تتجه الأنظار في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي التي انطلقت يوم الثلاثاء، إلى حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه بعض الكتل الانتخابية على نتائج السباقات المتقاربة، وفي مقدمتها العرب والمسلمون الأمريكيون، الذين أصبح حضورهم السياسي أكثر وضوحا، حيث تبرز أصواتهم في الولايات التي تتمتع فيها هذه المجتمعات بحضور سكاني وتنظيمي مؤثر، وهو ما يضع مواقف المرشحين من قضايا الشرق الأوسط، والحرب في غزة، والمواجهة العسكرية مع إيران، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ضمن العوامل التي قد تحدد اتجاهات التصويت.
وتكتسب الانتخابات النصفية أهمية خاصة باعتبارها محطة سياسية مفصلية في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ ستحدد نتائجها موازين القوى داخل الكونجرس خلال العامين المتبقيين من ولايته، وما إذا كان الجمهوريون سيتمكنون من الحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ، أم سينجح الديمقراطيون في استعادة السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، وفقا للمحللة السياسية الأمريكية وعضو الحزب الجمهوري، إيرانيا تسوكرمان.
تقول تسوكرمان، في تصريحات خاصة لموقع مصراوي، إن الناخبين الأمريكيين العرب في ولاية ميشيغان يمتلكون نفوذًا سياسيا كافيا للتأثير في سباقات الكونجرس شديدة التنافس، خاصة في المناطق المحيطة بمدينتي ديربورن وديترويت.
وتوضح المحللة السياسية الأمريكية، أن المرشحين الذين يخوضون منافسات بفوارق ضئيلة يتعين عليهم الاهتمام بمعدلات المشاركة بين هذه المجتمعات، التي تزايد استياؤها من الحزبين خلال حرب غزة، موضحة أن بعض الناخبين الذين اعتادوا دعم الديمقراطيين صوتوا لصالح ترامب في انتخابات عام 2024، بعدما تعهد بإنهاء الحروب الخارجية وتقليل التدخل العسكري الأمريكي، بينما اختار آخرون الامتناع عن التصويت.
تتابع تسوكرمان أن تداعيات المواجهة العسكرية التي يخوضها ترامب مع إيران قد تنعكس على قرارات هؤلاء الناخبين خلال انتخابات 2026، مشيرة إلى أن الأمريكيين العرب الذين أيدوه على أساس توقعاتهم بتقليل الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط قد يشعرون بخيبة أمل نتيجة تجدد العمليات العسكرية.
تشير عضو الحزب الجمهوري، إلى أن هذا التطور قد يدفع بعضهم إلى العودة لدعم المرشحين الديمقراطيين المعارضين للحرب، خصوصًا إذا اقترن ذلك باعتقادهم أن الإدارة الأمريكية لم تنجح في تحقيق تحسن ملموس في تكاليف المعيشة.
النفوذ السياسي للعرب والمسلمين يتجاوز التصويت
تؤكد المحللة السياسية الأمريكية، أن نفوذ العرب الأمريكيين تطور عبر المشاركة في الحكومات المحلية، موضحة أن المسؤولين المنتخبين والمنظمات المجتمعية في ديربورن أقاموا علاقات مع حملات المرشحين للكونجرس وشخصيات سياسية على المستوى الوطني.
ولفتت عضو الحزب الجمهوري، إلى أن تأييد هذه الجهات للمرشحين يمكن أن يؤثر في معدلات مشاركة الناخبين، خصوصًا عندما تكون لدى المرشحين معرفة محدودة باهتمامات المجتمعات المحلية ومخاوفها.
تضيف تسوكرمان، أن المسلمين الأمريكيين طوروا شبكات سياسية مماثلة في ولايات أخرى، من بينها مينيسوتا وفيرجينيا، حيث تشارك المنظمات المجتمعية في حملات تسجيل الناخبين وتنظيم المنتديات السياسية للمرشحين، بما يتيح للناخبين طرح تساؤلات مباشرة بشأن مواقف السياسيين من القضايا المختلفة.
وأوضحت عضو الحزب الجمهوري، أن هذه الأنشطة يمكن أن تؤثر في نسب الإقبال على التصويت داخل الدوائر الانتخابية التنافسية، خاصة بين الناخبين الذين لا يبدون اهتمامًا كبيرًا عادة بانتخابات الكونجرس.
وفي الوقت نفسه، شددت تسوكرمان على ضرورة التمييز بين العرب الأمريكيين والمسلمين الأمريكيين، رغم وجود تداخل بين المجموعتين، موضحة أن كثيرًا من العرب الأمريكيين ينتمون إلى الديانة المسيحية، بينما تضم المجتمعات المسلمة الكبيرة أشخاصًا من أصول جنوب آسيوية أو أفريقية.
وأضافت أن الهوية الدينية يمكن أن تؤثر في التوجهات السياسية، لكنها ليست العامل الوحيد المحدد لاختيارات الناخبين، إذ تؤثر أيضًا الظروف الاقتصادية وتجارب الأفراد مع المؤسسات الحكومية في قراراتهم الانتخابية.
كيف يسعى الديمقراطيون لاستعادة دعم العرب والمسلمين؟
وفيما يتعلق بمحاولات الحزب الديمقراطي استعادة ثقة الناخبين العرب والمسلمين الأمريكيين، قالت تسوكرمان إن المرشحين الديمقراطيين حاولوا إعادة بناء علاقاتهم مع هذه المجتمعات، بعد الأضرار السياسية التي لحقت بالحزب نتيجة تعامل إدارة الرئيس السابق جو بايدن مع ملف الحرب في غزة.
تشير عضو الحزب الجمهوري، إلى أن بعض المرشحين أصبحوا أكثر انتقادًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وطالبوا بفرض قيود إضافية على المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لإسرائيل، بينما ركز آخرون على معارضة المواجهة العسكرية المتجددة التي يخوضها ترامب مع إيران، خاصة عند مخاطبة المجتمعات التي سبق أن دعمته بسبب وعوده بتقليل التدخل الأمريكي في الحروب الخارجية.
تؤكد عضو الحزب الجمهوري، أن المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبد السيد شدد على معارضته استمرار الانخراط العسكري الأمريكي لفترات طويلة في الشرق الأوسط، كما ركزت حملته على تكاليف الرعاية الصحية والأعباء المالية التي تواجه العائلات العاملة.
وتضيف عضو الحزب الجمهوري، أن هذه المواقف قد تجذب بعض الناخبين الذين صوتوا لترامب في عام 2024، بسبب تعهداته الاقتصادية وانتقاداته للتدخلات العسكرية الأمريكية السابقة.
تتابع "كما عملت الحملات الديمقراطية مع المنظمات المدنية الإسلامية التي تنشط في تسجيل الناخبين والتواصل السياسي، إذ أتاحت منتديات المرشحين التي تنظمها هذه المجموعات للسياسيين مناقشة قضايا التمييز الديني والمخاوف المتعلقة بإنفاذ قوانين الهجرة".
ولفتت إلى أن بعض هذه المنظمات تربطها علاقات ممتدة بمكاتب أعضاء الكونجرس الديمقراطيين، وهو ما يمنح أنشطتها ومواقفها السياسية حضورًا أكبر خلال الحملات الانتخابية.
وأضافت أن الديمقراطيين التقدميين كانوا من أكثر الأطراف نشاطًا في انتقاد المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، الأمر الذي جذب دعم بعض الناخبين العرب والمسلمين الذين ينظرون إلى الحرب في غزة باعتبارها قضية سياسية أساسية.
دعم إسرائيل
لكنها أشارت في المقابل إلى استمرار وجود تيار داخل الحزب الديمقراطي يدعم التعاون الأمني الأمريكي الواسع مع إسرائيل، وهو ما تسبب في خلافات داخل الحزب بشأن الطريقة التي ينبغي للمرشحين التعامل بها مع هذه القضية.
وتطرقت تسوكرمان كذلك إلى نشاط بعض المنظمات المتعاطفة مع جماعة الإخوان المسلمين، والتي تسعى، إلى توسيع نطاق وصولها إلى السياسيين الديمقراطيين من خلال شبكات المناصرة المرتبطة بالحقوق المدنية وسياسات الشرق الأوسط.
وأوضحت أن أهداف هذه المنظمات تشمل المطالبة بدعم أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين المسجونين في الخارج أو الترويج لإعادة التأهيل السياسي للحركة، مشيرة إلى أن تعاون بعض المشرعين الديمقراطيين معها قد يضعهم أمام وجهات نظر مختلفة داخل المجتمعات العربية والمسلمة، خصوصًا من جانب العلمانيين المعارضين للحركات السياسية الإسلامية.
لماذا اتجهت قطاعات من العرب والمسلمين نحو الديمقراطيين؟
وحول أسباب ميل قطاعات من العرب والمسلمين الأمريكيين إلى الحزب الديمقراطي، أوضحت تسوكرمان أن تاريخ التصويت داخل الجاليات العربية الأمريكية شهد حضورًا جمهوريًا ملحوظًا، خاصة بين أصحاب الأعمال والعائلات ذات التوجهات المحافظة اجتماعيًا.
وأشارت إلى أن الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن حصل على دعم كبير من العرب الأمريكيين خلال انتخابات عام 2000، بعدما لاقت مواقف الجمهوريين بشأن الضرائب والقيم الدينية قبولًا لدى عدد من الناخبين، متابعة "لكن المشهد السياسي بدأ يتغير بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، مع تصاعد الإجراءات الأمنية الفيدرالية وزيادة الشكوك المجتمعية تجاه المسلمين، وهو ما انعكس على اختيارات قطاعات من هذه المجتمعات".
وأضافت أن كثيرًا من المسلمين الأمريكيين طوروا لاحقًا علاقات أكثر قوة مع السياسيين الديمقراطيين الذين انتقدوا التنميط الديني ودافعوا عن الحريات المدنية، كما عززت القيود التي فرضها ترامب خلال إدارته الأولى على السفر من عدة دول ذات أغلبية مسلمة هذه التوجهات، بعدما اعتبرها بعض الناخبين إجراءات تمييزية.
وأكدت تسوكرمان أن العلاقة بين المسلمين الأمريكيين والحزب الديمقراطي ليست خالية من الخلافات، إذ لا يزال بعض الناخبين المسلمين يشعرون بعدم الارتياح تجاه المواقف التقدمية للحزب بشأن قضايا الجنس والتعليم.
وأوضحت أن بعض الآباء الذين لديهم مخاوف بشأن المناهج الدراسية وجدوا توافقًا أكبر مع المرشحين الجمهوريين، خاصة في الانتخابات المحلية، كما قد يفضل المحافظون دينيًا مواقف الجمهوريين بشأن الإجهاض، حتى مع اختلافهم مع سياسات الحزب المتعلقة بالهجرة.
ولفتت تسوكرمان إلى أن الاعتبارات الاقتصادية تمثل عاملًا آخر في تحديد اختيارات العرب والمسلمين الأمريكيين، حيث يفضل أصحاب الأعمال خفض الضرائب وتقليل القيود التنظيمية، بينما تميل عائلات الطبقة العاملة إلى دعم المقترحات الديمقراطية المتعلقة بالرعاية الصحية والإنفاق العام.
وأكدت المحللة الأمريكية، أن الناخبين الذين شهدوا ارتفاعًا في تكاليف المعيشة خلال إدارتي الحزبين قد يقيمون المرشحين وفقًا لقدرتهم على التعامل مع هذه الضغوط الاقتصادية.
