قبل اجتماع المركزي.. لماذا تتجه التوقعات لتثبيت الفائدة رغم ارتفاع التضخم؟
كتب : أحمد الخطيب
البنك المركزي المصري
اتفق خبراء مصرفيون واقتصاديون ومؤسسات مالية على أن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وسعر الصرف، إلى جانب بقاء التضخم أعلى من مستهدف البنك المركزي، لا يعني بالضرورة الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، في ظل ارتفاع تكلفة التشديد النقدي على التمويل والاستثمار وخدمة الدين، وتحسن مؤشرات السيولة الأجنبية واستقرار سوق الصرف نسبيًا.
وأضافوا لـ"مصراوي" أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال توفر للبنك المركزي مساحة كافية لامتصاص السيولة والحد من انتقال ضغوط الأسعار إلى الطلب، في الوقت الذي تأتي فيه نسبة كبيرة من الضغوط التضخمية الحالية من جانب العرض، وهي عوامل لا تستطيع السياسة النقدية التأثير فيها بشكل مباشر، ما يجعل التثبيت الخيار الأكثر توازنًا في الوقت الحالي، مع إبقاء خفض الفائدة مطروحًا خلال الربع الرابع حال استمرار تراجع التضخم واستقرار سعر الصرف.
وتجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري غدًا الخميس 20 أغسطس 2026، لبحث أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض وسعر العملية الرئيسية، ضمن اجتماعاتها الدورية المقررة خلال العام.
ارتفع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية إلى 14.9% خلال يوليو 2026، مقابل 14.3% في يونيو 2026، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
الفائدة المرتفعة تمتص السيولة وتحد من انتقال التضخم
قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن جانب العرض، خاصة أسعار الطاقة، يجعل البنك المركزي بحاجة إلى التأكد من تلاشي تأثيرها قبل تغيير مسار أسعار الفائدة.
وأوضح أن ارتفاع أسعار البترول عالميًا وأسعار الكهرباء وغيرها من العوامل يمثل ضغوطًا تضخمية من جانب العرض، وهي عوامل لا يستطيع البنك المركزي السيطرة عليها بشكل مباشر، لكنه يستطيع الحد من انتقالها إلى مزيد من التضخم عبر التحكم في ضغوط الطلب.
وأضاف أن مستويات أسعار الفائدة الحالية تساعد على امتصاص السيولة الزائدة في السوق، وبالتالي الحد من الضغوط التضخمية الناتجة عن زيادة الطلب، مشيرًا إلى أن الإبقاء على الفائدة عند مستوياتها الحالية يتيح للبنك المركزي مواصلة مراقبة تأثير صدمات الطاقة وسعر الصرف على الأسعار.
وأشار نجلة إلى أن التثبيت خلال الفترة الماضية ساهم في الحد من الضغوط التضخمية، موضحًا أن الأسعار لم ترتفع بالحدة التي كانت متوقعة رغم الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.
التضخم مرتفع.. لكن الرفع ليس الخيار الأول
قال هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، إن استمرار التضخم فوق مستهدف البنك المركزي لا يعني تلقائيًا الاتجاه إلى رفع أسعار الفائدة، خاصة مع محدودية الزيادة الشهرية للتضخم ووجود ضغوط أخرى على النشاط الاقتصادي نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل.
وأوضح أن بيانات التضخم لشهر يوليو سجلت التضخم الشهري لإجمالي الجمهورية عند 0.1%، بينما بلغ التضخم الحضري السنوي 14.9% والتضخم الأساسي 14.7%، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية، لكنه لا يقدم في تقديره مبررًا واضحًا لرفع جديد.
وأضاف أن العامل الحاسم يتمثل في طبيعة التضخم ومصادره، إذ إن جزءًا مهمًا من الضغوط الحالية مرتبط بالطاقة وسعر الصرف، وليس بزيادة قوية في الطلب المحلي.
وأشار أبو الفتوح إلى أن تقارب التضخم العام مع التضخم الأساسي، بفارق 0.2 نقطة مئوية فقط، يعكس استمرار ضغوط سعرية أكثر استدامة، لكنه في الوقت نفسه يدعم نهج الانتظار ومراقبة البيانات بدلًا من اتخاذ قرار تشديد استباقي.
تحسن السيولة الأجنبية يدعم التثبيت
وأوضح أبو الفتوح أن تحسن السيولة الأجنبية، ممثلة في الاحتياطي من النقد الأجنبي وصافي الأصول الأجنبية، يدعم قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته الخارجية وتمويل الواردات، كما أن تحسن الصادرات وإيرادات قناة السويس يوفر موارد إضافية من العملة الأجنبية.
وأضاف أن هذه التطورات تساعد على دعم سوق الصرف والحد من انتقال ضغوطه إلى الأسعار، وهو ما يقلل الحاجة إلى استخدام رفع الفائدة كأداة دفاعية في الوقت الحالي.
لكنه أشار إلى أن استقرار الدولار عند متوسط 50 جنيهًا يبقي تكلفة الاستيراد مرتفعة، وبالتالي فإن تأثير سعر الصرف لا يزال حاضرًا في تحديد مسار التضخم.
ارتفاع تكلفة الفائدة أحد أسباب تجنب الرفع
وأشار أبو الفتوح إلى أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يضغط على تكلفة التمويل والاستثمار، كما يزيد عبء خدمة الدين المحلي، وهو ما يحد من مساحة الإنفاق العام والنشاط الاقتصادي.
وأضاف أن رفع الفائدة في ظل ضغوط تضخمية ناتجة بشكل أساسي عن الطاقة وسعر الصرف قد يرفع تكلفة التمويل دون أن يعالج المصدر الرئيسي للضغوط، ولذلك يظل التثبيت أكثر ملاءمة ما لم تظهر صدمة جديدة.
كما حذر من تأثير ارتفاع أسعار النفط، مشيرًا إلى أن وصول خام برنت إلى مستويات تقارب 94 دولارًا للبرميل من شأنه زيادة تكلفة الإنتاج والنقل، ثم انتقال جزء من هذه الزيادة إلى أسعار المستهلك.
90% احتمالًا للتثبيت و10% للرفع
رجح أبو الفتوح تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع أغسطس بنسبة تصل إلى 90%، طالما بقي التضخم قريبًا من مستوياته الحالية ولم يتعرض الجنيه لصدمة جديدة.
وقال إن رفع الفائدة يظل احتمالًا قائمًا بنسبة 10% إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع أو شهدت أسعار الطاقة أو سعر الصرف قفزة مفاجئة تستدعي تدخلًا نقديًا أكثر تشددًا.
وأوضح أن خفض الفائدة يظل مستبعدًا في المرحلة الحالية، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف ووجود مخاطر مرتبطة بسعر الصرف والطاقة.
3 مخاطر قد تدفع المركزي لتغيير موقفه
حدد أبو الفتوح ثلاثة مخاطر رئيسية قد تغير تقديرات البنك المركزي قبل الاجتماع، أولها تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط، بما يرفع فاتورة الواردات ويزيد الضغوط التضخمية.
ويتمثل الخطر الثاني في استمرار تشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو تأخر خفض الفائدة الأمريكية، بما قد يقلل جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب ويضغط على التدفقات وسعر الصرف.
أما الخطر الثالث فيتمثل في استمرار انعكاسات التشديد النقدي على التمويل والنشاط الاقتصادي، إذ سجل مؤشر مديري المشتريات 46.8 نقطة في يوليو 2026، بما يعكس استمرار انكماش نشاط القطاع الخاص غير النفطي.
وقال أبو الفتوح إن الاجتماع القادم لا يبدو، في تقديره، موعدًا مناسبًا لتغيير اتجاه السياسة النقدية، إذ يمنح التثبيت البنك المركزي فرصة لمراقبة انعكاسات أسعار الطاقة وسعر الصرف على التضخم دون إضافة عبء جديد على النشاط الاقتصادي وتكلفة التمويل.
ضرورة الإبقاء على سياسة نقدية متشددة
وكان صندوق النقد الدولي أوصى، في بيان المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، بالحفاظ على سياسة نقدية متشددة والإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، لاحتواء أي آثار تضخمية ناتجة عن تعديلات أسعار الطاقة.
وتأتي توصية الصندوق في ظل استمرار مخاطر انتقال زيادات أسعار الطاقة إلى التضخم، وهو ما يدعم توجه البنك المركزي إلى الإبقاء على مستويات الفائدة الحالية بدلًا من الإسراع في خفضها.
التضخم قد يتراوح بين 13 و14% بنهاية العام
قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن حالة عدم اليقين الناتجة عن التطورات الجيوسياسية، إلى جانب صعوبة تحديد اتجاه التضخم خلال الفترة المقبلة، تدفع البنك المركزي إلى مواصلة سياسة الانتظار.
وأوضح أن البنك المركزي بدأ اتجاه تيسير السياسة النقدية منذ أبريل 2025، إلا أن التطورات الخارجية أثرت على مسار خفض الفائدة، ما يرجح استمرار الترقب خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن معدل التضخم قد يتراوح بين 13% و14% بنهاية العام، مستبعدًا وصوله إلى مستويات أحادية الرقم خلال 2026، وهو ما يجعل خفض الفائدة الفوري أقل احتمالًا.
مورجان ستانلي: تراجع التضخم يمهد لخفض الفائدة
يرى بنك مورجان ستانلي أن تراجع الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة سيكون العامل الرئيسي الذي يسمح للبنك المركزي بالتحول تدريجيًا من التثبيت إلى خفض الفائدة.
وتوقع البنك أن يتباطأ التضخم إلى أقل من 13% بدءًا من أكتوبر 2026، بما يتيح للبنك المركزي مساحة لخفض أسعار الفائدة بنحو 200 نقطة أساس خلال الربع الرابع، مع الحفاظ على سعر فائدة حقيقي موجب يبلغ نحو 4%.
وأكد مورجان ستانلي أن تثبيت أسعار الفائدة يظل السيناريو الأساسي في ضوء النهج الحذر للبنك المركزي واستمرار جزء من علاوة المخاطر الإقليمية.
وخفض البنك توقعاته للتضخم بنهاية 2026 إلى 11.8% مقابل 13.5% في توقعاته السابقة، بينما اعتبر حدوث موجة جديدة من خروج الاستثمارات وتراجع الجنيه بشكل حاد الخطر الرئيسي على توقعات السياسة النقدية.
اقرأ أيضًا:
بين 46 و56 جنيهًا.. ما سيناريوهات سعر الدولار مقابل الجنيه بنهاية العام الجاري؟
إتش سي: الطاقة ترفع التضخم وتدعم استمرار الحذر
ترى شركة إتش سي للأوراق المالية والاستثمار أن ارتفاع تكاليف الطاقة محليًا يمثل أحد أبرز العوامل التي ستؤثر على مسار التضخم خلال الربع الثالث، بما يدعم استمرار البنك المركزي في سياسة الحذر والترقب.
وقالت هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي في شركة إتش سي للأوراق المالية والاستثمار، إن الوضع الخارجي لمصر لا يزال يتمتع بمرونة نسبية رغم الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية المتكررة.
وأشارت إلى اتساع صافي فائض الأصول الأجنبية للبنوك المصرية بقيمة 5.04 مليار دولار مقارنة بالشهر السابق، ليصل إلى 27.995 مليار دولار في يونيو، مقابل 22.957 مليار دولار في مايو.
كما ارتفع صافي الاحتياطي الدولي والودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية معًا بمقدار 2.72 مليار دولار على أساس شهري ليصل إلى 56.29 مليار دولار و12.54 مليار دولار في يوليو على التوالي.
وعلى المستوى المحلي، أشارت هبة منير إلى استمرار التحديات الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة، موضحة أن الحكومة أبقت في بداية الشهر الحالي على تعريفة الكهرباء للشريحة الأولى من الاستهلاك المنزلي دون تغيير، بينما رفعتها بنحو 12% للشرائح السكنية الأخرى.
وتوقعت أن يبلغ متوسط التضخم نحو 16% خلال الربع الثالث من 2026، مقارنة بنحو 15% خلال الربع الثاني.
وترى إتش سي أن هذه التطورات تجعل التثبيت أكثر ترجيحًا في الوقت الحالي، مع استمرار متابعة تأثير أسعار الطاقة على التضخم قبل الانتقال إلى مرحلة خفض الفائدة.
اقرأ أيضًا:
بعد تقرير صندوق النقد.. كيف يحمي تراكم الاحتياطيات مصر من صدمات الأسواق؟
محدودية الضغوط الجديدة تدعم تثبيت الفائدة
أظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز أن توقعات تثبيت البنك المركزي المصري لأسعار الفائدة تستند إلى محدودية الضغوط التضخمية الجديدة رغم ارتفاع التضخم السنوي، مع ترقب استئناف التضخم مساره النزولي قبل استئناف دورة خفض تكاليف الاقتراض.
وقال دانيال ريتشاردز من بنك الإمارات دبي الوطني، وفقًا للاستطلاع، إن تسارع التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.9% خلال يوليو من 14.3% في يونيو لم يصاحبه ظهور ضغوط تضخمية جديدة قوية، إذ أظهرت البيانات الشهرية قدرًا محدودًا من الارتفاع في الأسعار.
وأضاف أن من المتوقع أن يبلغ التضخم السنوي ذروته في أغسطس، قبل أن يبدأ في التراجع، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة للإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، مع انتظار اتضاح اتجاه التضخم قبل استئناف التيسير النقدي.
وأشار ريتشاردز إلى أن رفع أسعار الكهرباء لمعظم شرائح الاستهلاك بمتوسط 12% خلال الشهر الماضي يمثل عاملًا إضافيًا يتعين على البنك المركزي مراقبة تأثيره، إذ من المتوقع أن ينعكس جزء من هذه الزيادة على قراءة التضخم في أغسطس.
وبالتالي، تشير تقديرات رويترز إلى أن محدودية الضغوط التضخمية الجديدة، مع توقع بلوغ التضخم ذروته قريبًا ثم تراجعه، تمنح البنك المركزي مبررًا للانتظار بدلًا من رفع الفائدة، بينما يظل استئناف الخفض مرتبطًا بعودة التضخم إلى مسار هبوطي واضح.
اقرأ أيضًا:
بعد توصية صندوق النقد.. هل ترفع مصر أسعار الوقود؟ رئيس الشعبة يوضح
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News