إعلان

محطات تحلية المياه.. ما أهميتها لدول الخليج وماذا لو استهدفتها إيران بهجوم واسع؟

كتب : محمود الطوخي

07:58 م 19/07/2026

محطات تحلية المياه

تابعنا على

أعلنت وزارة الكهرباء والمياه والطاقة المتجددة الكويتية في وقت سابق اليوم أن محطة توليد الطاقة وتحلية المياه الكويتية تعرضت لهجوم إيراني للمرة الثانية خلال يومين.

جاء هذا التطور الميداني الخطير بعد إعلان مسؤول محلي إيراني أمس أن هجوما أمريكيا ألحق أضرارا بالغة بمحطة لتحلية المياه في الأراضي الإيرانية.

وتُعد محطات تحلية مياه البحر، التي تحول المياه المالحة إلى مياه صالحة للشرب، بمثابة شريان الحياة الأساسي في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث تسهم في دعم بعض المناطق النائية خلال فترات الجفاف الطويلة.

وتعتمد بعض دول المنطقة بشكل شبه كامل على التحلية لتوفير مياه الشرب لسكانها.

وتغطي تحلية المياه حوالي 90% من احتياجات المياه العذبة في دولة الكويت وسلطنة عمان، بينما تبلغ هذه النسبة في البحرين 85%، وفي السعودية حوالي 70%.

وتعتمد المناطق الحضرية والمدن الخليجية الرئيسية، وفي مقدمتها أبوظبي، ودبي، والدوحة، ومدينة الكويت، وجدة، بشكل شبه كامل على المياه المحلاة.

وفي المقابل، تعتمد إيران على تحلية المياه بنسبة أقل من جيرانها في الخليج لتوفير مياه الشرب، ومع ذلك تظل هذه العملية أساسية لتوفير المياه للمجتمعات الساحلية والجزرية وللمساعدة في التخفيف من آثار الجفاف الحاد.

وكانت محطات تحلية المياه قد استُهدفت كذلك مع بداية النزاع في شهر مارس الماضي.

وفي ذلك الوقت، أدان المجلس العالمي للمياه التابع للأمم المتحدة المعني بالدفاع عن الأمن المائي العالمي، تلك الهجمات بشدة، ودعا جميع الأطراف إلى "الاحترام الكامل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي"، مشيرا في بيانه إلى مادة واضحة من اتفاقية جنيف تحظر على المقاتلين مهاجمة الموارد الأساسية لبقاء المدنيين على قيد الحياة "مثل منشآت وإمدادات مياه الشرب".

"ممالك المياه المالحة" ونقاط الضعف المتزايدة

يُبرز هذا التصعيد العسكري المتسارع الخطر المحتمل الذي بات يهدد مئات محطات تحلية المياه في منطقة الخليج، والتي تزود نحو 100 مليون نسمة بمياه الشرب اليومية؛ فبينما لا تزال إيران تحصل على معظم مياهها من الأنهار والمياه الجوفية الطبيعية، يفتقر الخليج تماما إلى موارد المياه العذبة الطبيعية، ما يجعل دولا مثل الكويت وعمان والبحرين تعتمد على التحلية لتوفير معظم مياه الشرب.

وصرح مايكل كريستوفر لو، مدير مركز الشرق الأوسط في جامعة يوتا، لشبكة "سي إن إن"، بأن توجيه هجوم منسق على هذه البنية التحتية الحيوية سيكون بمثابة "تصعيد لا يمكن تصوره" تقريبا.

لكن الخبراء يرون أن معايير الحروب بدأت تتبدل بالفعل.

وفي هذا الصدد، قال لوران لامبرت، الأستاذ المشارك في السياسة العامة في معهد الدوحة للدراسات العليا في قطر: "إذا كانت الهجمات على محطات تحلية المياه بداية لسياسة عسكرية وليست مجرد أخطاء أو أضرار جانبية، فإن هذا أمر غير قانوني، جريمة حرب، وتطور مثير للقلق للغاية، حيث أن دول الخليج لديها مخزون من المياه يكفي لبضعة أسابيع فقط".

لقد حولت ثروات النفط والغاز منطقة الخليج من منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة إلى دول غنية بمدن نابضة بالحياة في غضون عقود قليلة؛ لكن ما يغفله الكثيرون في هذه الطفرة العمرانية هو الأثر الجوهري لعملية تحلية المياه التي تغذيها وتديرها نفس مصادر النفط والغاز، والتي سمحت بازدهار سكاني واسع في دول صحراوية تكاد تخلو من الأنهار الطبيعية.

وتعمل عملية التحلية على تحويل مياه البحر لمياه صالحة للشرب عن طريق إزالة الأملاح والمعادن والشوائب، إما بتسخينها الحراري أو بتمريرها عبر أغشية دقيقة تحت ضغط عالٍ، وهي عملية مكلفة للغاية وتستهلك كميات هائلة من الطاقة.

وأوضح لو، الذي يعكف على تأليف كتاب يحمل اسم "ممالك المياه المالحة"، أن دول الخليج قد تحولت فعليا إلى "ممالك مياه مالحة"، مضيفا: "إنها قوى عظمى عالمية في إنتاج المياه الاصطناعية من البحر باستخدام الوقود الأحفوري".

وأشار نادر حبيبي، أستاذ اقتصاديات الشرق الأوسط في جامعة برانديز، إلى أن تحلية المياه تمثل معجزة ونقطة ضعف بالغة للمنطقة في آن واحد، مؤكدا: "إن اقتصادات هذه المناطق، بل وحتى بقاء سكانها على المدى القصير، يعتمد بشكل كبير على سلامة محطات تحلية المياه هذه".

المياه كهدف استراتيجي وسلاح في الحروب

يعد استهداف البنية التحتية المدنية والخدمية الحيوية مخالفة صريحة لمبادئ القانون الدولي.

وصرح ديفيد ميشيل، الباحث الأول في مجال أمن المياه بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، بأن شن هجوم منسق على محطات التحلية سيكون "تصعيدا استفزازيا".

ومع ذلك، تمتلك المنطقة سابقة تاريخية؛ ففي عام 1991، إبان حرب الخليج، أطلق العراق عمدا مئات الملايين من براميل النفط في مياه الخليج العربي، ما تسبب في تلويث المياه المغذية لمحطات تحلية المياه.

واضطرت الكويت حينها إلى طلب مساعدة عاجلة من تركيا والسعودية ودول أخرى لتوفير مئات من صهاريج وشاحنات المياه لتوصيل المياه المعبأة للسكان.

ولفت ميشيل إلى أن العقد الماضي شهد "تآكلا كبيرا في المعايير" الدولية المتعلقة بتحييد البنية التحتية للمياه؛ حيث شنت روسيا أكثر من 100 هجوم استهدف البنية التحتية للمياه في أوكرانيا خلال غزوها، كما دمرت إسرائيل مرافق المياه والصرف الصحي الحيوية في قطاع غزة.

ومن جانبها، قالت مروة داودي، الأستاذة المشاركة في العلاقات الدولية بجامعة جورج تاون: "لقد أصبح هذا للأسف اتجاها سائدا. فقد انضم الماء إلى القائمة الطويلة من الأهداف وأسلحة الحرب".

ورغم أن إيران لم تشن حتى الآن هجوما منسقا واسعا على منشآت تحلية المياه في الخليج، إلا أن الخبراء يخشون أن تؤدي الهجمات المتبادلة على البنى التحتية إلى دفعها للقيام بذلك، خصوصا وأنها لا تمتلك نفس القوة العسكرية التقليدية التي تمتلكها أمريكا وإسرائيل؛ فقد ترى في ضرب البنية التحتية وسيلة غير متكافئة لإلحاق أضرار بالغة بالخليج ودفع المنطقة للضغط من أجل إنهاء الحرب.

وقال حبيبي في هذا الشأن: "لقد أظهر هذا النظام الإيراني أنه إذا كان بقاؤه في خطر، فلن يتردد في تصعيد الأمور إلى البنية التحتية، خصوصا إذا قررت إسرائيل وأمريكا مهاجمة البنية التحتية الحيوية للغاية لإيران".

السيناريوهات الكارثية والمخاطر السيبرانية

تشكل الهجمات العسكرية المباشرة مصدر القلق الأكبر، ولكن هناك أيضا خطر الضربات غير المباشرة؛ حيث غالبا ما تتجمع محطات تحلية المياه مع بنى تحتية حيوية أخرى لتحقيق الكفاءة التشغيلية، مثل محطات توليد الطاقة والموانئ التجارية.

ويضاف إلى ذلك خطر الهجمات السيبرانية؛ ففي عام 2023، أعلنت الحكومة الأمريكية أن إيران شنت هجمات إلكترونية اخترقت البنية التحتية للمياه في عدة ولايات أمريكية، تاركة لافتة وصورة رقمية تحمل عبارة: "لقد تم اختراقك، فلتسقط إسرائيل".

ولا يعني إيقاف محطات تحلية المياه عن العمل حدوث كارثة إنسانية فورية؛ فدول الخليج تمتلك أنظمة تخزين احتياطية استراتيجية وموارد مالية وفيرة لتغطية أي حالات طارئة.

لكن الهجمات على المحطات الضخمة التي تغذي مساحات شاسعة ومدنا كبرى مثل الرياض وأبوظبي ودبي قد تخلف آثارا بالغة الصعوبة.

وفي هذا الصدد، قال زين سوانسون، نائب مدير برنامج الأمن الغذائي والمائي العالمي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "قد يصبح فقدانها كارثيا"، مرجعا ذلك إلى أن محطات تحلية المياه هي منشآت متطورة ومعقدة هندسيا وفنيا، وقد يستغرق إعادتها للخدمة وتشغيلها أسابيع عديدة في حال تعرضها للتلف الجسيم.

ولفت حبيبي، الأستاذ بجامعة برانديز، إلى أن بعض الدول تمتلك قدرة احتياطية محدودة نسبيا لمواجهة انقطاعات المياه الطويلة، مشيرا إلى البحرين والكويت كدولتين معرضتين للخطر بشكل خاص، كونهما دولتين صغيرتين بموارد بديلة أقل للتعامل مع هذا الوضع الطارئ، وتعتمدان كليا على التحلية.

وأوضح لوران لامبرت أن التأثيرات المباشرة لانقطاع المحطات قد تتراوح بين فرض قيود صارمة على استخدام حمامات السباحة والمنتزهات المائية، والإغلاق المؤقت للأنشطة الاقتصادية والصناعية كثيفة الاستهلاك للمياه، بما في ذلك بعض الأنشطة الزراعية المحتملة، ومطالبة السكان بتقليل معدلات استهلاكهم اليومي إلى الحدود الدنيا.

تغير المناخ والخط الأحمر النووي

ليست هذه هي المرة الأولى التي تُثار فيها مسألة هشاشة موارد المياه العذبة بالنسبة لدول الخليج؛ فقد أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي أيه" تقريرا تقديريا في عام 2010 خلص إلى أن تعطيل عملية تحلية المياه في منطقة الخليج "قد تكون له عواقب وخيمة تفوق خسارة أي صناعة أو سلعة أخرى" على الإطلاق في المنطقة.

وبينما تشكل العمليات العسكرية مصدر القلق الراهن، يعتقد الأكاديمي مايكل لو أن تغير المناخ يمثل الخطر الأكبر على المدى الطويل؛ فهو لا يؤدي فقط إلى زيادة تواتر وشدة العواصف وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة التي تلحق الضرر بالمنشآت الساحلية، بل إن الاعتماد على الوقود الأحفوري المسبب لارتفاع حرارة الكوكب لإنتاج المياه العذبة يفاقم أزمة المناخ ويزيد من ندرتها.

ويصف لو عملية تحلية المياه بأنها "انتصار من القرن الـ20، ولكنه يحمل معه تساؤلات مناخية مُحتملة من القرن الـ21".

ويشهد الخليج الآن ذروة فصل الصيف، وحذر سوانسون من هذا الترابط الإقليمي قائلا: "ستزداد موارد المياه تضررا كلما طال أمد النزاع، وازدادت مخاطر تعرض هذه البنية التحتية للخطر".

ومع غموض الموقف الإيراني النهائي، يؤكد الخبراء أن شن هجوم منسق يستهدف شل محطات تحلية المياه الخليجية سيمثل تجاوزا صريحا وغير مقبول للخطوط الحمراء الدولية؛ حيث علق لو على ذلك قائلا: "سيكون الأمر أشبه بمحاولة استخدام سلاح نووي"،

وقال: "إنها استراتيجية غريبة حقا، وستكون آثارها السياسية والنفسية هائلة لدرجة يصعب عليّ تخيلها".

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

إعلان