إعلان

آلية الحوثيين لعبور البحر الأحمر.. كيف يمكن أن تؤثر على مصر؟

كتب : محمود الطوخي

11:30 م 08/11/2026

آلية الحوثيين لعبور البحر الأحمر.. كيف يمكن أن تؤث

تابعنا على

أعاد كشف مراسلات بين شركات شحن بحري ومركز تابع لجماعة أنصار الله "الحوثيين" طرح سؤال عن مستقبل الملاحة في البحر الأحمر، وعن قدرة مصر على حماية تعافي إيرادات قناة السويس؛ فبعض السفن باتت تطلب من الجماعة تطمينات قبل العبور، في حين تُظهر أحدث الأرقام الرسمية تحسنا في حركة القناة.

وبين المؤشرين لا تكمن المفارقة في استمرار المرور رغم التهديد فحسب، بل في مدى قدرة هذا التعافي على الصمود إذا ظلت سلامة الرحلة خاضعة لتقديرات أمنية متقلبة.

ما الذي تكشفه المراسلات؟

في تحقيق نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" قبل يومين، عُرضت مراسلات مع "مركز تنسيق العمليات الإنسانية" التابع للحوثيين، تتعلق بطلب تأكيدات للمرور، إذ نسقت بعض السفن مع المركز لتقليل خطر الهجوم، في حين عبرت سفن أخرى دون الاتصال به، ما يكشف عن ممارسة لدى بعض المشغلين، لا عن قاعدة مُطبقة على جميع السفن.

وتشير الصحيفة إلى مراسلة في أغسطس وموافقة على مرور سفينة حاويات صينية في سبتمبر، صالحة لمدة 7 أيام.

ورغم ذلك، فإن الآلية ليست بالجديدة؛ ففي أغسطس 2025 وثّقت شركة التأمين البحري "سكولد" إعلان خدمة لطلب تنسيق العبور الآمن.

وفي نوفمبر من العام نفسه، نقلت وكالة "أسوشيتد برس" إشارات إلى توقف الهجمات على الملاحة المرتبطة بإسرائيل، قبل أن تتجدد القيود الحوثية في سياق الصراع مع السعودية في يوليو 2026.

وأكد المركز الحوثي في أول أغسطس الماضي، أن الخدمة اختيارية ومجانية للسفن غير المشمولة بالحظر الذي أعلنه، وإن طلب التأكيد متاح عبر البريد الإلكتروني.

تعافٍ مصري أمام اختبار الاستمرار

فيما يتعلق بمصر، تأتي هذه التطورات بينما تسجل قناة السويس تحسنا ملموسا؛ فقد أعلنت هيئة القناة أن أكتوبر 2026 شهد أعلى معدل عبور بالقناة منذ بدء أزمة البحر الأحمر بعبور 1490 سفينة، بحمولات صافية بلغت 88 مليون طن، وإيرادات قدرها 724 مليون دولار؛ مقابل 1128 سفينة و47 مليون طن و373 مليون دولار في أكتوبر 2025.

لكن تحسن شهر واحد لا يمحو أثر الأزمة الطويلة.

فبحسب هيئة قناة السويس، انخفضت إيرادات القناة من 10 مليارات و250 مليون دولار عام 2023 إلى 3 مليارات و991 مليون دولار في 2024، أي بنحو 61%، وهو فرق يُظهر حساسية أحد الموارد الدولارية المهمة لمصر لتحويل مسارات التجارة.

وتحمل عودة بعض الخطوط البحرية دلالة على أن الشركات لا تتخذ قرارا واحدا تجاه المنطقة؛ أعلنت شركة «ميرسك» في 2 نوفمبر الجاري عودة خدمة مشتركة مع "هاباج لويد" تربط الهند بأوروبا إلى مسار قناة السويس بدل الدوران حول إفريقيا، مع ربط أي تعديلات لاحقة باستمرار مراقبة الوضع الأمني، وفقا لوكالة "رويترز".

بين كلفة الطريق وثقة الشركات

تختار شركة الملاحة مسارها بموازنة زمن الرحلة وكلفة الوقود والرسوم والتأمين، فضلا عن سلامة الطاقم والشحنة.

ويتيح المرور عبر قناة السويس اختصار الطريق في رحلات كثيرة بين آسيا وأوروبا، لكن استمرار التهديد قد يدفع بعض الشركات إلى اعتبار الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح الأقل مخاطرة، حتى إن كان أطول وأكثر كلفة.

وفي المقابل، قد تجد شركات أخرى أن العودة عبر البحر الأحمر مقبولة ضمن ترتيباتها الأمنية والتأمينية.

ويشير تحليل لمركز "تشاتام هاوس"، إلى أن استمرار عدم اليقين يمكن أن يؤثر في قرارات التأمين والمسارات حتى من دون إغلاق الممر الملاحي بالكامل.

وتكمن أهمية ذلك لمصر في أن أثر الأزمة لا يتوقف على عدد الهجمات الفعلية؛ إذ أن قرار سفينة بالابتعاد خشية التعرض للخطر يحرم القناة من مرور محتمل أيضا.

إلى جانب ذلك، فإن خطأ التقدير وتحديد فئات السفن المحددة بقرار الحظر البحري يمثل عامل تهديد إضافي، وهو ما ظهر جليا بعد قرار الجماعة اليمنية ضد السفن المرتبطة بإسرائيل في يونيو الماضي.

ونقلت "رويترز" عن مصادر في قطاع الشحن خشيتها من أخطاء في تحديد ارتباط السفن بالدول التي تستهدفها الجماعة؛ إذ أن من الممكن أن تتعدد في الرحلة الواحدة جنسية السفينة ومالكها ومشغلها ووجهة حمولتها، وهو ما يجعل تقييم المخاطر أكثر تعقيدا من مجرد النظر إلى العلم المرفوع عليها.

وحذر أحد المصادر، من أن هذه المخاوف ستدفع كل سفينة إلى التفكير مرارا في جدوى عبورها بالحبر الأحمر، موضحا: "ليس للحوثيين سجل حافل في تحديد السفن المرتبطة بإسرائيل، لذلك من الأفضل على الأرجح الالتفاف حول أفريقيا، ودفع تكاليف الوقود، والاستفادة من انخفاض تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب".

ومن جانبها، تحذر الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأمريكية، من ارتفاع المخاطر على السفن ذات الارتباطات الأمريكية أو البريطانية أو الإسرائيلية أو السعودية، وعلى بعض السفن المرتبطة بشركات تتعامل مع موانئ سعودية.

وأوصت السفن التي ترفع العلم الأمريكي بعدم اتباع طلبات الحوثيين المتعلقة بتغيير المسار أو تقديم بيانات الرحلة، إذا كان استمرار العبور آمنا.

كيف ينتقل الأثر إلى الاقتصاد المصري؟

إذا دفعت المخاطر مزيدًا من السفن إلى تجنب المسار، فقد تتراجع رسوم العبور وما يرتبط ببعض الرحلات من طلب على الخدمات البحرية واللوجستية. وسيعني انخفاض الإيرادات الدولارية ضغطا إضافيا على موارد مصر الخارجية.

وفي حال استمرت عودة الخطوط البحرية الدولية واستقرت المخاطر، فقد تتحسن تلك الموارد تدريجيا؛ وتظل النتيجة مرتبطة بأعداد السفن وأنواعها وحمولاتها، لا بمجرد صدور تطمين لسفينة بعينها.

وقد تنتقل آثار الاضطراب إلى تكلفة نقل الواردات والتأمين، ثم إلى بعض الأسعار أو تكاليف الإنتاج، إذ لا تمر جميع السفن العابرة للسويس من باب المندب؛ فبعض الرحلات يتجه بين المتوسط وموانئ في البحر الأحمر.

وتشير "رويترز"، إلى إمكانية توجيه بعض شحنات النفط شمالا عبر قناة السويس، بدلا من عبور المضيق جنوبا ثم حول إفريقيا، غير أن وجود هذا البديل لا يكفي للقول إن اضطراب باب المندب سيزيد إيرادات مصر إجمالا، إذ قد تتراجع في الوقت نفسه رحلات أخرى وتتغير مسارات البضائع.

وفي الوقت الراهن، تظل استعادة ثقة الخطوط الملاحية مرتبطة بما يحدث خارج قناة السويس بقدر ارتباطها بجودة الخدمات داخلها.

ودعت الباحثة إليزابيث دنت في تحليل لـ"معهد واشنطن"، إلى الجمع بين الدفاع والدبلوماسية في النزاع اليمني، معتبرة أن المساعدة العسكرية وحدها لا تكفي لمعالجة أسبابه السياسية.

وما يثبت حاليا، هو أن مصر لا تواجه اليوم توقفا كاملا للملاحة، بل تعافيا يمكن أن يستمر أو يتعثر وفق تطورات الأمن وقرارات الشركات.

وقد تقدم المراسلات لبعض المشغلين قدرا من الاطمئنان المؤقت، لكنها لا تحل محل استقرار قابل للاستمرار، ولا تكفي وحدها للحكم على اتجاه إيرادات القناة في الأشهر المقبلة.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك