بعد تهديد ترامب.. كيف يصنف القانون الدولي استهداف البنية التحتية المدنية؟
كتب : محمود الطوخي
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تمسكه بمسار التصعيد الميداني، ملوحا باستهداف الجسور ومراكز توليد الطاقة الكهربائية الإيرانية في حال واصلت طهران رفضها العودة لمسار التفاوض المباشر.
وأوضح ترامب لشبكة "فوكس نيوز"، أن الفترة القادمة ستحمل تداعيات وخيمة للجانب الإيراني مع اقتراب البدء في قصف المنشآت الخدمية والجسور، مشددا على ضرورة رضوخ القيادة الإيرانية لصياغة اتفاق، وإلا فستواجه عزلة تامة تنهي وجود حلفائها بالكامل.
ولم يكن هذا التهديد هو الأول من نوعه، إذ يمتلك الرئيس الأمريكي سجلا من التحذيرات المشابهة؛ حيث وجه في أبريل الماضي رسالة وعيد بالغة القسوة أكد فيها أن فناء حضارة بأكملها قد يحدث في غضون ليلة واحدة، تزامنا مع اقتراب نهاية المهلة التي حددتها الإدارة الأمريكية لإيران لإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.
معايير تصنيف العمليات العسكرية ومشروعية ضرب البنية التحتية الإيرانية
وفي إطار السجال الدائر حول البعد القانوني لهذه التهديدات، ناقشت شبكة "سي إن إن" الجوانب التنظيمية لتلك العمليات مع خبراء ومسؤولين عسكريين وقانونيين.
ونقلت الشبكة عن الجنرال المتقاعد مارك كيميت، تأكيده أن المنشآت الحيوية والجسور تندرج ضمن الأهداف المشروعة في حال استخدامها لدعم وإسناد القوات المسلحة.
وأشار كيميت إلى أنه لم يلحظ في حديث الرئيس الأمريكي أي مساس بالمرافق المدنية البحتة، متمنيا الإبقاء على تركيز العمليات العسكرية ضمن النطاق الميداني البحت دون المساس بالمدنيين.
ومن منظور القانون الدولي، استعرض الخبير القانوني كريج جونز، الذي يشغل منصب المحاضر البارز في جامعة نيوكاسل البريطانية، محددين أساسيين لتقييم مثل هذه العمليات.
يتلخص السؤال الأول في مدى قدرة الهجوم على تحقيق مكاسب عسكرية ملموسة وذات أثر مباشر، بينما يعنى السؤال الثاني بمدى تناسب هذه المكاسب المفترضة مع حجم الأضرار والمخاطر التي قد تلحق بالبيئة الطبيعية والمواطنين العزل.
وفي مارس الماضي، شدد جونز على أن مبادئ الانتقام والقصاص تقع خارج أطر التشريعات الدولية تماما، ما يجرد هذه الهجمات من أي غطاء قانوني، موضحا أن تحقيق مكاسب عسكرية ميدانية لا يعني تلقائيا تلبية شروط عتبة التناسب، والتي تفرض تقييم الآثار الجانبية المدمرة على التجمعات السكنية قبل الإقدام على خطوة تندرج تحت مسمى ضرب البنية التحتية الإيرانية.
تحذيرات حقوقية وأممية من تداعيات ضرب البنية التحتية الإيرانية
تقاطعت هذه الرؤية مع تحذيرات أطلقتها أوساط حقوقية ودولية بارزة؛ حيث نبهت هبة مرايف، بصفتها المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، في وقت سابق من العام الجاري، إلى أن استهداف منشآت الطاقة قد يخلف تبعات إنسانية كارثية على السكان.
وحذرت مرايف من أن هذا الاحتمال يضع الهجمات المذكورة في دائرة المخالفة الصريحة لمبادئ القانون الإنساني الدولي، ويجعلها ترقى في تصنيفات معينة إلى مستوى جرائم الحرب.
وفي السياق نفسه، عبر بن شاول، الذي يشغل منصب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، في مارس الماضي، عن إدانته الشديدة لرسائل الوعيد المتبادلة بين واشنطن وطهران بخصوص استهداف المرافق الخدمية الحيوية.
وأكد بن شاول أن إخراج هذه التهديدات إلى حيز التنفيذ الفعلي سيمثل انتهاكا جسيما يندرج قانونيا تحت بند جرائم الحرب وفقا لأحكام القانون الدولي المعمول بها عالميا.
مقاربة دبلوماسية بديلة لتهديدات ضرب البنية التحتية الإيرانية
على الصعيد الدبلوماسي، انتقد السفير والمساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي كريستوفر هيل أسلوب التهديد بقصف الجسور ومنشآت الطاقة كأداة للضغط، مؤكدا في تصريحات لشبكة "سي إن إن" أن هذا الخيار لن يدفع الأزمة نحو الحل.
ووصف هيل الوعيد الذي ساقه ترامب في مقابلته الأخيرة مع "فوكس نيوز" يوم الثلاثاء بأنه ينطوي على تعقيدات وإشكالات بالغة، معربا عن شكوكه العميقة في جدوى هذا المسار المليء بالعقبات، والذي لا يراه الطريق الملائم لإدارة النزاع.
ولا يعد هذا الوعيد بالهجوم على البنية الأساسية جديدا في مسيرة ترامب، إذ سبق له التلويح بضرب حقول النفط ومحطات تحلية المياه العذبة، على الرغم من النصوص الواضحة في معاهدات واتفاقيات جنيف، والتي تحظر بشكل قاطع قصف الأعيان الحيوية والمرافق الضرورية لضمان بقاء المدنيين على قيد الحياة، وتمنع تصنيفها ضمن الأهداف العسكرية المشروعة.