خلال مشاركتها في اجتماع مجلس الأمن الدولي أمس الخميس، ألقت الدكتورة رانيا المشاط وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"، كلمة بشأن ضمان حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية، اللذان يشكلان ركيزة أساسية لحماية مسارات التنمية وتعزيز الاستقرار وصون الاقتصاد العالمي، لا سيما مع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وأوضحت المشاط، خلال مشاركتها في اجتماع مجلس الأمن بصيغة "آريا"، الذي انعقد بمبادرة من مملكة البحرين تحت عنوان "بحار آمنة، أمن مشترك، حماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة"، أن الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط كشفت مجددًا أهمية الجغرافيا في حركة التجارة العالمية، مؤكدة أن "الجغرافيا عادت، وعادت بقوة"، في إشارة إلى الترابط بين الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب والموانئ والممرات المرتبطة بها.
الممرات تشكل منظومة مترابطة
ولفتت المشاط خلال كلمتها، إلى أن الممرات البحرية تعمل ضمن منظومة واحدة مترابطة، تنقل الطاقة والغذاء وحركة التجارة إلى مختلف أنحاء العالم، محذرة من أن اضطراب أي جزء من هذه المنظومة قد يمتد أثره إلى السلسلة بأكملها. وأوضحت أن تداعيات الاضطرابات لا تتوقف عند حركة السفن، بل تصل إلى الموانئ والأسواق والمستهلكين، وتنعكس على أسعار الطاقة والغذاء، والعمالة، وسلاسل الإمداد، والاستثمار.
وأشارت الدكتورة رانيا المشاط، إلى أن مضيق هرمز يستحوذ على نحو 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، ونحو 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، بينما تمثل دول مجلس التعاون الخليجي ما بين 20% و40% من صادرات الأمونيا والأسمدة والكبريت والألمنيوم.
150 مليار دولار تكلفة النزاع خلال الشهر الأول
وكشفت "المشاط" خلال كلمتها أمام مجلس الأمن، استنادًا إلى تقديرات الإسكوا، أن تكلفة النزاع خلال الشهر الأول من الأزمة وصلت إلى نحو 150 مليار دولار، بما يعادل قرابة 4% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي.
وأكدت أن الخطر لا يرتبط فقط بإغلاق أحد الممرات البحرية، وإنما يبدأ أيضًا عندما يتحول العبور من خلاله إلى مخاطرة تعجز شركات النقل والتأمين عن تحملها. وأوضحت أن ارتفاع مستوى المخاطر يؤدي إلى تراجع حركة التجارة وارتفاع تكاليفها، قبل أن تنتقل هذه الزيادة في النهاية إلى المستورد ثم إلى المستهلك.
تحديات إضافية أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
وأوضحت "المشاط" أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل غالبية مؤسسات الأعمال العربية، تواجه ضغوطًا إضافية، في ظل محدودية قدرتها على تنويع الموردين والأسواق، إلى جانب صعوبة الحصول على التمويل. وحذرت من أن ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن قد ينعكس على مستويات الإنتاج والتشغيل.
كما أشارت إلى أن تأثيرات الأزمة لا تطال دول المنطقة بالدرجة نفسها، موضحة أن 9 دول عربية من أصل 22 دولة كانت، قبل اندلاع الأزمة، إما تعيش نزاعات أو تخرج منها، في وقت تواجه فيه تحديات مرتبطة بالبنية الأساسية، والحيز المالي، والاعتماد على واردات الغذاء والوقود.
مواجهة التحديات الراهنة
وشددت المشاط على أن الصمود الاقتصادي يمثل جزءًا من صمود السلام، وأن أمن الممرات البحرية ليس غاية في حد ذاته، بل شرط لحماية التنمية.
وطرحت المشاط ثلاث ركائز لمواجهة التحديات الراهنة، تشمل صون حرية الملاحة وضمان سلامة السفن المدنية والتجارية وفقًا للقانون الدولي، ومنع اتساع الصراع واحتواء تداعياته العابرة للحدود، وتعزيز الجاهزية الإقليمية والقدرة على الصمود لحماية الإمدادات واستمرار الخدمات.
فريق إقليمي للنقل واللوجستيات
ونوهت بأن الإسكوا أطلقت، بالتعاون مع الدول العربية، فريق عمل إقليميًا للنقل واللوجستيات وسلاسل الإمداد، بهدف دعم الاستجابات وفتح حوار فني حول المرونة واستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر، إلى جانب بحث آليات للتنسيق والرصد المبكر وتطوير غرف عمليات لإدارة الأزمات.
وأكدت المشاط ضرورة زيادة الاستثمارات في الموانئ وشبكات الربط البري والسككي والبحري، والعمل على إنشاء شبكة متكاملة تضم مسارات رئيسية وأخرى داعمة، بما يمنح الدول بدائل متعددة تضمن استمرار تدفق السلع والإمدادات.
واختتمت المشاط كلمتها بالتأكيد على أن "الجغرافيا تحدد، لكنها لا تحتم"، مشيرة إلى إمكانية تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر قوة في مجال الربط، وتحويل تعدد الممرات إلى قدرة على مواصلة التدفق، والاستفادة من التعاون الإقليمي كآلية لحماية مسارات التنمية.
وأضافت: "لقد عادت الجغرافيا، وعادت بقوة. علينا أن نواجه قوة الجغرافيا بقوة التعاون"، مؤكدة أن التطورات التي تشهدها المنطقة لا تظل تداعياتها محصورة داخلها، وأن الحفاظ على استقرار المنطقة يسهم بدوره في حماية الاقتصاد العالمي.
جلسة بتنظيم البحرين
وعقد مجلس الأمن الدولي الخميس، جلسة بصيغة "أريا"، بتنظيم من مملكة البحرين، بعنوان "بحار آمنة، أمن مشترك: حماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة"، وذلك في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
ويأتي هذا الاجتماع استكمالًا لجلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى التي عقدها مجلس الأمن حول الأمن البحري بدعوة من مملكة البحرين خلال رئاستها للمجلس في أبريل 2026، وفي ضوء المستجدات التي شهدتها الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر في أعقاب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتعطيل حركة الملاحة البحرية فيه.
واستهدفت الجلسة الانتقال من مرحلة تحديد المخاطر إلى تعزيز القدرة العملية على الوقاية من الاضطرابات البحرية الكبرى والاستعداد لها والتصدي لها والتعافي منها. وشارك في الجلسة أكثر من خمسين متحدثاً، حيث قام بتقديم الإحاطات كل من: الدكتورة رانيا المشاط، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، وبيدرو مانويل مورينو، نائب الأمين العام والأمين العام بالإنابة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، وبياتي أندريس، نائبة المدير العام لمنظمة العمل الدولية، وتوماس كازاكوس، الأمين العام للغرفة الدولية للملاحة البحرية.