبادرة

ورغم تلك المعطيات، فإن أية مساعٍ إيطالية تصطدم بحدود واضحة ومعلنة؛ إذ تعجز روما عن فرض حلول قسري، أو منح القاهرة ضمانات تدفق أحادية، أو تعديل الالتزامات القانونية القائمة، أو تجاوز القيادة الإفريقية للنزاع.

وتفرض معايير الأمم المتحدة للوساطة شروطا واضحة تشمل موافقة كافة أطراف النزاع، والتزام الحياد واحترام الملكية الوطنية للاتفاقيات، وتكامل الجهود الدولية.

ولذلك، فإن فرص التحرك الإيطالي تبدو أكثر واقعية في تيسير الحوار المبدئي، وتحريك الملفات الفنية المتعلقة بالبيانات ومواسم الجفاف، وبناء تدابير الثقة، مقارنة بقدرتها على إنجاز تسوية سياسية شاملة بصورة خاطفة.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان