إعلان

الجيش الأقوى ينزف.. كيف تهدد حرب إيران جاهزية الجيش الأمريكي لمواجهة الصين؟

كتب : محمد جعفر

05:37 م 31/08/2026

كيف تهدد حرب إيران جاهزية الجيش الأمريكي لمواجهة ا

تابعنا على

رغم امتلاك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم، فإن القوة العسكرية الهائلة لا تبدو كافية وحدها لتجنب تداعيات القرارات الاستراتيجية الخاطئة، فبعد أشهر من الحرب مع إيران، تتزايد المؤشرات على تعرض القدرات العسكرية الأمريكية لضغوط متصاعدة، مع استنزاف مخزونات الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، وإعادة توزيع القوات والقدرات بعيدًا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في وقت تعتبر فيه واشنطن الصين التحدي الاستراتيجي الأهم على المدى الطويل.

وكانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد وصلت إلى السلطة متعهدة بإعادة بناء القوة العسكرية الأمريكية وفق نهج أطلقت عليه "الواقعية المرنة"، يقوم على التخلي عن الطموحات العسكرية الواسعة التي طبعت مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر، والتركيز بصورة أكبر على الصين، إلى جانب مطالبة الحلفاء بتحمل مسؤوليات أكبر وربط الالتزامات الخارجية بالقدرات الفعلية للولايات المتحدة.

لكن الحرب مع إيران كشفت، وفق تحليل نشرته مجلة "ناشيونال إنترست"، عن فجوة بين هذه الرؤية والممارسة الفعلية، إذ أصبحت واشنطن أمام معادلة صعبة: تحقيق أهداف عسكرية في الشرق الأوسط دون استنزاف الموارد التي تحتاج إليها لمواجهة التحديات في مناطق أخرى.

مخزونات السلاح تحت الضغط

تأتي الذخائر في مقدمة مصادر القلق، بعدما استهلكت العمليات العسكرية ضد إيران كميات كبيرة من الذخائر الأمريكية، بما في ذلك الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى وصواريخ الاعتراض المستخدمة في منظومات الدفاع الجوي.

كما تتعرض مخزونات صواريخ "باتريوت" و"ثاد" لضغوط كبيرة، في الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الأمريكية دفع شركات الصناعات الدفاعية إلى تسريع عمليات الإنتاج وتعويض ما جرى استهلاكه.

غير أن زيادة الإنتاج لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، إذ تواجه القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية اختناقات ومشكلات تراكمت على مدار سنوات، ما يعني أن إعادة بناء المخزونات التي استُنزفت خلال الحرب قد تحتاج إلى سنوات.

وهنا تبرز المشكلة الاستراتيجية الأوسع؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد الصواريخ التي أطلقت أو الطائرات التي شاركت في العمليات، وإنما بقدرة الجيش الأمريكي على الاحتفاظ بمخزون كافٍ للتعامل مع أزمات أخرى قد تندلع بصورة مفاجئة.

الشرق الأوسط يضغط على المحيط الهادئ

لم تقتصر تداعيات الحرب على المخزونات العسكرية، بل امتدت إلى انتشار القوات الأمريكية حول العالم، فقد خضعت حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" لمهمة طويلة للغاية قبل أن تدفع الحاجة العملياتية الإدارة الأمريكية إلى إرسال حاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" إلى الشرق الأوسط لتخفيف الضغط عنها.

وبذلك وجدت الولايات المتحدة نفسها لفترة دون حاملة طائرات في المحيط الهادئ، في الوقت الذي تكثف فيه الصين ضغوطها العسكرية والسياسية على اليابان وتايوان والفلبين.

وبحسب التحليل، لم تتوقف إعادة توزيع القدرات عند حاملات الطائرات، إذ جرى نقل أجزاء من منظومة الدفاع الصاروخي "ثاد" من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، وهو ما أثار مخاوف بشأن الثغرات التي يمكن أن تتركها هذه الخطوة في منظومة الدفاع عن حلفاء واشنطن في آسيا.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء تركيز الإدارة الأمريكية المعلن على الصين باعتبارها "تحدي السرعة" بالنسبة إلى وزارة الدفاع الأمريكية.
هل تتناقض الحرب مع "الواقعية"؟

تشير "ناشونال إنترست" إلى أن المفارقة تكمن في أن إدارة ترامب بررت توجهها نحو "الواقعية المرنة" بضرورة تحقيق قدر أكبر من الانضباط في السياسة الخارجية والعسكرية، أي عدم الدخول في التزامات تفوق الموارد المتاحة، لكن خوض حرب كبرى في الشرق الأوسط يفرض، بحسب منتقدي الإدارة، اختبارًا مباشرًا لهذا المبدأ.

فالواقعية السياسية لا تعني فقط إدراك أهمية القوة العسكرية، وإنما الاعتراف بحدودها أيضًا، وطرح أسئلة أساسية قبل اتخاذ القرار: ما الذي تريد الولايات المتحدة تحقيقه؟ وما الموارد المطلوبة لتحقيقه؟ وما المصالح التي تستحق استنزاف هذه الموارد؟ وما المخاطر التي ستقبل واشنطن بتحملها في مناطق أخرى نتيجة لذلك؟

ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو ما إذا كانت الإدارة قد حسبت مسبقًا تكلفة الحرب مع إيران على الجبهات الأخرى، خصوصًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

معركة اليوم أم حرب الغد؟

تواجه واشنطن معضلة استراتيجية تتجاوز نتائج العمليات العسكرية الحالية، فالقدرة على تحقيق انتصار في معركة لا تعني بالضرورة تحقيق مكسب استراتيجي إذا كان ثمن هذا الانتصار هو إضعاف القدرة على خوض الحرب التالية.

فالولايات المتحدة تستطيع، بحكم حجم جيشها واقتصادها وقدراتها الصناعية، تحمل أعباء عسكرية ضخمة، لكن استمرار استنزاف الذخائر وإطالة فترات انتشار القوات ونقل أنظمة الدفاع من مسرح عمليات إلى آخر يمكن أن يضغط تدريجيًا على الجاهزية والروح المعنوية.

وتزداد حساسية الموقف إذا كانت الصين هي المنافس الاستراتيجي الرئيسي لواشنطن، إذ إن أي تراجع مؤقت في الحضور العسكري الأمريكي بمنطقة المحيط الهادئ قد يُنظر إليه في بكين باعتباره فرصة لإعادة اختبار حدود النفوذ الأمريكي والتزامات واشنطن تجاه حلفائها.

فاتورة الحرب تتجاوز إيران

وتطرح هذه التطورات بحسب المجلة، سؤالًا حول تكلفة الخيارات العسكرية الأمريكية: فإذا كانت إدارة ترامب ترى أن الحرب مع إيران تستحق استنزاف جزء من مخزون الذخائر الدقيقة والدفاعات الجوية، فعليها في المقابل أن تحدد مستوى المخاطر الذي تقبل بتحمله في آسيا وأوروبا خلال الفترة اللازمة لإعادة بناء هذه القدرات.

كما أن إعادة بناء المخزون العسكري لا تعني فقط إصدار أوامر جديدة لشركات الصناعات الدفاعية، لأن زيادة الإنتاج تحتاج إلى سلاسل توريد مستقرة، وقدرات تصنيع ومواد أولية وعمالة متخصصة، وهي عناصر لا يمكن توسيعها بالسرعة نفسها التي يمكن بها استهلاك الأسلحة في الحرب.

ويعني ذلك أن الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج قد تتحول إلى مشكلة استراتيجية طويلة الأمد.

إرث عسكري ضخم تحت الاختبار

لم تبدأ جميع مشكلات القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية مع إدارة ترامب، إذ تعود بعض أوجه النقص إلى سنوات من ضعف الاستثمار وعدم كفاية الطاقة الإنتاجية، لكن منتقدي الإدارة يرون أن قرار خوض حرب كبرى في ظل استمرار هذه الاختلالات يزيد من حجم المخاطر بدلًا من تقليصها.

فالإدارة التي وعدت بجيش أقوى وسياسة خارجية أكثر واقعية تواجه الآن اختبارًا صعبًا لمصداقية هذه الوعود، ولا يتعلق الاختبار الحقيقي بقدرة الجيش الأمريكي على مواصلة القتال وتحقيق أهداف عسكرية في إيران، وإنما بقدرته على فعل ذلك دون التضحية بالجاهزية اللازمة لمواجهة أزمات أخرى.

فالقوة العظمى لا تقاس فقط بقدرتها على الانتصار في معركة اليوم، وإنما بقدرتها على الانتصار اليوم دون أن تفقد القدرة على الانتصار غدًا.

ومع استمرار استنزاف الذخائر وإعادة توزيع القوات والأنظمة الدفاعية بين مناطق متباعدة، تواجه إدارة ترامب معادلة أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ على تفوقها العسكري العالمي بينما تخوض حربًا تستهلك الموارد التي تحتاج إليها للحفاظ على هذا التفوق؟

وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر وفق رؤية المجلة لا يتمثل بالضرورة في أن يخسر الجيش الأمريكي معركة، وإنما في أن يؤدي سوء تقدير المخاطر وتعدد الالتزامات إلى استنزاف تدريجي للقوة الأمريكية، بحيث تتحول وفرة الموارد العسكرية من مصدر قوة إلى وهم بالقدرة غير المحدودة على تحمل الحروب.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان