من نوبل السلام لمعارك انقسام.. كيف تحولت إثيوبيا في عهد آبي أحمد؟
كتب : محمد جعفر
آبي أحمد
ثمة لحظات في تاريخ الدول تتحول فيها الانتخابات من مجرد استحقاق دستوري إلى اختبار حقيقي لمستقبل الدولة ووحدتها، والانتخابات العامة الإثيوبية السابعة المقررة في الأول من يونيو 2026 تبدو واحدة من تلك اللحظات الفاصلة، فبينما يستعد أكثر من 50 مليون ناخب للتوجه إلى صناديق الاقتراع، تخوض البلاد هذا الاستحقاق وسط انقسامات عرقية حادة وصراعات مسلحة وأزمات سياسية متراكمة، في وقت لن تتمكن فيه مناطق واسعة في إقليمي أمهرة وتيجراي من المشاركة الكاملة بسبب الأوضاع الأمنية.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن التقدم والاستقرار، وواقع ميداني يطغى عليه العنف والتوتر، تبرز الانتخابات المقبلة باعتبارها اختباراً لمدى قدرة إثيوبيا على تجاوز أزماتها في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث.
من الإصلاح إلى الأزمات المتلاحقة
عندما وصل آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018، بدا وكأنه الزعيم القادر على إعادة تشكيل إثيوبيا وطي صفحة عقود من الحكم الصارم والاضطرابات السياسية، فقد استقبل الإثيوبيون والعالم صعوده باعتباره بداية لعهد جديد من الإصلاح والانفتاح، خاصة بعدما أظهره من نجاحات خلال أشهر قليلى تمثلت في إنهاء نزاع استمر عشرين عاماً مع إريتريا.

كما أنه أطلق سلسلة من الإجراءات الإصلاحية التي شملت الإفراج عن سجناء سياسيين وتوسيع هامش الحريات الإعلامية، وهي خطوات أهلته لنيل جائزة نوبل للسلام وترسيخ صورته كصانع سلام ومصلح استثنائي، بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية.
لكن بعد سنوات قليلة، تبددت تلك الآمال لتحل محلها صورة مختلفة تماماً، فإثيوبيا، التي يزيد عدد سكانها على 135 مليون نسمة، تجد نفسها اليوم غارقة في انقسامات عرقية حادة وصراعات مسلحة وأزمات سياسية متلاحقة، فيما يواجه آبي أحمد اتهامات متزايدة بأنه تحول من رمز للإصلاح إلى أحد أبرز أسباب حالة الاستقطاب التي تعصف بالبلاد.
واقعان متناقضان داخل الدولة
ومع اقتراب الانتخابات الوطنية، تبدو إثيوبيا وكأنها تعيش واقعين متناقضين، ففي العاصمة أديس أبابا، تبرز مشاريع البنية التحتية الحديثة وناطحات السحاب والطرق الجديدة والإصلاحات الاقتصادية باعتبارها دليلاً على التقدم الذي تروج له الحكومة، أما خارج العاصمة، فتواجه أقاليم مثل تيجراي وأمهرة وأوروميا تداعيات الحروب والنزوح والعنف المستمر، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تعصف بالدولة.

ويرى مراقبون أن نقطة التحول الرئيسية جاءت بعد قرار آبي أحمد تفكيك الائتلاف الحاكم التقليدي، الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، وتأسيس حزب الازدهار عام 2019، في خطوة هدفت إلى تعزيز المركزية السياسية وتقليص نفوذ القوى الإقليمية والعرقية، كما سعت الحكومة إلى دمج القوات المحلية التابعة للأقاليم ضمن الجيش الوطني، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة، خصوصاً في إقليم تيجراي الذي فقد نفوذه التاريخي داخل مؤسسات الدولة.
شكوك حول شمولية العملية الانتخابية
ومع تصاعد التوترات السياسية، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الاضطرابات، فقد عادت السلطات إلى تشديد قبضتها الأمنية، وشهدت الساحة السياسية اعتقالات لشخصيات معارضة وصحفيين، فيما أدى الخلاف حول تأجيل الانتخابات إلى مواجهة مباشرة مع سلطات تيجراي التي أجرت انتخابات إقليمية منفصلة، لتتحول الأزمة سريعاً إلى حرب أهلية اندلعت في نوفمبر 2020.
وخلّف النزاع في تيجراي واحدة من أكثر الأزمات دموية في التاريخ الحديث، إذ تشير التقديرات إلى سقوط نحو 600 ألف ضحية، ورغم توقيع اتفاق سلام بوساطة الاتحاد الأفريقي عام 2022، فإن المخاوف من تجدد الصراع لا تزال قائمة، في ظل استمرار التوترات المسلحة في عدة أقاليم.

ويؤكد منتقدو الحكومة أن الانقسامات العرقية والاعتقالات والتضييق على المجال العام أضعفت شرعية السلطة الحالية، بينما ترفض الحكومة هذه الاتهامات وتعتبرها مزاعم لا تستند إلى حقائق.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتزايد الشكوك بشأن قدرة الانتخابات المقبلة على عكس الإرادة الشعبية بشكل كامل، خاصة بعد استبعاد إقليم تيجراي وأجزاء من إقليم أمهرة من العملية الانتخابية بسبب الظروف الأمنية، إلى جانب شكاوى أحزاب المعارضة من القيود السياسية والإدارية.
وبينما يقدم آبي أحمد الانتخابات باعتبارها الأكثر تنظيماً في تاريخ البلاد، يرى كثير من المراقبين (بحسب سي إن إن)، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صناديق الاقتراع، بل في قدرة إثيوبيا على تجاوز الانقسامات العميقة التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة والحفاظ على تماسك دولة تواجه أخطر اختبار لوحدتها منذ عقود.