إعلان

كأن لعنة أصابتهم.. ماذا يحدث على متن حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن"؟

كتب : مصطفى الشاعر

03:47 م 13/08/2026

تابعنا على

كأن سلسلة من الأزمات تُلاحق حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، التي تقضي أطول مهام انتشار حديثة لها وسط الحرب الأمريكية مع إيران، بعدما كشفت تقارير عن تدهور ظروف المعيشة وتصاعد الضغوط النفسية على متنها، بالتزامن مع مخاوف متزايدة عبرت عنها عائلات البحارة وعدد من أعضاء الكونجرس بشأن سلامة الطاقم وقدرته على مواصلة المهمة.

وتزامنت هذه المخاوف مع تقارير إعلامية تحدثت عن حالات إرهاق شديد، وتراجع في المعنويات، ومشكلات تتعلق بالإمدادات والمياه والغذاء والصيانة، فضلا عن تقارير عن "محاولات للقفز من على متن الحاملة"، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الثمن الذي يدفعه أفراد الطاقم جراء استمرار الانتشار العسكري لفترة طويلة.

وطالب عدد من المشرعين الديمقراطيين في الولايات المتحدة وزارة الحرب بتقديم إجابات بشأن ما وصفوه بـ"تدهور ظروف المعيشة وتفاقم مشكلات الصحة النفسية بين أفراد الطاقم"، وسط تقارير إعلامية تحدثت عن محاولات من بعض البحارة للقفز من على متن الحاملة.

أكثر من 250 يوما في البحر

منذ مغادرة "لينكولن" ميناءها الرئيسي في سان دييجو في نوفمبر الماضي، أمضت حاملة الطائرات أكثر من 250 يوما في مهمة، بعدما أُعيد توجيهها إلى الشرق الأوسط لدعم العمليات الأمريكية في الحرب مع إيران.

وتحمل الحاملة أكثر من 5 آلاف بحار وعنصر من مشاة البحرية، فيما لم تتوقف في أي ميناء منذ أكثر من 200 يوم، مُسجلة بذلك "رقما قياسيا حديثا" في عدد الأيام المتتالية التي قضتها في البحر، وفقا للسيناتور الأمريكي ريتشارد بلومنتال.

تقارير عن محاولات للقفز من الحاملة

ذكرت صحيفتا "ستارز آند سترايبس"، و"نافي تايمز"، هذا الأسبوع، أن أفرادا من طاقم الحاملة حاولوا في عدة مناسبات القفز من على متنها، مستندتين في ذلك إلى مقابلات مع بحارة وعائلات أفراد كانوا على متن السفينة، تحدثوا خلالها عن تداعيات طول فترة الانتشار في البحر.

وفي رسالة بعث بها أمس الأربعاء، إلى وزير الحرب بيت هيجسيث والقائم بأعمال وزير البحرية هانج كاو، أعرب بلومنتال، وهو ديمقراطي من ولاية كونيتيكت وعضو في لجنة القوات المسلحة، عن "قلقه البالغ" إزاء تزايد مدد الانتشار، وطالب بإجابات حول ظروف المعيشة على متن الحاملة.

وقال بلومنتال، في رسالته، إن هناك "تقارير واسعة النطاق عن نقص الإمدادات الأساسية، وتلوث المياه، ومشكلات في أنظمة السباكة، وتدهور الصحة النفسية، ومخاوف تتعلق بسلامة الأسطح" على متن السفينة.

وأضاف بلومنتان، أن هناك أيضا "اضطرابات في نظام البريد تسببت في فقدان العديد من الطرود التي تُرسلها العائلات إلى السفينة أثناء نقلها، وبقائها مفقودة لأشهر".

عائلات البحارة تُطالب بإجابات

وفقا للوسيلتين الإعلاميتين، أعرب نحو 200 من أفراد عائلات طاقم "لينكولن" عن مخاوفهم بشأن الصحة النفسية وظروف السلامة أمام القائم بأعمال وزير البحرية هانج كاو ومسؤولين كبار آخرين، خلال اجتماعات مع العائلات عُقدت الخميس الماضي في سان دييجو.

وخلال أحد الاجتماعات، أبلغت زوجة أحد البحارة المسؤولين، وهي تبكي، أنها تلقت في اليوم نفسه رسالة من زوجها قال فيها إنه "يتمنى ألا يستيقظ غدا"، وفقا لما أوردته "ستارز آند سترايبس" نقلا عن أحد الحاضرين.

وشملت المخاوف الأخرى التي أُثيرت تقارير عن "نقص الإمدادات والغذاء، وتلوث المياه، واضطرابات في نظام البريد"، وفقًا لشبكة "إم إس ناو"، التي راجعت تسجيلات صوتية ومرئية للاجتماع.

البحرية الأمريكية تنفي زيادة الأفكار الانتحارية

خلال أحد الاجتماعات، أقر نائب الأدميرال جوزيف كاهيل، قائد قوات السطح البحرية، بالضغوط التي يتعرّض لها البحارة وعائلاتهم، وفقا لـ"إم إس ناو".

وقال كاهيل للعائلات: "نسمعكم بوضوح تام فيما يتعلق بتأثير ذلك على العائلات، وعلى أفراد الخدمة، وعلى قدرتنا على المدى الطويل على الصمود والحفاظ على صحة قواتنا".

وفي المقابل، قالت البحرية الأمريكية لـ"سي إن إن" في بيان: "لم نرصد زيادة في الأفكار أو المحاولات الانتحارية على متن السفينة. ونحن نتعامل مع رفاه كل فرد من أفراد الخدمة بمنتهى الجدية، ولدينا متخصصون دينيون وطبيون وفي مجال الصحة النفسية متاحون لتقييم المخاوف ومعالجتها عند ظهورها".

"حمامات متعفنة" وانقطاع المياه الساخنة

في غضون ذلك، أشار النائب الديمقراطي مايك ليفين، من ولاية كاليفورنيا، إلى الاجتماع في منشور على منصة "إكس"، سابقا، الجمعة، قائلا إن العائلات تحدثت عن "حمامات مُتعفنة، ومراحيض مُعطّلة، وانقطاع المياه الساخنة لأسابيع، ووجبات اقتصرت على نصف كوب من الأرز وقطعتين من خبز التورتيلا".

وكتب ليفين: "البحارة مُنهكون إلى درجة أن أحد أفراد العائلة قال إن طبيب السفينة نفسه حذر من ضرورة الوصول إلى ميناء قريبا، وإلا فسيبدأ الناس في فقدان عقولهم".

تقارير عن الإرهاق والأفكار الانتحارية

وفي تقرير نشرته يوم الثلاثاء الماضي، قالت صحيفة "ستارز آند سترايبس"، إن مقابلاتها مع بحارة في الخدمة الفعلية وأفراد من عائلاتهم، إلى جانب "عشرات التعليقات والمنشورات العامة على وسائل التواصل الاجتماعي" التي كتبها أفراد من الطاقم، أظهرت أن البحارة "يُعانون الإرهاق وتراجع المعنويات، بما في ذلك تقارير عن أفكار انتحارية وحادثة واحدة على الأقل جرى فيها منع أحد أفراد الطاقم من القفز من فوق السفينة".

كما نقلت صحيفة "نافي تايمز"، عن زوجة أحد أفراد الخدمة على متن "لينكولن"، قولها إن زوجها حاول القفز من فوق السفينة خلال مُهمة الانتشار الحالية.

وقالت أنابيل لوما للصحيفة: "إنه خائف. ويعتقد أنه سيُسرّح من الخدمة تسريحا تأديبيا، وأن مسيرته المهنية التي استمرت 13 عاما قد دُمرت هكذا ببساطة، لمجرد أنه كان منهكا. هذا ليس عادلا، وليس صحيحا. ليس هذا ما ينبغي أن يقلق بشأنه الآن".

وتحدثت "نافي تايمز" أيضا إلى زوجة بحار آخر قالت إن زوجها أخبرها بأنه "منع بحارا آخر من القفز من فوق السفينة في حادثة منفصلة".

عائلات تواجه ضغوطا متزايدة

وفي مقابلة مع "سي إن إن"، قالت الصحفية التي أعدت تقرير "نافي تايمز"، ناتالي أوليفيريو، إن لوما لم تتلق أي تواصل من ممثلي البحرية منذ أسابيع، وإنها "تشعر بقلق وخوف شديدين بشأن حال زوجها الفعلية".

وأضافت أوليفيريو، أن لوما تواجه ضغوط انتشار زوجها في مُهمة عسكرية، بينما تقوم في الوقت نفسه بتربية أطفالهما الثلاثة الصغار، "ولذلك فإن عدم حصولها على إجابات أو توجيهات يُمثّل تحديا كبيرا لها، خصوصا في الوقت الحالي".

تحقيق مُرتقب في الكونجرس

وصف النائب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس سيث مولتون، وهو من قدامى أفراد مشاة البحرية وعضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، هذه التقارير بأنها "مروّعة"، وقال في مقابلة مع مذيعة "سي إن إن" لورا كوتس إن لجنته ستجري تحقيقا.

وتابع مولتون: "للأسف، لست متفاجئا. لدينا رئيس، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، سخر من القوات بسبب مشكلات الصحة النفسية. ولدينا وزير دفاع يُركّز بصورة أكبر على اختبارات هرمون التستوستيرون بدلا من التركيز فعليا على إبقاء قواتنا على قيد الحياة".

وأردف النائب الأمريكي: "من الصعب حقا الشعور بالحماس تجاه تلك المُهمة (الحرب مع إيران). لا أحد يُؤمن بها الآن، وهذا لا بد أن يكون من أصعب الأعباء التي يتحملها جنودنا".

"أزمة جاهزية" تُهدد البحرية الأمريكية

تتجاوز المخاوف بشأن "لينكولن" ظروف الحاملة نفسها، لتُثير تساؤلات أوسع حول جاهزية البحرية الأمريكية وقدرتها على تحمل مهام انتشار طويلة الأمد.

وأظهر استطلاع أجرته "سي إن إن" في يوليو أن نسبة قياسية بلغت 73% من البالغين في أمريكا يقولون إن "الرئيس دونالد ترامب لم يولِ اهتماما كافيا لأهم المشكلات التي تواجه البلاد"، بينما يرى 67% أن قرارات ترامب بشأن العمل العسكري في إيران أضرت بالولايات المتحدة.

وقال أرمن كورديان، وهو قبطان متقاعد في البحرية الأمريكية سبق أن خدم على متن "لينكولن"، لشبكة KFMB المحلية: "ليس من غير المعتاد أن تشهد مجموعة قتالية لحاملة طائرات حالة يرغب فيها شخص في القفز من فوق السفينة أو يحاول الانتحار خلال مهمة انتشار".

وأضاف كورديان: "من الواضح أن هذا لا يحدث كل يوم، لكنه يحدث. لذلك فإن وقوع ذلك خلال مُهمة الانتشار الحالية ليس أمرا مفاجئا".

مخاوف من تداعيات الانتشار الطويل

وفي رسالته إلى وزارة الحرب الأمريكية، قال بلومنتال إنه يشعر "بقلق بالغ إزاء تزايد مدة مهام انتشار مجموعات حاملات الطائرات القتالية".

وكتب بلومنتال: "إذا كانت الإدارة تعتزم مواصلة حملة عسكرية طويلة الأمد أو الحفاظ على وجود متزايد لحاملات الطائرات في المنطقة، فعليها أن تُوضح كيف تعتزم ضمان ألا تُؤدي متطلبات العمليات الحالية إلى خلق أزمة جاهزية في المستقبل"، في إشارة إلى احتمال نشر مزيد من القوات البحرية الأمريكية في المنطقة.

وفي وقت سابق من هذا العام، حطّمت حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" الرقم القياسي لأطول مُهمة انتشار لحاملة طائرات منذ حرب فيتنام، وهي مُهمة طويلة الأمد أثرت في معنويات الطاقم خلال عدة أشهر من القتال المكثف.

حريق سابق يُفاقم المخاوف

وفي مارس، اندلع حريق في قسم غسيل الملابس بالسفينة، واستغرق إخماده 30 ساعة. ولم يُصب أي بحار، لكن نحو 600 فرد فقدوا إمكانية الوصول إلى أماكن نومهم بسبب الأضرار.

وكما ذكرت "سي إن إن" في ذلك الوقت، تواجه البحرية الأمريكية ككل مشكلات تتعلق بإرهاق البحارة، وفقا لمصادر عدة مطلعة على المناقشات الداخلية في البحرية بشأن هذه المسألة.

كما يُغادر أفراد الطيران البحري، من الطيارين إلى فنيي الصيانة، الخدمة بمعدلات مرتفعة، وفقا لتلك المصادر التابعة لـ"سي إن إن".

موعد العودة إلى الوطن لا يزال مجهولا

خلال اجتماعات الخميس مع أفراد عائلات طاقم "لينكولن"، لم يُحدد المسؤولون موعد عودة حاملة الطائرات إلى الوطن، مشيرين إلى مقتضيات الأمن العملياتي، وفقا لما نقله أزواج وأفراد عائلات البحارة إلى صحيفة "ستارز آند سترايبس".

وتُثير فترة "الانتشار الطويلة" للحاملة تساؤلات متزايدة بشأن قدرة البحرية الأمريكية على الحفاظ على جاهزية أفرادها ومعداتها في حال استمرار العمليات العسكرية في المنطقة لفترة أطول.

واختتم بلومنتال رسالته إلى وزارة الحرب، بالتأكيد على مسؤولية المؤسسة العسكرية تجاه أفراد الطاقم، قائلا: "لقد لبّى الرجال والنساء على متن (لينكولن) نداء الوطن لخدمة بلادهم، والوزارة لا تُدين لهم فقط بالإمدادات الكافية والصيانة والدعم أثناء هذا الانتشار، بل بالرعاية الكاملة".

وهكذا، لا تبدو أزمة "أبراهام لينكولن" مجرد قصة عن حاملة طائرات تقضي أياما طويلة في البحر، بل صورة أوسع لما يمكن أن تتركه الحروب الممتدة من آثار على القوات التي تخوضها.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان