إعلان

الأشجار.. بين مصر والصين

محمد لطفي

كتب - محمد لطفي

07:00 م الإثنين 07 سبتمبر 2026

مشهدان متناقضان تمامًا، شاهدتهما خلال الشهرين الماضيين. ففي سيمنار علمي شاركتُ به في جمهورية الصين الشعبية، نظّمته الأكاديمية الوطنية للغاباتNAFGA، رأيتُ عن قرب كيف نجحت الصين في تحويل الصحاري الشاسعة والجبال القاحلة إلى أكبر غابة صناعية في العالم.

لأفاجأ بعد عودتي بما حدث في شارع جامعة الدول العربية، من مذبحة للأشجار التاريخية به، وهو ليس مجرد خبر عابر، بل مرآة تعكس أزمة أعمق في ثقافة

التخطيط البيئي.

فعندما تُقلع شجرة لأجل طريق، فإننا نقطع جزءًا من ذاكرة المكان وجدارًا ضد التلوث، دون خطة واضحة لتعويض هذا الفقدان الجسيم.

هذان المشهدان المتباينان يكشفان بوضوح الفرق بين نهجين في التعامل مع الأشجار باعتبارها "ثروة" لا تُقدّر بثمن، وبينما تُقلع الأشجار المعمرة باعتبارها عائقًا للطريق.

ففي شارع جامعة الدول بالقاهرة تُقتلع الأشجار لتوسعة طريق، بينما تزرع الصين غابة صناعية هي الأكبر في العالم، وكأنها تبني "سورًا أخضر" يصد الزمن. وهذه المقارنة ليست لمجرد سرد الأحداث، بل لتشريح فلسفة الثقافة والوعي في بلدين يبحثان عن المستقبل، لكن بمنظورين مختلفين تمامًا.

ورُبَّ ضارةٍ نافعة، لعلنا نستفيق حول أهمية الأشجار في حياتنا لمكافحة التصحر وضرورة تغيير الثقافة السائدة لدينا. فما زلنا نتعامل مع الشجرة كعنصر زخرفي قابل للتضحية به عند أول احتكاك مع مخطط طريق، دون أن نمتلك ولو جزءًا

يسيرًا من الوعي المؤسسي بقيمتها الاستراتيجية.

فالصين التي زرتها لم تكتفِ بزراعة الأشجار كإجراء تجميلي، بل جعلت من "السور الأخضر العظيم" مشروعًا قوميًا بقوة القانون، امتد لأكثر من أربعين عامًا، وغطّى آلاف الكيلومترات من الأراضي القاحلة في الشمال، بمشاركة الملايين من المواطنين.

هناك، الشجرة ليست ديكورًا على جانب الطريق، بل استثمار استراتيجي في الأمن المناخي والغذائي، تُحسب عائداته على المدى البعيد كما تُحسب عائدات أي مشروع صناعي كبير.

أما في القاهرة، فالمشهد مختلف جذريًا؛ فالشجرة تُقيَّم بمعيار واحد فقط: هل تعرقل توسعة طريق أم لا؟ ولا يوجد فارق يُذكر بين شجرة عمرها عشرون عامًا وأخرى وُلدت بالأمس، فكلتاهما تُقتلع بنفس المنطق ونفس السرعة، دون تقييم بيئي مسبق، ودون خطة إحلال حقيقية تراعي أن الشجرة المعمرة لا تُعوَّض بشتلة صغيرة تحتاج عقودًا لتكتمل وظيفتها البيئية.

المشكلة إذن ليست في "قطع شجرة"، فهذا قد يكون ضروريًا أحيانًا لصالح مشروع تنموي حقيقي، بل في غياب الثقافة المؤسسية التي تجعل التشجير أولوية موازية للتعمير، لا بندًا هامشيًا يُذكر بعد فوات الأوان.

نحتاج إذن إلى تشريعات تُلزم أي مشروع طرق أو إنشاءات بخطة تعويض شجري مدروسة، تُحصي كل شجرة تُقتلع وتفرض زراعة أضعافها في مواقع محددة سلفًا. كما نحتاج إلى وعي مجتمعي يرى في الشجرة قيمة اقتصادية وصحية مباشرة، لا مجرد "منظر جميل" قابل للتضحية به أول ما تستدعي الحاجة.

وفي إطار تصحيح الأوضاع، نحتاج إلى إحصاء وطني دوري لأعداد الأشجار في مدننا، كما تفعل الصين بتقاريرها السنوية عن "تخضير الأراضي".

فالتصحر الذي حاربته الصين بالتخطيط طويل المدى والإرادة السياسية الصلبة، هو ذاته الخطر الذي يتسلل إلينا بصمت، كلما اختفت مساحة خضراء أخرى من خرائط مدننا، وكلما تحوّلت شجرة عمرها عقود إلى مجرد رقم في تقرير توسعة طريق.

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد هاتين الرحلتين لم يعد "هل نحتاج إلى ثقافة تشجير؟"، بل "كم شجرة أخرى يجب أن نخسرها قبل أن نمتلك الشجاعة لتغيير هذه الثقافة؟". فإما أن نبني سورنا الأخضر الخاص، أو نستسلم لزحف الإسمنت والصحراء معًا، دون أن نُدرك أننا نحفر بأيدينا قبرًا لذاكرة مدننا وهوائها النظيف.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع