إعلان

"صندوق مصر للعمل الاستباقي" ومنظومة الإنذار المبكر

محمد جمعة

كتب - محمد جمعة

07:00 م الأحد 23 أغسطس 2026

تتحرك الجغرافيا السياسية من حولنا اليوم بسرعة الإعصار، ولم يعد العالم يمنح الدول رفاهية انتظار الصدمة ثم التعامل مع آثارها. في قلب هذا المشهد الإقليمي والدولي المضطرب، تقف الدولة المصرية أمام جملة من المهددات غير التقليدية؛ بدءًا من تقلبات المناخ وآثارها المتعددة، مرورًا بتذبذبات سلاسل التوريد لبعض السلع الاستراتيجية، ووصولًا إلى الأزمات المركبة على حدودنا الاستراتيجية والتحديات التقليدية لأمننا القومي.
أمام هذا الواقع، لم يعد السؤال المطروح هو: هل نملك أجهزة رصد وإنذار قوية؟، بل السؤال الأكثر إلحاحًا لحماية المصلحة الوطنية المصرية هو: كيف نحول "الإنذار المبكر" إلى "عمل مبكر" استباقي فوري قبل أن تقع الأزمة أو "الكارثة" - لا قدر الله -؟
***
عندما ننظر في تجارب بعض الأمم النامية من حولنا، سنجد أن المعضلة الحقيقية التي تواجه منظومات الأمن القومي الحديثة في العديد من الدول تكمن في المساحة الفاصلة بين "مراكز الرصد العلمي والاستخباراتي" و"مطبخ صنع القرار السياسي".. فالإنذار المبكر يتحرك دائمًا في مساحات "الاحتمالات" و"النسب المئوية" والتوقعات بعيدة المدى، بينما يميل القرار السياسي بطبعه إلى البحث عن اليقين المطلق لتجنب الكلفة الاقتصادية أو الاجتماعية الباهظة للخطوات الاحترازية.
هذا التباين في الآفاق الزمنية والآليات يُحدث فجوة بنيوية؛ حيث تتدفق المعلومات والتقديرات عبر قنوات بيروقراطية رتيبة، في وقت تتطلب فيه الأزمات المعاصرة مرونة وسرعة تحرك تتجاوز نمط المركزية الصارمة إلى منح الأجهزة والهيئات والمؤسسات صلاحيات التحرك اللامركزي الفوري فور صدور الإنذار.
أضف إلى ذلك، العقبة التمويلية؛ فالموازنات الخاصة بوزارات حكومات العديد من دول العالم النامي، وكذلك الموازنات المحلية للمحافظات والمقاطعات فيها، مقيدة أو محكومة ببند الصرف التقليدي، ولا توجد آليات مرنة تسمى "التمويل القائم على التنبؤ".
***
إذا انتقلنا من العام إلى الخاص وخصصنا حديثنا عن مصر، فيمكننا أن نلاحظ تلك الطفرة الهائلة التي شهدتها مصر في البنية التحتية الرقمية ومراكز إدارة الأزمات. لكن بالمقابل من ذلك، يمكننا أيضًا أن نزعم بأن الذاكرة المؤسسية لا تزال محكومة بـ "ثقافة رد الفعل"!! بمعنى أننا عادة نبرع في حشد الطاقات، ونشرع في تقديم التعويضات، وترميم المنشآت بعد وقوع الحدث أو الكارثة، لكننا ربما نفتقر إلى المرونة التشريعية والمؤسسية التي تجعلنا نستهلك جزءًا ضئيلًا من هذه الموارد لمنع الحدث نفسه أو تقليص أضراره إلى الحد الأدنى.
وإذ يبدو دقيقًا القول بأن الدولة المصرية قطعت شوطًا كبيرًا على طريق الانتقال من سياسة الاستجابة إلى سياسة المبادأة، حيث تركز الجهات الحكومية و"المركز القومي لإدارة الأزمات" على تطوير آليات الاستشعار والإنذار المبكر للكوارث الطبيعية والأزمات البيئية بالتعاون مع هيئة الأرصاد الجوية والجهات المختصة. أيضًا يتبنى "صندوق مصر السيادي" استراتيجيات استثمارية تنموية بعيدة المدى.. لكن وعلى أهمية كل ما سبق، إلا أنه يختلف عن مفهوم العمل الاستباقي البحت الذي يتأسس على تطبيق مفهوم "التمويل القائم على التنبؤ". وهنا ربما من المفيد النظر في فكرة تدشين ما أسميه بــ"صندوق مصر للعمل الاستباقي". ولا أقصد بهذا الصندوق المقترح أن يكون مجرد وعاء مالي جديد يضاف إلى البيروقراطية الحكومية، بل محاولة لتطوير نوعي في عقيدة إدارة الأزمات المصرية، تنهض على نظام مالي ذكي يتيح سحب وضخ الأموال والميزانيات للمحافظات والجهات التنفيذية قبل حدوث الضرر الفعلي، بناءً على مؤشرات علمية واستخباراتية مؤكدة، بدلًا من حشد الموارد للإغاثة والترميم بعد وقوع الكارثة.
لكي يرى "صندوق مصر للعمل الاستباقي" النور بفاعلية، يجب أن يتبع الصندوق مباشرة رئاسة الجمهورية بالتنسيق مع مجلس الأمن القومي، لتمنح قراراته والإنذارات المرتبطة به قوة إلزامية قانونية تحرك الأجهزة التنفيذية فورًا. أيضًا يتعين دمج الصندوق رقميًا مع منظومات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد، لترجمة البيانات المعقدة إلى "سيناريوهات بديلة" وخيارات تمويلية واضحة أمام صانع القرار. كذلك، يمكن تمويل الصندوق عبر اقتطاع نسبة ضئيلة من ميزانيات الطوارئ الحالية، إلى جانب الشراكات مع صناديق المناخ الدولية والمؤسسات التنموية التي تمنح الأولوية للمبادرات الاستباقية.
***
باختصار، إن صون السيادة المصرية واستدامة مشروعاتنا التنموية القومية الكبرى يتطلبان ثورة في ثقافة إدارة الأزمات؛ فالاستثمار في التنبؤ والتحرك المسبق ليس ترفًا، بل هو خط الدفاع الأول عن أمن واستقرار هذا الوطن. وبعبارة أخرى، إن أي خلل أو عجز عن سد الفجوة بين "الإنذار المبكر" و"العمل المبكر" ليس مجرد قصور إداري، بل هو مهدد مباشر لأركان المصلحة الوطنية المصرية. كما أن ثقة المواطن في كفاءة الدولة ترتبط بقدرتها على حمايته مسبقًا. بينما تأخر الاستجابة في بعض الأزمات يشكل أحيانًا تحديًا للعقد الاجتماعي ويحول الأزمات المحلية إلى أوراق ضغط بيد القوى الخارجية في بيئة إقليمية تتربص بالاستقرار المصري.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان