سجلت الطائرات المسيرة الروسية قفزة تقنية مكنتها من مضاعفة سرعتها ومدياتها القتالية لتتحول إلى أسلحة شبيهة بصواريخ كروز، ما دفع طهران إلى طلب تزويدها بطرازات حديثة من تلك المنظومات لاستخدامها في المواجهة مع إسرائيل وأمريكا.
وكشفت صحيفة "فايننشال تايمز" نقلا عن مسؤولين أمنيين غربيين ومصدر مقرب من الكرملين، أن موسكو أدخلت تحسينات واسعة على طائرات "جيران" التي انطلق إنتاجها محليا عام 2023 اعتمادا على التصميم الأساسي لطائرات "شاهد" الإيرانية، لتعيد تقديمها بقدرات تفوقت على النسخ الأصلية.
الفوارق التقنية وإمكانات مسيرات جيران
تظهر البيانات الفنية تطورا متسارعا بين أجيال هذه المسيرات؛ إذ اقتصر الجيل الأول "جيران-1" على حمل رأس متفجر بوزن 20 كيلوجراما وبسرعة لا تتجاوز 185 كيلومترا في الساعة، تلته نسخة "جيران-3" الأقل قوة بسرعة تقارب 300 كيلومتر في الساعة، ثم طراز "جيران-4" الذي زود بهيكل معدل لرفع كفاءته الديناميكية في الجو.
وبرز التحول الأكبر مع دخول طراز "جيران-5" المزود بمحركات نفاثة، والذي نشرته القوات الروسية لأول مرة في يناير الماضي؛ حيث يقترب هيكله من تصميم صواريخ كروز، وتبلغ سرعته 600 كيلومتر في الساعة بمدى يصل إلى 1000 كيلومتر مع رأس حربي يزن 90 كيلوجراما.
ودعمت موسكو هذه النسخ بكاميرات حرارية، وأنظمة توجيه تعمل بالذكاء الاصطناعي، وهوائيات مضادة للتشويش الإلكتروني، إلى جانب أجهزة مودم شبكية لاسلكية صينية الصنع.
وأوضح مستشار وزير الدفاع الأوكراني سيرهي بيسكريستنوف آلية الاستهداف الميداني قائلا: "يطير المشغل الروسي على ارتفاع يتراوح بين 2 و5 كيلومترات، ويكتشف الهدف، ثم يقفل عليه عبر الكاميرا، لتبدأ طائرة شاهد بالهجوم تلقائيا"، مؤكدا تجهيز الغالبية العظمى من الطائرات النفاثة المهاجمة بتلك العدسات الحرارية.
كواليس الإنتاج وسرعة التطوير في روسيا
استفادت المصانع الروسية من الإشراف المركزي لتسريع وتيرة الابتكار وتعديل الطائرات وفق مجريات القتال في وقت وجيز، وبكلفة مالية منخفضة مقارنة بالصواريخ الباليستية والمجنحة.
وأشار مدير "مركز تحليل الاستراتيجيات والتكنولوجيات" في موسكو روسلان بوخوف، إلى أن تصنيع هذه الطائرات أيسر بكثير من إنتاج الدبابات التي تستلزم معدات معقدة وباهظة، مبينا أن المطورين تجاوزوا فترات الاختبار الطويلة ونقلوا التعديلات إلى خطوط القتال مباشرة لمعالجة الثغرات دون تعطيل وتيرة العمل.
أزمة الدفاع الجوي ومساعي اعتراض مسيرات جيران
فرض هذا التطور ضغوطا غير مسبوقة على شبكات الدفاع الجوي في أوكرانيا؛ حيث أعلن المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية يوري إحنات أن بلاده تعترض نحو 60% فقط من المسيرات النفاثة، مقارنة بنسب صد تراوحت بين 90% و95% ضد الطرازات السابقة، ما اضطر سلاح الجو للاعتماد المكثف على المقاتلات وإسقاط المسيرات بالمدافع الرشاشة وسط مخاطر عملياتية بالغة، تزامنا مع شح الصواريخ المضادة ووقف نشر المعدلات اليومية لصد الصواريخ البالستية منذ الصيف.
وفاجأ تركيز موسكو على نسختي "جيران-4" و"جيران-5" الأوساط العسكرية في كييف؛ حيث صرح ممثل شركة "وايلد هورنيتس" المنتجة لمسيرة "ستينج" الاعتراضية لصحيفة "فايننشال تايمز" بصعوبة توقع هذا المسار، كاشفا عن وضع اللمسات النهائية لمسيرة اعتراضية متخصصة في ملاحقة الذخائر النفاثة، في حين أعلن الرئيس الأوكراني زيلينسكي انخراط 67 شركة محلية في ابتكار حلول مضادة لتلك الطرازات.
تحويل المسيرات لصواريخ كروز
وصف مدير مجموعة "روشان كونسلتينج" البولندية المحلل العسكري كونراد موزيكا هذا التحول بـ"تحويل المسيرات إلى صواريخ كروز"، متوقعا تزويدها قريبا بتقنيات التخفي عن شاشات الرادار، ما يرفع تكاليف تدميرها مستقبلا.
ورغم ارتفاع تكلفة الطرازات النفاثة مقارنة بالنسخ الأولى، إلا أنها تبقى أقل سعرا من صواريخ "كالبر" و"كيه إتش-101" التي استخدمتها روسيا منذ عام 2022، ما يوسع بنك أهدافها العسكرية.
وتوظف موسكو هذه المنظومات رفقة صواريخ "باندرول" منخفضة التكلفة لضرب المستودعات والموانئ المطلة على البحر الأسود؛ إذ رصد المحلل العسكري في مجموعة "إنفورميشن ريزيستانس" أولكسندر كوفالينكو تحليق أحد صواريخ "باندرول" نحو أوديسا على علو 20 مترا فوق الماء مطلع سبتمبر، بالتوازي مع استخدام مقاتلات "سوخوي-25" لإطلاق طائرات "جيران-5" من مسافات آمنة خارج مدى المضادات الأوكرانية.
وأكد الخبير العسكري في الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة التابعة للرئاسة الروسية ألكسندر ستيبانوف، على أن الميدان يشهد تحولا استراتيجيا نحو اعتماد أسلحة دقيقة ومتعددة المهام تنتج بكثافة عالية وبتكاليف متواضعة لتنفيذ ضربات جماعية منسقة.