ترامب وممداني.. كيف يتحول الخلاف حول نتنياهو إلى معركة انتخابية أوسع؟
كتب : محمد جعفر
ترامب وممداني
في مواجهة تتجاوز حدود الخلاف حول بنيامين نتنياهو، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عمدة نيويورك زهران ممداني خصمًا يمكن توظيفه في معركة سياسية أوسع مع الحزب الديمقراطي، فبينما يتمسك ممداني بتعهده باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي إذا ظهر في المدينة، يلوّح ترامب بالمواجهة لتقديم الديمقراطيين باعتبارهم حزبًا أكثر تطرفًا، مستفيدًا من الانقسام المتزايد داخل صفوفهم بشأن إسرائيل والحرب في غزة، في الوقت الذي تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي.
وفي تقرير لشبكة "سي إن إن"، قد تكون معدلات تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تراجع، لكن هناك حس سياسي يبدو أكثر حدة من أي وقت مضى، يتمثل في افتعال معركة مع خصم يمكن تصويره باعتباره ممثلًا للحزب الديمقراطي بأكمله.
وفي هذا السياق، يأتي عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي لم يستغرق الأمر سوى أيام قليلة حتى استغل ترامب رفضه التراجع عن تعهده الانتخابي باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه، إذا ظهر في المدينة.
وأعلن ترامب، الاثنين، عبر منصة "تروث سوشيال": "لن يتم اعتقال بنيامين نتنياهو بأي شكل من الأشكال أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية".
الخلاف يتجاوز نتنياهو
وأثار رد الرئيس الأمريكي احتمال حدوث صدام بين السلطة الفيدرالية ومدينة نيويورك التي كان يعتبرها موطنه في السابق، لكن أهمية الخلاف تتجاوز ذلك، فالموقف يمثل مثالًا على عادة ترامب في استغلال قضية أو شخصية لإثارة جدل سياسي أوسع، فهو لا يدافع فقط عن حليفه نتنياهو، وربما يخلق شعورًا جديدًا بالالتزام تجاه زعيم توترت علاقته به مؤخرًا، بل يمهد أيضًا لروايته الانتخابية النصفية الناشئة، التي تقوم على تصوير الحزب الديمقراطي باعتباره أصبح متطرفًا للغاية.
ومع ذلك، قد يتبنى كل من ترامب وممداني صراعًا حول نتنياهو، وهو صراع له تداعيات داخلية أعمق من مجرد نزاع في السياسة الخارجية بشأن مقتل المدنيين في الهجوم الإسرائيلي على غزة، عقب هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023.
لذلك وبحسب التقرير، قد لا تبدو مسألة قدرة ممداني على اعتقال نتنياهو هي الأهم، خاصة أن هذه المسألة غامضة؛ فالولايات المتحدة لم تصادق على نظام روما الأساسي، الذي يُلزم الدول الأعضاء باعتقال الأشخاص الصادرة بحقهم مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية. كما أن واشنطن سمحت منذ فترة طويلة حتى لقادة دول معادية، من دول مثل إيران وكوبا، بزيارة نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
بل إن هذه واحدة من المناسبات التي يبدو فيها خوض المعركة أهم من الفوز بها، كما تمثل هذه المواجهة لمحة عن ابتعاد السياسة الأمريكية عن الدعم التاريخي وشبه العالمي لإسرائيل، وتجسد في الوقت نفسه التطور الأوسع داخل الحزب الديمقراطي.
كيف ينظر الديمقراطيون الآن إلى إسرائيل بشكل مختلف؟
يُعد ممداني من بين جيل جديد من الديمقراطيين الذين تبنوا خطابًا حادًا مناهضًا لإسرائيل، وهو خطاب يحظى برضا القاعدة الليبرالية. ويظهر إصراره على عدم التراجع عن وعده الانتخابي باعتقال نتنياهو حرصه على استثمار رصيده السياسي الذي جمعه خلال حملته، وهو أمر بالغ الأهمية لتنفيذ برنامجه التقدمي، في ظل انتقاله من شخصية ثورية من خارج المؤسسة السياسية إلى شخصية مطلعة على شؤون الحكومة.
وأصبحت آراء ممداني بشأن إسرائيل بمثابة عقيدة راسخة لدى العديد من الديمقراطيين التقدميين والشباب، الذين يعتقدون أن نتنياهو ارتكب إبادة جماعية ضد عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين.
وقال ممداني، في مقابلة عبر بودكاست مع صحيفة "نيويورك تايمز"، أشار خلالها إلى أنه يستشير مستشاريه القانونيين بشأن نتنياهو: "مكان رئيس الوزراء في لاهاي. إنه مجرم حرب وقد وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات"، وهو رأي قال إنه "يؤيده الكثيرون".
كيف يمكن أن تتحول علاقة صداقة حميمة إلى علاقة سيئة؟
قد يمثل الخلاف الحاد حول نتنياهو أحدث تطور في علاقة ترامب بممداني، بعدما كانت تربطهما علاقة ودية خلال اجتماع في المكتب البيضاوي العام الماضي.
وعلى الرغم من اختلافهما الكبير في العمر والأيديولوجية والمزاج، يشترك ترامب وممداني في سمات رئيسية؛ فكلاهما يسعى إلى إرضاء قاعدته الشعبية من خلال سياسات شعبوية، كما يتمتعان بمهارات تواصل سياسي متطورة للغاية، وبحسب التقرير يناسب ممداني التفاعل مع ترامب لأنه يؤكد نفوذه باعتباره شخصية وطنية، بينما يبحث الرئيس الأمريكي دائمًا عن زاوية مناسبة.
وكان استكشاف ترامب لمواجهة ممداني بشأن نتنياهو معتدلًا نسبيًا مقارنة بالنهج العام لمنشوراته على منصة "تروث سوشيال"، لكنه يفتح الباب أمام احتمال أن يصبح الدور المحوري الذي تلعبه نيويورك في تحول الحزب الديمقراطي ضد إسرائيل مؤشرًا مهمًا في قضية البيت الأبيض الأوسع، التي تقوم على أن الحزب أصبح متطرفًا للغاية بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين.
وقد يصبح ممداني، بالنسبة إلى ترامب، استعارة للحزب الديمقراطي الأوسع في الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي.
إسرائيل.. ورقة جديدة في معركة الانتخابات النصفية
يملك الديمقراطيون فرصة كبيرة لمواجهة حزب الرئيس في نوفمبر، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن البلاد فقدت الثقة في إدارته الاقتصادية، وتحمله مسؤولية فشله إلى حد كبير في الوفاء بوعوده بخفض الأسعار، لكن إذا تمكن ترامب من إثارة صدامات أيديولوجية أو ثقافية، فقد يمنع الديمقراطيين من استقطاب المزيد من الناخبين المحافظين البيض من الطبقة العاملة بعيدًا عن تحالفه الانتخابي لعام 2024.
وقبل عامين، نجح ترامب في استغلال قضايا مثل الهجرة، والرياضيين المتحولين جنسيًا في الرياضة، والجريمة، لتصوير الديمقراطيين على أنهم منفصلون عن الواقع. وقد تكون إسرائيل هي القضية التالية.
كما أن إقحام إسرائيل في هذه الحملة الانتخابية يساعد ترامب على حشد التأييد بين المحافظين الإنجيليين الذين يدعمون إسرائيل، والجمهوريين التقليديين الذين ربما فقدوا حماسهم لخطابه، والناخبين المترددين الذين قد يشعرون براحة أكبر مع السياسات الخارجية الأمريكية التقليدية.
وفي المقابل، يتجه الديمقراطيون بالفعل نحو انقسام حاد بشأن إسرائيل، إذ يحذر الأعضاء الأكثر اعتدالًا من أن بعض الخطابات المعادية لنتنياهو تنحرف نحو معاداة السامية. وقد يشعر ترامب بأنه قادر على استمالة بعض الناخبين اليهود الذين اعتادوا التصويت للديمقراطيين، بينما يخشى الديمقراطيون الوسطيون من أن حزبهم يعرّض حليفًا بالغ الأهمية للخطر.
وخلص التقرير إلى أنه في الوقت الراهن، تظل أبرز الانقسامات حول الحرب في غزة داخل الحزب الديمقراطي نفسه، وهو ما يمنح ترامب كل الأسباب لمحاولة استغلال شخصية مثل ممداني لإثارة انقسام حاد داخل صفوفهم.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News