بريطانيا
لم تعد مسارات الصراع بين موسكو والعواصم الغربية تقف عند حدود خطوط التماس في أوكرانيا، بل باتت التبدلات السياسية داخل مراكز صنع القرار الأوروبية بمثابة اختبار مباشر لقواعد الاشتباك وحسابات الردع المتبادل.
وفي هذا السياق، تحول انتقال السلطة في لندن من فرصة كانت تراهن عليها روسيا لخفض وتيرة التصعيد، إلى محطة جديدة لتعميق الشراكة العسكرية والاستخباراتية بين بريطانيا وكييف؛ وهو ما نقل الموقف من إطار الدعم الدبلوماسي واللوجستي المعتاد إلى دائرة الاحتكاك الأمني المعقد الذي يضع الداخل البريطاني في مواجهة احتمالات رد غير تقليدي.
وقد أفادت صحيفة "دايلي ميل" البريطانية، أن رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام تلقى تحذيرات استخباراتية من احتمالات تعرض بلاده لرد عسكري غير مباشر من جانب موسكو، في أعقاب خطواته لتوسيع التحالف العسكري مع كييف، والتي أنهت آمال الكرملين في تراجع القيادة الجديدة في "داونينج ستريت" عن نهج سلفه كير ستارمر.
تبدد رهانات موسكو وتصاعد الشراكة العسكرية مع كييف
استندت تقديرات الاستخبارات الروسية في البداية إلى إمكانية تبني بيرنهام مواقف أكثر مرونة في ملف النزاع، غير أن زيارته الأولى خارج البلاد إلى أوكرانيا حسمت مسار الدعم البريطاني، بعد تزويد كييف بمخططات صواريخ بعيدة المدى كانت مصنفة في دائرة السرية وتقنيات ذكاء اصطناعي للعمليات العسكرية، في مقابل حصول لندن على بيانات ميدانية وصفت بأنها بمثابة "المنجم الذهبي" لتعزيز قدراتها الأمنية.
أثار هذا الموقف غضب موسكو؛ إذ أعلن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن نقل تكنولوجيا الصواريخ يسهم في "صب الزيت على النار" ويعطل مسارات التسوية، مع وصفه بريطانيا بأنها طرف يشارك في الحرب، في وقت يواجه فيه الرئيس فلاديمير بوتين ضغوطا داخلية متزايدة لاتخاذ خطوات رادعة، بينما تسعى روسيا لحشد 300 ألف جندي لتعويض خسائرها المقدرة بنحو 1.5 مليون مقاتل بين قتيل وجريح منذ عام 2022، وفق تقارير غير مؤكدة.
طبيعة الرد الروسي على بريطانيا وسيناريوهات حرب الظل
رفعت القيادات الأمنية في لندن درجة التأهب في إطار التحسب لعمليات عدائية قد تطال رئيس الوزراء بصورة شخصية أو تستهدف مواقع ومنصات دفاعية.
ونقلت صحيفة "ديلي ميل" عن مصدر مسؤول، أن استهداف البنية العسكرية البريطانية بات مسألة وقت، مع ترجيح لجوء موسكو إلى هجمات بالطائرات المسيرة أو إشعال حرائق عبر خلايا نائمة في الداخل، مع الحرص على إبقاء الهجمات تحت سقف لا يستدعي تفعيل المادة الخامسة في ميثاق حلف شمال الأطلسي "الناتو".
واتخذت شركات الصناعات الدفاعية في بريطانيا إجراءات ميدانية وسيبرانية مشددة، في ظل تلميح مستشار في الكرملين لاحتمال استهداف مصانع الطائرات المسيرة عبر جهات مجهولة.
وأوضح نائب وزير الخارجية الروسي السابق أندريه فيدوروف في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أنه لا يستبعد اتخاذ تدابير شبه عسكرية وهجمات سيبرانية ضد المنشآت الداعمة لكييف، في حين رأت مصادر استخباراتية في سحب روسيا سفيرها لدى لندن إشارة على التحضير لحدث واسع النطاق.
وقد تزامنت هذه التطورات مع زيارة عاجلة أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو، حيث نقل تحذيرا حاسما من واشنطن للكرملين يطالب بعدم التصعيد العسكري أو اللجوء للخيارات النووية أو استهداف حلفاء كييف الغربيين، بالاستناد إلى معلومات حول عزم روسيا اتخاذ خطوات غير تقليدية بعد تعثر عملياتها الميدانية.
سياق الاحتكاك المباشر في البحر والجو
تأتي هذه التحذيرات في ظل وقائع سابقة شهدت احتكاكا مباشرا بين الطرفين، من بينها اقتراب مقاتلة روسية من طراز "سو 35" لمسافة 20 قدما فقط من طائرة استطلاع بريطانية من طراز "ريفيت جوينت" فوق مياه البحر الأسود في أبريل الماضي.
لاحقا، تدخلت قوات الكوماندوز بالبحرية البريطانية في يونيو لتفتيش ناقلة النفط "سميرتوس" التابعة لما يعرف بـ"أسطول الظل" الروسي في مياه القناة الإنجليزية.
تزامن ذلك مع رصد ثغرات في بنية الطاقة البريطانية أمام الهجمات الرقمية المنسوبة إلى قراصنة من روسيا وإيران والصين، مثل توقف محطة كهرومائية لأربعة أيام في يوليو الماضي، وهجوم سيبراني آخر طال مولدا كهربائيا صغيرا ونسب لجهات إيرانية دون أن يمس الشبكة العامة، وسط تحذير سابق لرئيس الوزراء الأسبق كير ستارمر من احتمال مهاجمة روسيا لدولة في الناتو خلال 4 سنوات.
خطط الحكومة البريطانية لتعزيز الصمود وإدارة الأزمات
فيما يتعلق بالجاهزية الوطنية، بدأت حكومة بيرنهام ترتيبات لإطلاق حملة عبر مكتب مجلس الوزراء تهدف إلى رفع استعداد الأسر لمواجهة الأزمات العامة، بما في ذلك تقديم إرشادات للمواطنين بشأن تخزين الأطعمة المعلبة والمياه المعبأة للتعامل مع الكوارث المناخية والهجمات السيبرانية أو التهديدات الأمنية المحتملة، وفق ما أوردته صحيفتا "ديلي ميل" و"فايننشال تايمز".
وتقود وزيرة مكتب مجلس الوزراء لويز هيج جهود التنسيق بين الإدارات لضمان وصول الدعم للفئات الأكثر ضعفا عند الطوارئ، مع استمرار العمل على وثيقة "كتاب الحرب" التي كشف عنها دارين جونز لتحديد خطط مواجهة تداعيات الصراعات الدولية.
وترأس بيرنهام اجتماعات للجنة الطوارئ "كوبرا" لإدارة أزمات الجفاف وموجات الحر وحرائق الغابات، بالاستفادة من خبرته في متابعة أزمات الفيضانات بدائرته السابقة ميكرفيلد، رغم الانتقادات الحقوقية لنظام الإنذار عبر الهواتف المحمولة ومخاوف تأثيره على الهواتف السرية لضحايا العنف الأسري، مع تأكيد الحكومة أن صيانة الأمن القومي ورفع الجاهزية يمثلان الركيزة الأساسية للعمل التنفيذي.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News