إعلان

هل تريد إيران العودة إلى الحرب؟.. طهران بين التفاوض والاستعداد لجولة جديدة

كتب : محمد جعفر

02:23 م 19/08/2026

طهران بين التفاوض والاستعداد لجولة جديدة

تابعنا على

بعد نحو ستة أشهر من الحرب، تقف الولايات المتحدة وإيران أمام مرحلة شديدة الحساسية، لا تبدو فيها طهران مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة، ولا يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قادرًا حتى الآن على إنهاء المواجهة بشروطه، وبينما يتنقل بين التأكيد أن إيران "تتوسل" من أجل اتفاق والتهديد باستئناف الضربات العسكرية، بدأت القيادة الإيرانية بناء تصور مختلف للمرحلة المقبلة، يقوم على الاستعداد للعودة إلى القتال، مع نقل المواجهة من موقع الدفاع إلى الهجوم إذا فشلت المفاوضات.

بحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن إن"، بعنوان " أحدث تحذير إيراني للولايات المتحدة يشير إلى أن المتشددين لم يبدأوا بعد"، فإن تغير استراتيجية طهران لا يعني بالضرورة أنها اختارت الحرب الشاملة، بقدر ما يشير إلى أنها تريد دخول أي مفاوضات مقبلة وهي تمتلك أوراق ضغط عسكرية وأمنية أكبر، فالعقيدة الجديدة التي يجري الترويج لها داخل إيران تقوم على الجمع بين الدفاع عن الأراضي الإيرانية والاستعداد لتنفيذ "عمليات هجومية" ضد الخصوم، بما في ذلك نقل العمليات إلى خارج الحدود.

ويأتي هذا التحول بعد انتهاء مهلة مذكرة التفاهم المقدرة بـ60 يوم حسب اتفاقية واشنطن وطهران التي كانت تهدف إلى إنهاء الحرب.

الاستعداد للحرب.. أم ورقة تفاوض؟

يرى قادة عسكريون إيرانيون أن بلادهم أصبحت في وضع يسمح لها بانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة، خصوصًا بعد قدرتها على الصمود أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وتطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة خلال أشهر الحرب.

وقال سينا أزودي، الأستاذ المساعد في السياسة الشرق أوسطية بجامعة جورج واشنطن، إن محسن رضائي، الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ينتمي إلى تيار داخل الحرس الثوري يرى أن الطريق للحصول على تنازلات أمريكية يمر عبر استمرار القتال والضغط على واشنطن وإلحاق "قدر ثابت من الألم" بترامب.

عقيدة هجومية جديدة

بحسب التقرير، برزت مؤشرات هذا التحول مع المراسيم التي صدرت باسم المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، والتي أعادت تنظيم القيادة الأمنية والعسكرية الإيرانية.

وقال محمد مخبر، مستشار خامنئي، إن تحويل الحرب إلى وضع هجومي إذا لم تُلبَّ شروط إيران "سيغير بلا شك موازين القوى في العالم"، كما شدد كذلك مرسوم تأكيد تعيين أحمد وحيدي قائدًا للحرس الثوري الإيراني على ضرورة رفع الاستعداد لـ"عمليات هجومية قوية ضد العدو".

ومن جانبه، يرى حميد رضا عزيزي، الباحث في معهد كلينجندايل الهولندي، أن مهمة وحيدي تتمثل بوضوح في مراجعة الاستراتيجية العسكرية الإيرانية باتجاه أكثر حزمًا وهجومًا.

وبعد أيام، قال العميد يد الله جواني، نائب قائد الحرس الثوري للشؤون السياسية، إن أفعال إيران دفاعية، لكنه أقر بإمكانية أن تتخذ في المستقبل جانبًا هجوميًا.

أما محمد رضا نقدي، أحد مستشاري وحيدي، فأكد أن الحرس الثوري يعمل على تطوير القدرة على تنفيذ عمليات "على أرض العدو"، مشيرًا إلى ضرورة أن تكون إيران قادرة على نقل عملياتها إلى أراضي الخصوم عند الحاجة وصدور القرار.

وتعني هذه العقيدة إمكانية استهداف منشآت ومصالح عسكرية أمريكية في المنطقة مجددًا، مستفيدة من تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والتكتيكات غير التقليدية.

لماذا قد تختار إيران الحرب؟

يرى محللون أن القيادة الإيرانية قد تعتبر تكلفة الحرب الجديدة أقل من تكلفة الاستنزاف البطيء لقدراتها تحت ضغط العقوبات والحصار.

ويعتقد حميد رضا عزيزي أن استمرار حالة "لا حرب ولا سلام"، مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية، قد يدفع طهران إلى التصعيد للضغط على ترامب من أجل رفع الحصار البحري أو قبول اتفاق بشروط أكثر ملاءمة لإيران.

كما قال تريتا بارسي، من معهد كوينسي للحكم المسؤول، إن طهران تعتقد أنها تمتلك تفوقًا عسكريًا، وتناقش علنًا الانتقال من مجرد الرد على الهجمات الأمريكية إلى المبادرة بالهجوم، وبحسب هذا التصور، لا تريد إيران التأثير فقط في نطاق الحرب وجغرافيتها، بل أيضًا في توقيتها.

هرمز والنفط.. حرب دون مواجهة شاملة

بحسب المحللين، لا تقتصر الخيارات الإيرانية على الضربات العسكرية المباشرة، فاستهداف ناقلات النفط أو تهديد الملاحة في الخليج يمثل وسيلة ضغط أقل تكلفة من الدخول في حرب شاملة، ويمكن أن يؤدي إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة وزيادة الضغوط الاقتصادية على خصوم طهران.

وقد استُهدفت خلال الأسابيع الأخيرة عدة ناقلات تابعة لشركة أدنوك الإماراتية الحكومية، فيما تحدث مسؤولون في الحرس الثوري عن تخريب كابلات بحرية تمر عبر الخليج، في صورة أخرى من صور الحرب غير المتكافئة.

ويظل مضيق هرمز ورقة رئيسية في الحسابات الإيرانية، إذ ترى طهران أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة والطاقة تمنحها نفوذًا مهمًا في مواجهة واشنطن ودول الخليج.

الوكلاء ما زالوا جزءًا من المعادلة

رغم الحديث عن تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية المباشرة، لا يعني ذلك أن طهران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين، فإيران لا تزال تستثمر في دعم الحوثيين بالخبرات والمعلومات الاستخباراتية، بينما يحتفظ العراق بمكانة محورية في الصراع بين طهران وواشنطن.

وجاءت زيارة رئيس البرلمان الإيراني إلى بغداد في وقت بدأت فيه الحكومة العراقية، تحت ضغط أمريكي، تحركات لنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران ودمجها في القوات النظامية.

ويرى محللون أن من غير المرجح أن تتخلى طهران عن شبكة نفوذها الإقليمية، حتى مع تعرض بعض حلفائها للضعف في السنوات الأخيرة.

هل تريد إيران الحرب؟

المؤشرات لا تقول إن طهران اتخذت قرارًا نهائيًا بالعودة إلى حرب شاملة، لكنها تقول بوضوح إنها تستعد لاحتمال الحرب ولا تريد استبعادها من خياراتها، وفق ما ذكره تقرير "سي إن إن".

فالقيادة الإيرانية تعيد تنظيم مؤسساتها العسكرية، وتطور الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتبحث عن قدرة أكبر على تنفيذ عمليات خارج الحدود، بينما تحافظ على شبكة حلفائها الإقليميين وأوراق الضغط المرتبطة بالطاقة والملاحة.

وهكذا، فإن السؤال المطروح لم يعد فقط ما إذا كانت إيران تريد العودة إلى الحرب، وإنما ما إذا كانت طهران ترى أن التهديد بالعودة إليها قد يكون أكثر فائدة من خوضها بالفعل، فإيران تبدو مستعدة للحرب، وتعمل على تطوير أدواتها لخوضها بصورة مختلفة، لكنها في الوقت نفسه تريد استخدام هذا الاستعداد كورقة تفاوضية لفرض شروط أفضل على واشنطن.

وفي النهاية، خلص التقرير إلى أن استراتيجية طهران الجديدة قد تكون قائمة على إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، مع إبقاء باب الحرب مفتوحًا على اتساعه أيضًا؛ بحيث لا تدخل أي اتفاق جديد من موقع الطرف الأضعف، ولا تسمح لواشنطن بأن تكون وحدها صاحبة قرار التصعيد أو توقيته.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان