أرقام مرعبة واستنزاف بلا نهاية.. كيف أنهكت سنوات الحرب جيش الاحتلال؟
كتب : محمد جعفر
كيف أنهكت سنوات الحرب جيش الاحتلال؟
على مدار سنوات من القتال المتواصل، تراكمت الضغوط على جيش الاحتلال الإسرائيلي بصورة لم تعد تقتصر على ساحات المعارك، وإنما امتدت إلى بنيته البشرية ومعداته وميزانيته، في ظل استمرار العمليات والانتشار العسكري في عدة جبهات، من قطاع غزة إلى لبنان وسوريا والضفة الغربية.
وتكشف معطيات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية عن حجم هذا الاستنزاف، بدءًا من الاعتماد المتواصل على عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، مرورًا بمعدلات تشغيل غير مسبوقة للطائرات والدبابات والمعدات، وصولًا إلى فاتورة مالية ضخمة وتداعيات متزايدة على الجنود وعائلاتهم.
53 ألف جندي احتياط في الخدمة
وبحسب تقرير لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية، يصل متوسط عدد جنود الاحتياط الذين يخدمون في صفوف الجيش إلى نحو 53 ألف جندي، رغم أن مستوى التوتر الحالي أقل مقارنة بمراحل سابقة من الحرب.
ويكشف استمرار هذا العدد عن حجم الاعتماد على قوات الاحتياط، في وقت تحتاج فيه إسرائيل إلى توزيع قواتها على أكثر من ساحة، الأمر الذي يفرض ضغطًا مستمرًا على القوة البشرية للجيش.
وفي الوقت نفسه، تحذر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من تداعيات سنوات القتال الطويلة على مستوى الجاهزية، بعدما أدى الاستخدام المتكرر للقوات والمعدات إلى استنزاف جانب كبير من الموارد العسكرية.
تشغيل الطائرات والمعدات بمعدلات استثنائية
وتشير البيانات التي أوردها التقرير إلى أن حجم تشغيل القوات والمعدات العسكرية خلال السنوات الثلاث الماضية تجاوز بصورة كبيرة المعدلات المعتادة، فخلال هذه الفترة، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي ساعات طيران تعادل ما كان ينفذه خلال تسع سنوات وفق معدلات التشغيل الطبيعية، بينما استُهلكت آلاف المحركات الخاصة بالدبابات وناقلات الجنود، إلى جانب كميات ضخمة من الذخائر.
خسائر بشرية وآثار نفسية
ولم يكن الاستنزاف العسكري بلا ثمن بشري، إذ أوردت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن 1138 من أفراد الجيش قتلوا، فيما أصيب نحو 11,730 آخرين بإصابات جسدية أو نفسية، وفق الأرقام التي يعلنها الاحتلال حتى الآن.
وتتزامن هذه الأرقام مع توقعات بارتفاع أعداد الجنود الذين يعانون آثارًا نفسية نتيجة طول فترة الحرب وتكرار عمليات الاستدعاء والانتشار.
فاتورة الاحتياط.. 2.1 مليار شيكل في شهر واحد
وفي الجانب المالي، وصلت تكلفة شهر واحد من خدمة الاحتياط خلال العام الماضي إلى نحو 2.1 مليار شيكل، وفق المعطيات الإسرائيلية، كما قدم التقرير مقارنة لتوضيح حجم هذه التكلفة، مشيرًا إلى أنها تعادل قيمة شراء نحو سبع طائرات مقاتلة من طراز "إف-35" أو 70 دبابة "ميركافا".
ولا تتوقف تداعيات هذه الكلفة عند الموازنة العسكرية، إذ انعكس الاستدعاء المتكرر لجنود الاحتياط على حياة أسرهم وعملهم، حيث أظهر استطلاع أجراه الجيش أن 75% من العائلات تغير روتينها اليومي بسبب الخدمة العسكرية.
في المقابل، قال 10% فقط إن الخدمة العسكرية للزوج أو الزوجة تتيح لهما الاستثمار في مسيرتهما المهنية، بما يعكس حجم التأثير الاجتماعي والاقتصادي للحرب على عائلات الجنود.
المساعدات الأمريكية أمام احتياجات متزايدة
ومع ارتفاع الإنفاق العسكري، تستند إسرائيل أيضًا إلى المساعدات الأمريكية في دعم قدراتها الدفاعية، إذ حصلت خلال العقد الأخير على مساعدات عسكرية من واشنطن بلغت نحو 33 مليار دولار.
ومن المنتظر أن ينتهي اتفاق المساعدات الحالي في عام 2028، بينما أثار قرار الحكومة الإسرائيلية الاكتفاء بنصف حجم الاتفاق الذي كان يمكن السعي إليه مستقبلًا تساؤلات بشأن قدرة إسرائيل على تلبية احتياجاتها العسكرية في ظل ارتفاع كلفة الحرب.
الاستنزاف يهدد بخسارة عناصر الخبرة
وبالتوازي مع ذلك، بدأت تداعيات الحرب الطويلة تظهر في صفوف الضباط والعسكريين أصحاب الخبرة، وفق ما أوردته التقارير الإسرائيلية.
وتشير المعطيات إلى أن بعض الضباط الذين عُرضت عليهم مناصب قيادية بارزة أصبحوا يفضلون الانتقال إلى وظائف خلفية أقل ضغطًا، بينما اختار آخرون التقاعد.
وتثير هذه التطورات مخاوف من تأثير فقدان هذه الكفاءات على بنية الجيش وقدرته على الحفاظ على مستوى الجاهزية، خصوصًا مع استمرار الحاجة إلى نشر قوات كبيرة في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
انتشار القوات يفاقم الضغوط
وفي قطاع غزة، ينتشر حاليًا خمسة ألوية على ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، إلى جانب لواءين معززين على طول الحدود، فضلًا عن وحدات الدفاع المحلي وفرق الاستنفار التي تعتمد بدرجة كبيرة على قوات الاحتياط.
ولا يقتصر الانتشار على غزة، إذ توجد قوات إسرائيلية كذلك في لبنان وسوريا والضفة الغربية، ما يجعل الجيش أمام مهمة توزيع قواته ومعداته بين عدة ساحات في الوقت نفسه.
وأمام هذا الوضع، تتجه المؤسسة العسكرية إلى إعادة تقييم حجم القوات المنتشرة، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات العمليات وبين خفض النفقات والحفاظ على القوة البشرية والمعدات ومنع تفاقم الاستنزاف.
وفي النهاية، ترسم المعطيات الإسرائيلية صورة لاستنزاف متعدد الأوجه داخل جيش الاحتلال؛ فالقوة البشرية تتعرض لضغط متواصل، والمعدات تعمل بمعدلات تفوق المعتاد، وخدمة الاحتياط تفرض تكلفة مالية ضخمة، بينما تمتد تداعيات الحرب إلى أسر الجنود والضباط ذوي الخبرة.
ومع بقاء القوات الإسرائيلية موزعة على عدة جبهات، تتحول مسألة الحفاظ على الجاهزية والقدرة على مواصلة العمليات إلى تحدٍ متزايد أمام المؤسسة العسكرية، التي تواجه آثار حرب طويلة لم تعد تكلفتها مقتصرة على الميدان وحده.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News