تثير وثائق عسكرية مسربة من داخل وزارة الدفاع الأمريكية تساؤلات حول كيفية إدارة الرأي العام وتوثيق النزاعات المسلحة، بعدما كشفت تعليمات سرية وجهت لضباط الجيش الأمريكي بحظر استخدام مسمى "عملية الغضب الملحمي" لوصف الضربات والعمليات العسكرية الجارية ضد إيران، في مسعى لتأطير الصراع تحت مسميات إدارية عامة تزامنت مع تعديلات غير معلنة في السجلات الرسمية طالت تصنيف القتلى والمصابين من الجنود الأمريكيين.
وأفادت شبكة "سي بي إس نيوز" بحصولها على رسالة بريد إلكتروني صادرة عن القوات الجوية الأمريكية في 7 أغسطس الماضي، تثبت صدور توجيهات من المكتب المركزي للشؤون العامة لوزير الدفاع بيت هيجسيث، بإشراف المتحدث باسم البنتاجون شون بارنيل، تطالب كبار القادة وضباط الإعلام بالتوقف عن استخدام مسمى عملية "الغضب ملحمي" والاستعاضة عنه بتوصيف "العمليات الخارجية في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية"، مع حظر نشر أي معلومات حول الصراع دون إذن مسبق من قيادة سنتكوم.
تناقضات تاريخ الانتهاء الرسمي لعملية الغضب الملحمي
أوضح مسؤولو البنتاجون أن "عملية غضب ملحمي" اختتمت رسميا في 5 مايو الماضي بالتزامن مع تصريح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن تلك المرحلة انتهت وأنه جرى الانتقال نحو "مشروع الحرية"، وهو اليوم نفسه الذي أعلن فيه الرئيس دونالد ترامب تجميد المشروع مؤقتا للتفاوض عقب إبلاغه الكونجرس بانتهاء الأعمال العدائية.
لكن هذا التاريخ يتعارض مع الواقع الميداني الذي شهد جولات قصف دورية وتبادل نيران متقطع عقب انهيار هدنة أبريل، وصولا إلى إخطار ترامب للكونجرس عبر رئيس مجلس الشيوخ المؤقت تشاك جراسلي في 7 يوليو باستئناف العمل العسكري، ما جعل التوجيه الصادر في أغسطس محاولة متأخرة للتغطية على صراع لم يتوقف فعليا.
التلاعب بسجلات الخسائر البشرية وتعديل بيانات الضحايا
يرتبط تاريخ انتهاء العمليات بمعايير عسكرية صارمة تحدد استحقاق الأوسمة ومراقبة الكونجرس للخسائر.
وتكشف السجلات الرقمية للبنتاجون تصنيف 4 عسكريين قُتلوا في يوليو بالشرق الأوسط كضحايا لـ"عملية غضب ملحمي" بعد شهرين من انتهائها المزعوم، إثر قصف صاروخي إيراني استهداف قاعدة جوية في الأردن في 18 يوليو، وبانفجار مسيرة في 19 يوليو بالعراق.
وبعد أيام قليلة نُقلت أسماء العسكريين القتلى إلى فئة مستحدثة تدعى "العمليات الخارجية"، ما خفض حصيلة قتلى "الغضب الملحمي" آليا من 18 إلى 14 قتيلا تحت مبرر "خلل مؤقت في البيانات" وفق تبريرات المتحدث شون بارنيل.
ضبابية تصنيف العمليات ومستقبل النزاع المفتوح
يختلف هذا النهج المبهم عن التقاليد العسكرية للجيش الأمريكي التي توثق بدقة بدايات ونهايات الحروب كـ"عملية الحرية الخالدة" في أفغانستان التي امتدت من 7 أكتوبر 2001 حتى 31 ديسمبر 2014 قبل تحولها إلى "عملية حارس الحرية".
ولا يزال نظام تحليل الخسائر التابع للبنتاجون يدرج إصابة 5 عسكريين في يونيو ومقتل عسكري في يوليو ضمن "الغضب الملحمي" دون تدوين تاريخ رسمي لاختتامها، في وقت تواصل فيه القوات الأمريكية شن ضربات بحرية وجوية لتأمين الملاحة وردع الحرس الثوري الإيراني، ما يكرس حالة من الضبابية حول التكلفة الحقيقية للحرب الممتدة في المنطقة.