إعلان

بين الردع والتحرك الوقائي.. هل تقترب إسرائيل وتركيا من حرب مباشرة؟

كتب : محمود الطوخي

05:30 م 19/08/2026

إسرائيل وتركيا

تابعنا على

لا تبدأ الحروب دائما بإعلان رسمي؛ لكنها أحيانا تكون بتغيير في موقع قاعدة جوية، أو بطائرة تعبر مجالا جويا من دون إخطار، أو بتصريح يصف وجود دولة أخرى بأنه "خط أحمر".

وفي الحالة الإسرائيلية التركية، لا تزال الحرب المباشرة غائبة، لكن عناصرها التمهيدية أخذت تتجمع في مسرح واحد: سوريا.

ففي يوم أمس الثلاثاء، وعقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت قاعدة "أبو الظهور" العسكرية في شمال غربي سوريا، كشف المبعوث الأمريكي الخاص إلى دمشق وسفير واشنطن لدى تركيا، توم باراك، أن الجانب التركي لم يتلق أي تحذير استباقي بالهجوم، ورصد مقاتلات متجهة نحو مجاله الجوي.

أوضح باراك في تصريحات لوكالة "رويترز" مدى خطورة الحادث، قائلا: "كان يمكن أن تستعد تركيا لرد محتمل. لحسن الحظ، تمكنت صناع القرار العقلانيون من منع الوضع من التدهور".

لم يصف هذا التصريح اشتباك مباشر، بل سلط الضوء على نقطة انزلاق حرجة كادت تفرضها التقديرات الميدانية السريعة.

وكشف باراك مساعي واشنطن لتدشين آلية ثلاثية لفض الاشتباك تضم إسرائيل وتركيا وسوريا، ما نقل خطوط التماس إلى معادلة مركبة: ضربات إسرائيلية مبادرة، وترقب تركي حذر، وساحة سورية مفتوحة للاختبار الميداني.

في المقابل، أدانت أنقرة اليوم الأربعاء "الادعاءات غير المقبولة" التي ساقتها إسرائيل حول انتشارها العسكري داخل سوريا.

ولم يأت الموقف التركي في صورة رد عسكري، بل صيغ كرسالة سياسية حاسمة تؤكد أن استهداف قاعدة أبو الظهور لم يدرج كعملية تقليدية، بل كفصل من فصول الصراع على ترسيم خرائط النفوذ الإقليمي.

أبو الظهور: ضربة وقائية ورسالة ردع مزدوجة

تتجاوز القراءة الإسرائيلية لغارات أبو الظهور حدود الخسائر المادية؛ إذ أفاد تقرير لهيئة البث العبرية أن صور الأقمار الصناعية رصدت عمليات إعادة تأهيل للمنشأة واستعدادات لنصب منظومات دفاعية يرجح أنها تركية، ما يرجح سعي تل أبيب لتقويض أي قدرة جوية سورية ناشئة أو بنية عسكرية تركية قيد التأسيس قبل اكتمال جاهزيتها.

ربط مكتب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الهجوم بزعم أن دمشق كانت بصدد السماح بانتشار قوات تركية داخل القاعدة رغم التحذيرات المسبقة، في خطوة كرست رسالة مزدوجة: الأولى لدمشق بأن إعادة بناء جيشها ستبقى مقيدة بالضوابط الإسرائيلية، والثانية لأنقرة بأن مساندة الدولة السورية لن يسمح لها بالتحول إلى ارتكاز ميداني يحد من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي.

وأكد مسؤول إسرائيلي رفيع لشبكة "فوكس نيوز"، مساء أمس الثلاثاء، مشاركة تل أبيب لمعلومات حساسة مع واشنطن قبيل الضربة، مشددا على رغبة بلاده في أن تتبنى دمشق سلوكا مغايرا لنهج النظام السابق.

وجاء تبني ديوان نتنياهو للعملية بعد ساعات طويلة من الصمت العملياتي، في تكتيك عكس رغبة إسرائيل في تمرير رسائل الردع دون تفجير مواجهة فورية مع أنقرة، مع تأكيد استعدادها لاستخدام القوة لمنع أي اختلال مستقبلي في موازين القوى.

الموقف التركي: تهدئة مشروطة ورفض للمسارات العسكرية

تعود جذور الموقف التركي إلى ما يزيد على عام قبل ضربة أبو الظهور؛ حيث رسم وزير الخارجية هاكان فيدان في تصريحات لـ"رويترز" في أبريل 2025 معالم سياسة بلاده.

وقال فيدان: "لا نريد أن نرى أي مواجهة مع إسرائيل في سوريا، لأن سوريا للسوريين".

واتهم فيدان تل أبيب في المقابلة نفسها بتقويض قدرة الحكومة السورية على مكافحة تنظيم الدولة وبناء مؤسساتها عبر استهداف المنشآت العسكرية، مؤكدا أن هذه الهجمات تسلب الدولة الناشئة إمكاناتها الدفاعية.

وأسس هذا الطرح لقاعدة تركية واضحة: قوامها أن خيار التهدئة يظل مشروطا بعدم تحويل الضربات إلى عائق يمنع تركيا من إسناد دمشق أو يحرم سوريا من استعادة ركائز سيادتها.

كشف فيدان لقناة "سي إن إن تورك" في الشهر نفسه عن محادثات تقنية غير معلنة لمنع الاحتكاك الميداني، تماثل الترتيبات القائمة مع واشنطن وموسكو، بالتزامن مع كشف "رويترز" عن لقاء أمني عقد في أذربيجان بين وفدين من البلدين.

وفي وقت نقلت فيه الوكالة عن مصدر سياسي إسرائيلي أن إقامة قواعد تركية في تدمر تمثل "خطا أحمر"، أكد مكتب نتنياهو حينها مشاركة وفد رسمي بقيادة مستشار الأمن القومي تساحي هنجبي في مفاوضات باكو دون الإفصاح عن نتائجها.

خريطة القواعد الجوية ومعادلات الردع

وكشفت "رويترز" في أبريل 2025 عن قيام فرق عسكرية تركية بمعاينة 3 قواعد سورية تضم "تي فور" وتدمر ومطار حماة تمهيد لاتفاق دفاعي مشترك، لترد إسرائيل باستهداف تلك المواقع في تحرك وصفه مسؤول استخباراتي إقليمي بأنه "رسالة صعبة" تعكس الرفض القاطع لأي حضور تركي موسع.

واعتبر سونر جاجابتاي، الزميل الأول ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن الطرفين يسيران في مسار تصادمي تحكمه الخلفيات السياسية، مع بقاء فرصة لاحتواء الصدام عبر التدخل الأمريكي الفاعل، فيما رأت "بي بي سي" عبر تحليلات متخصصة أن الضربات الإسرائيلية تمت معايرتها بدقة لتوجيه رسائل ردع مدروسة تحول دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

إسرائيل وتركيا: رصد التصعيد وإدارة المخاطر

أظهرت التغطيات الدولية تحول الضربات الإسرائيلية من مجرد ملاحقة للتموضع الإيراني وخطوط إمداد السلاح إلى أداة ضغط لإدارة نفوذ أنقرة في سوريا؛ إذ وصفت صحيفة "واشنطن بوست" استهداف مواقع حماة وحمص بنقطة اشتعال استراتيجية تمس مصالح قوى إقليمية صاعدة.

وأبرزت "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" دلالات قنوات فض الاشتباك، مجمعتين على أن إنشاء هذه الآليات بين حليفين لواشنطن لا يعني تلاشي الأزمة، بل يمثل ترجمة لمستوى متقدم من الردع الحذر المصمم لحصار الحوادث الميدانية ومنع تحولها إلى قرارات تصعيد سياسي شامل.

التنافس البنيوي وتباين العقائد الأمنية

فصّل ديفيد ماكوفسكي، مدير مشروع كوريت للعلاقات العربية الإسرائيلية في معهد واشنطن، وسيمون سعيدمير، الباحث في المشروع نفسه، محددات هذا التنافس في دراسة بمجلة "فورين أفيرز"، مبرزين سعي أنقرة لتأمين حدودها وإدارة ملف اللاجئين وبناء نفوذ استراتيجي، مقابل تركيز إسرائيل على إقامة نطاقات عازلة في الجنوب لمنع تشكل بيئات معادية، داعين لترسيم خطوط حمراء واضحة لتفادي الصدام.

أشار ألبير كوشكون، الزميل الأول في برنامج أوروبا بمؤسسة "كارنيجي" وقائد مشروع "تركيا والعالم"، إلى أن جزء من الحدة الخطابية يعود لمتطلبات التعبئة السياسية الداخلية، مقترحا توجيه المساعي الدبلوماسية الأمريكية لتفكيك الهواجس الأمنية المشروعة لكلا الجانبين داخل سوريا.

الرواية الإسرائيلية: حماية الحدود وهاجس 7 أكتوبر

تستند الرؤية الإسرائيلية إلى حماية أمن الحدود ومنع عودة التموضع الإيراني أو تدفق السلاح لحزب الله والحفاظ على السيادة الجوية، حيث برر مكتب نتنياهو ضربة أبو الظهور بخرق وشيك للوضع الأمني القائم عبر تمركز قوات تركية سبق التحذير من تداعياته.

وعزت "فورين أفيرز" هذا السلوك الميداني إلى صدمة 7 أكتوبر 2023 التي رسخت استراتيجية الضربات الوقائية الاستباقية خشية تشكيل جيش سوري بإسناد تركي يقوض حرية العمليات الإسرائيلية، محذرة من أن الإفراط في القوة قد يحول هذه الهواجس إلى واقع عداء مستدام.

وبين ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى، في تحليل لمعهد واشنطن، أن تمدد مجالات النفوذ العسكري المنفصلة يضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي نتيجة تصاعد الاحتكاك المباشر بين شريكين استراتيجيين لها في الشرق الأوسط.

سباق التسلح الإقليمي وحسابات الخطأ التكتيكي

أكدت أصلي أيدنتاشباش، مديرة مشروع تركيا في مؤسسة "بروكينجز"، أن الصراع القائم بات يشكل قيدا بنيويا يؤثر على استقرار المنطقة، ما يستدعي تدخلا دبلوماسيا أمريكيا استباقيا يمنع تحول التنافس إلى صراع مسلح.

حذر رايان جيرينجراس، الأستاذ بالكلية البحرية العليا الأمريكية، عبر موقع "وور أون ذا روكس" في مايو الماضي، من أن تسارع التسلح التركي في مجالات الطائرات المسيرة ومنظومات الدفاع الجوي يضاعف المخاوف الإسرائيلية ويدفع نحو إجراءات وقائية متبادلة، ما يرفع احتمالات وقوع أخطاء تكتيكية جسيمة على خطوط التماس.

خلاصة التقدير: حافة الاحتكاك لا عتبة الحرب

تثبت هذه المعطيات وقوف إسرائيل وتركيا عند حافة الاحتكاك العملياتي وليس على عتبة حرب شاملة؛ حيث ينحصر التهديد الحقيقي في وقوع خطأ تكتيكي غير مقصود، سواء باستهداف موقع تستخدمه القوات التركية، أو وقوع حادث تصادم جوي مفاجئ، أو اندلاع اشتباك بين قوى محلية تابعة للطرفين.

وفي الوقت الراهن، لا تعكس التطورات الميدانية وجود قرار سياسي بشن حرب مباشرة، لكنها تؤكد ارتفاع كلفة سوء التقدير، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي مرهون بمدى كفاءة قنوات الاتصال التقنية وقدرة معادلات الردع المتبادلة على تطويق الأزمات قبل اتساعها.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان