مجدي الجلاد وضياء رشوان
بين "فضفضة" وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، و"فضفضة" الكاتب الصحفي مجدي الجلاد، لا يبدو الأمر تفاعلاً بين زميلين جمعتهما سنوات العمل الصحفي، بقدر ما يفتح نافذة على أسئلة مؤجلة في الإعلام المصري، تكررت في ندوات ومؤتمرات ودعوات رسمية، لكنها لم تتوقف إلى الآن، ولم تجد سبيلاً إلى إجابة قاطعة عن مصير مهنة مأزومة تبحث عن باب خروج.
القصة بدأت بدعوة وجهها وزير الدولة للإعلام إلى الصحفيين والإعلاميين المصريين، تحت عنوان "فضفضة ضرورية.. واقتراحات للمهنة والوطن"، طرح خلالها 6 محاور تتعلق بفتح المجال أمام الحوار، وتنشيط الحياة الحزبية، وإعلاء صوت المواطن، ودعم الثقافة، والحفاظ على المهنية والحرية المسؤولة، وتعزيز الوعي بالتحديات التي تواجه مصر.
لكن الرد لم يتأخر.
الكاتب الصحفي مجدي الجلاد، رئيس تحرير مجموعة "أونا" للصحافة والإعلام، اختار أن يرد بـ"فضفضة حرة" عن "فضفضة الوزير المُنضبطة"، قال إنها موجهة هذه المرة "إلى الدولة بمؤسساتها الحاكمة والمتحكمة"، وتحاول التسلل من صالة التحرير "الباردة" إلى غرف صناعة القرار، لينتقل بالنقاش من حدود النصائح المهنية إلى صميم الأزمة التي تواجه الصحافة والإعلام.
"هل يمكن أن تقوم صحافة بلا حرية؟"، ربما كان هذا هو السؤال الأكثر مباشرة في رد الجلاد، الذي أوضح أننا "الآن مطالبون بإصلاح ما أفسدته سنوات طويلة من التوظيف السياسي للإعلام، والاستقطاب الحاد للأقلام والأصوات، واختلال المعايير والقواعد والمواثيق الصحفية والإعلامية"، مشيرًا إلى "سنوات من الاحتضان الرسمي لكل من يرفع شعار "تمام"، ويبيع أمانة مهنته المقدسة، والمنع والنفي لكل من يحترم ذاته، وينتمي إلى الحقيقة والمواطن، الذي يدفع "مرتباتنا" جميعاً من جيبه الخاوي".
ثم يضع الجلاد المسألة بوضوح: هل تنهض صحافة دون قانون حقيقي وناجز لحرية تدفق وتداول المعلومات؟
ويزيد في تساؤله: "هل يستطيع الإعلام التليفزيوني المنافسة والتقدم والانتشار والتأثير، وهو يخضع لقولبة المحتوى، وتوحيد الرسائل والنصوص والوجوه والأصوات بين كافة الشاشات؟!.. كيف نحقق الأهداف التي تحدثت عنها في "فضفضتك" المشكورة، وقد وضعنا قانوناً غير مكتوب للاختيار، يُنحي أصحاب الكفاءة والخبرة، ويفتح ذراعيه وصدره وخزائنه لأصحاب الولاء، وأقلام النفاق، وأصوات تحولت إلى صدى "ممسوخ" لصوت الحكومة؟!".
الخبر محفوف بالمخاطر!
وذهب الجلاد إلى ما هو أبعد من ذلك، بتساؤله المباشر: "كيف نمارس حقوق التفسير والتحليل والتعليق والمناقشة، وإبداء الرأي بـ"أمان"، بينما الخبر المجرد بات محفوفاً بالمخاطر، والمعلومة المبدئية "ممنوعة"، والاختلاف في الرأي "تهمة"، والنقد "خصومة"؟!"، مضيفاً: "ماذا فعلنا بالصحفي الذي اجتهد وتعلّم وقرأ وطوّر أدواته؟ هل أعطيناه مساحة للتميز، أم علّمناه بمرور الوقت أن السلامة أهم من الاجتهاد، وأن السؤال المنطقي قد يكلّفه موقعه، وأن الصمت أحياناً أكثر أماناً من البحث عن الحقيقة؟".
في المقابل، كان رشوان قد دعا إلى توسيع مساحات الحوار، وإتاحة الرأي والرأي الآخر، مع الالتزام بالدستور والقانون ومواثيق الشرف المهنية.
هنا يلتقي "الجلاد ورشوان" عند مبدأ الحرية، ولكلٍّ وجهة نظره ومساره.
سؤال "حقيقي" يجب أن نجاوب عنه
"هل نريد إعلاماً يرضي الدولة، أم إعلاماً ينفع الدولة؟!"، هذا السؤال ربما كان الأكثر حدة في فضفضة الجلاد "الحرة"، الذي اعتبره "السؤال الحقيقي الذي يجب أن نجيب عنه جميعاً"، معتبراً أن "الفارق عظيم" بين الأمرين.
يوجه الجلاد حديثه إلى وزير الدولة للإعلام قائلاً: "السيد ضياء، كل ما أخشاه أن يكون الخلط بين أخطاء مرحلة سابقة وبين جوهر الصحافة نفسها ورسالتها السامية، قد قادنا، تدريجياً، إلى نتيجة أخطر: فبدلاً من أن نعالج التجاوزات، بدأنا نضيّق المساحات، وبدلاً من بناء المهنة على قواعد أكثر مؤسسية، أصبحنا نتعامل مع الإعلام كله باعتباره مصدراً للمشكلة".
أما رشوان، فركز في "فضفضته" على أن الإعلام يحمل مسؤولية تجاه الوطن والمجتمع، داعياً في الوقت نفسه إلى احترام حق الاختلاف والنقد، مع عدم تحويل الحرية إلى تشهير أو نشر معلومات غير موثقة.
من يختار الوجوه والأصوات في الإعلام؟
الجلاد يذهب أبعد من حدود المحتوى، ليضع يده على بنية الصناعة نفسها، فمن وجهة نظره، لا يمكن إصلاح الإعلام من دون مراجعة أنماط الملكية، والاحتكار، والفصل بين الملكية والإدارة والتحرير، إلى جانب إعادة النظر في قواعد اختيار العاملين وترقيهم، محذراً من أن يتحول الولاء إلى معيار، بينما تتراجع الكفاءة والخبرة والمهنية إلى الصفوف الخلفية.
يقول الجلاد: "هنعملها إزاي يا صديقي، دون توفر إرادة سياسية حقيقية للتغيير الهيكلي للإعلام والصحافة؟! بدءاً من أنماط الملكية، و"الاحتكار"، والفصل بين الملكية والإدارة والتحرير، مروراً ـ وتوقفاً عميقاً ومخلصاً ـ أمام تحديات الصناعة، وتراجعنا الشديد عن ثورة التكنولوجيا والمحتوى في العالم والمنطقة، وتردي أوضاع المهنة، وانتهاءً بالقوانين والإجراءات المقيدة لحرية "المعلومة"، والرأي، وحق الاختلاف على أرضية وطنية..!".
رشوان، من جانبه، وضع "المواطن" في صلب دعوته، مطالباً بأن يكون صوته حاضراً في مختلف وسائل الإعلام، وأن تتحول الصحافة إلى مساحة تنقل آماله واحتياجاته وآراءه إلى المسؤولين.
هل تكفي "الحرية المسؤولة" لإنقاذ المهنة؟
في هذه النقطة، يقترب الرجلان أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى.
رشوان دعا إلى الحفاظ على "المهنية والحرية المسؤولة"، وربط ممارسة الحق في التعبير باحترام الدستور والقانون ومواثيق الشرف، مؤكداً أن الاختلاف لا يعني الإساءة، وأن النقد لا يعني التشهير، وأن حق الجمهور في المعرفة لا يبرر نشر اتهامات غير موثقة.
الجلاد لا يعترض على مبدأ المسؤولية، بل يطالب بأن تكون الحرية مسؤولة أمام الضمير المهني والمجتمع والجهات التي يخولها القانون محاسبة الصحفيين، وصولاً إلى القضاء، قائلاً: "لقد ذكرت وطالبت في فضفضتك بالحرية «المسؤولة»، وأنا أوافقك الرأي «مليون بالمائة».. غير أنه ينبغي أن تكون هذه الحرية مسؤولة أمام الضمير المهني والمجتمع، والمؤسسات التي يخولها القانون محاسبة الصحفيين والإعلاميين، وأخيراً القضاء المستقل"، متابعاً: "هل تتفق معي في ذلك؟!.. وهل نفعل ذلك يا صديقي؟!".
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News