إجراءات تعسفية.. كيف تعرقل إسرائيل عودة فلسطينيين إلى غزة؟
كتب : محمود الطوخي
كيف تعرقل إسرائيل فلسطينيين من العودة إلى غزة
أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ واستهجانه الشديد حيال استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تطبيق سياسة تعسفية تقوم على منع العودة إلى غزة وتطال فئات واسعة من الفلسطينيين، بمن فيهم النساء والأطفال والجرحى وكبار السن.
واعتبر المركز الحقوقي أن هذه الإجراءات تترجم توجها متزايدا لتقييد حق المواطنين في العودة إلى ديارهم ومناطق سكناهم، إلى جانب تعميق أزمة التشتت العائلي، وفرض أمر واقع يهدف إلى ترسيخ سياسات التهجير القسري.
وأوضح المركز في بيان اليوم الأربعاء، أنه رصد خلال الأسابيع الأخيرة عددا متصاعدا من الشهادات الميدانية التي تؤكد منع العودة إلى غزة لسكان من القطاع متواجدين في الخارج، عن طريق إخضاع طلبات رجوعهم لإجراءات الرفض الأمني المطبقة من جانب سلطات الاحتلال.
وأشار البيان إلى أن الآلية المعمول بها لرجوع العالقين تتطلب تسجيل الأسماء لدى سفارة فلسطين في القاهرة أو من خلال الاستعانة بشركة تنسيق خاصة، تمهيدا لعرض القوائم على سلطات الاحتلال لفحصها وإصدار تصاريح المرور والموافقات المطلوبة، وهي إجراءات ملاحية وإدارية قد تستغرق عدة أيام أو أسابيع.
آليات وشهادات توثق منع العودة إلى غزة
ولفت المركز إلى أن المعطيات والبيانات التي قام بتوثيقها تبين أن قرارات الرفض الأمني تصدر وتتكرر بشكل مفاجئ لتطال نساء وأطفالا ومسنين دون توضيح الأسباب أو توفير أي آلية قانونية واضحة للاعتراض عليها، ما يفرغ الحق في الرجوع إلى الوطن من مضمونه ويحوله إلى امتياز يخضع لرغبة سلطات الاحتلال المنفردة.
ووثق المركز الحقوقي حالات لنساء ما زلن عالقات خارج غزة منذ أشهر أو سنوات، حيث يحول هذا الإجراء دون تمكنهن من الالتحاق بأزواجهن وأطفالهن، بالإضافة إلى مرضى أنهوا بروتوكولات علاجهم الطبي في الخارج وبقوا محرومين من الرجوع إلى منازلهم، ما يعرضهم لظروف إنسانية ونفسية بالغة الصعوبة والتعقيد.
ونقل البيان شهادات لعدد من المتضررين، حيث أفادت سيدة بأنها تركت زوجها وأطفالها لتلقي العلاج الطبي في الخارج، لتفاجأ لاحقا برفض عودتها رغم استكمال علاجها.
وأوضحت سيدة أخرى أنها منعت من الالتحاق بأسرتها وتطبيق منع العودة إلى غزة بحقها على الرغم من فقدانها عددا من أفراد عائلتها خلال الحرب المستمرة.
كما ذكر مسن غادر القطاع بغرض العلاج الطبي أنه يواجه الرفض المستمر لطلبه، ما يمنعه من العودة للقاء أبنائه وأحفاده.
المخاطر القانونية والديموغرافية لسياسة منع العودة إلى غزة
وشدد المركز على أن إجبار الفلسطينيين الراغبين في الرجوع إلى أماكن سكنهم على الخضوع للفحص الأمني الإلزامي والتسجيل المسبق في انتظار موافقة سلطات الاحتلال، يمثل انتهاكا صريحا لحرية الحركة والتنقل والحق الأصيل في العودة إلى الوطن، مؤكدا أنه لا يجوز من الناحية القانونية رهن هذه الحقوق الأساسية بموافقات أمنية أو قرارات تعسفية تصدر عن القوة القائمة بالاحتلال.
ونبه البيان إلى أن المواطنين الذين يحصلون على موافقة للعبور يواجهون ممارسات أمنية معقدة ومهينة أثناء المرور على المعابر، تشمل التفتيش المطول، واستجوابات متكررة، ومصادرة الأغراض الشخصية، إلى جانب توثيق حالات اعتقال لبعض العائدين رغم حملهم تصاريح مسبقة، فضلا عن تعرض مسافرين، بمن فيهم نساء، للاعتداء بالضرب وسوء المعاملة والتهديد والابتزاز في نقاط العبور.
وأكد المركز أن هذه الممارسات المتراكمة تكشف عن خطة ممنهجة تتجاوز الذرائع الأمنية لتستهدف تأسيس بيئة طاردة للسكان، وتقويض البنى الاجتماعية والأسرية، وإخضاع حقوق المواطنين لقيود قاسية، بما يتماشى مع مخططات أوسع تسعى لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في قطاع غزة وجعل التهجير القسري واقعا دائما.
موقف القانون الدولي من ممارسات منع العودة إلى غزة
وبين المركز أن هذه الإجراءات تشكل مخالفة جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، موضحا أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضمن حق الدخول إلى الوطن ويحمي شمل العائلات، كما تحظر اتفاقية جنيف الرابعة التدابير المؤدية لتفريق الأسر أو التهجير القسري، في حين يصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الإبعاد والنقل القسري للسكان، في سياقات معينة، كجريمة ضد الإنسانية.
وحذر من أن استخدام المعابر للتحكم في حركة المسافرين وفرض منع العودة إلى غزة يندرج ضمن السياسة الإسرائيلية الساعية لتقليص أعداد الفلسطينيين في القطاع ودفعهم للبقاء في الخارج وتشتيت الأسر.
وطالب المركز الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمقررين الخاصين لحقوق الإنسان، بضرورة التحرك العاجل لتمكين كافة العالقين من العودة دون قيد أو شرط، ووقف ممارسات المنع، وتأمين معابر إنسانية تحترم كرامة الأفراد، ومساءلة مرتكبي هذه الانتهاكات.
وأكد المركز على أن حرية الحركة والتنقل والحق في العودة إلى الوطن والحفاظ على وحدة العائلة هي حقوق ثابتة وغير قابلة للمساومة، مشددا على أن سياسة إبقاء الفلسطينيين قسرا خارج ديارهم تهدف لتغيير التركيبة السكانية في الأراضي المحتلة وتستدعي تدخلا دوليا عاجلا لفرض المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.
وتواصل إسرائيل منذ 8 أكتوبر 2023، ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة عبر القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري والاعتقال، متجاهلة كافة المطالبات الدولية وقرارات محكمة العدل الدولية بوقف هذه الممارسات.
وخلفت الإبادة المستمرة ما يزيد على 247 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، تمثل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم، بالإضافة إلى وجود أكثر من 11 ألف مفقود، ونزوح مئات الآلاف، وانتشار مجاعة أودت بحياة الكثيرين ولا سيما الأطفال، فضلا عن التدمير الكامل والواسع الذي طال غالبية مدن القطاع ومسح ملامحها الجغرافية.